الوصف

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اخواني وأخواتي أعضاء منتديات اقليم كوردستان وأسعد الله أوقاتكم بالخير والمحبة... يطيب لي أن أنتهز الفرصة بأن أتقدم لجميع مشرفي وأعضاء منتديات اقليم بالشكر والامتنان على هذه الجهود المتواصلة من أجل بث روح النشاط بالمنتدى، وتوطيد العلاقة فيما بيننا ونشر روح الالفة والتراحم، وتعطير صفحات منتدانا بالمتعة والفائدة. لذا،فأني أحمد الله على هذا التوفيق ومن ثم أود أن أشكر الجميع على هذا التعاون آملاً من الجميع الاستمرار في هذا العطاء... كلمة الإدارة

آخر 10 مواضيع
افتح يا سمسم...           »          علاج سوء الخلق للشيخ حاتم الاثرى           »          تفسير جزء تبارك للشيخ حاتم الاثرى           »          حصريا قناة كورد Hevi tvجديد قمر لتركي سات turksat 42 4a hd           »          غزه ارجوك لا تصدقين ..           »          الـقـلـب الـخـافـق . إنـسـان           »          باقة قنوات جديده كوردى قمر تركسات 42           »          لله في سر وفي إعلان           »          فخرجوا يمشون .           »          يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ..


العودة   منتديات اِقليــم كوردستان > منتدى الاقليم الاسلامي > قسم تفسير القران

إضافة رد
انشر الموضوع
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 10-14-2011, 11:51 AM   #1
كبار الشخصيات


الصورة الرمزية العفريني
العفريني غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Nov 2010
 أخر زيارة : 02-28-2014 (05:05 PM)
 المشاركات : 7,969 [ + ]
 التقييم :  154
 الجنس ~
Male
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Brown
افتراضي التفسير المطول - سورة يونس لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي



التفسير المطول - سورة يونس
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي







بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
الحكمة من الابتداء بتفسير الأجزاء العشرة الأخيرة :
بسم الله الرحمن الرحيم .. تمَّ بتوفيق الله وفضله تفسير الأجزاء العشرة الأخيرة من كتاب الله خلال السنوات الماضية ، وانتهينا في الدرس الماضي من تفسير سورة الفاتحة ، وها نحن ننتقل الآن إلى الأجزاء العشرة الثانية من كتاب الله سبحانه وتعالى ، وتبدأ بسورة يونس ، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يُمِدَّنا من فضله كي ننهي تفسير كتاب الله كلِّه .
أما الحكمة من البدء بالأجزاء العشرة الأخيرة هي أنَّ هذه الأجزاء العشرة الأخيرة يغلب عليها الطابع المكِّي ، والطابع المكّي آياتٌ تدور حول وجود الله ، وحول عظمته ، وأسمائه الحسنى ، وآياته الكونية ، وترسيخ الإيمان بالله ، وأما السور المدنيَّة فيغلب عليها طابع التشريع ، والنبي عليه الصلاة والسلام بقي في مكَّة المكرَّمة ثلاثة عشر عاماً يوجِّه الأنظار إلى آيات الله الكونيَّة ، فحينما استقرَّ الإيمان في النفوس جاءت الآيات المدنيَّة ، ولا يمكن أن تنفِّذ الأمر ما لم تعرف الآمر ، ولا أن تنتهي عن النهي ما لم تعرف الناهي ، فالآيات المكَّية أولاً ، ثم الآيات المدنيَّة ، فالعشرة الأجزاء ـ وهكذا في اللغة ـ الأخيرة يغلب عليها الطابع المكّي ، والأجزاء العشرة المتوسِّطة بينَ بينْ ، والأجزاء العشرة الأولى يغلب عليها طابع التشريع ، فمع سورة يونس عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة ..
بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ{1} أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ{2} إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ﴾
﴿ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾
﴿ الَر ﴾
الَر
1 ـ معنى الحروف المقطعة :
هذه الحروف وأمثالها ..
﴿ الَم ﴾
( سورة البقرة )
﴿ الَمرَ ﴾
( سورة الرعد : الآية 1 )
﴿ كَهَيَعَصَ ﴾
( سورة مريم )
﴿ حَم ﴾
( سورة الأحقاف )
﴿ ق ﴾
( سورة ق : آية " 1 " )
هذه الحروف سمَّاها بعض المفسِّرين " فواتح السوَر " ، وقال بعضهم الآخر : " الله أعلم بمراده " ، وقد روي عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنه أنه قال في تفسير هذه الحروف : " إنها أوائل أسماء الله الحُسنى " ، وقد روي عنه رضي الله عنه تفسير هذه الحروف الثلاثة : ﴿ الَرَ ﴾
أي أنا الله أرى ، وقال بعض المفسِّرين : " إنها أوائل أسماء رسول الله ، فألف أحمد ، واللام لطيف ، والراء رحيم " .
والذي يرجِّح هذا الرأي الأخير أنَّ كل سورةٍ على الإطلاق بدأت بهذه الحروف يعقبها مباشرةً كاف الخطاب ..
﴿ الم (1)ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ ﴾
( سورة البقرة )
﴿ المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ ﴾
( سورة الرعد )
﴿ كهيعص (1)ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ﴾
( سورة مريم )
على كلٍ هناك رأيٌّ رابع أو خامس ، وهو : أن القرآن الكريم المُعْجِز الذي تحدَّى الله به بني البشر .. ﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ ﴾
( سورة الرحمن : الآية 33)
2 ـ لا يستطيع أحدٌ أن يأتي بمثل آية من القرآن :
هناك آياتٌ بهذا المعنى توضِّح أن الإنس والجنَّ قاطبةً لا يستطيعون أن يأتوا بآيةٍ من آيات الله عزَّ وجل ، فلذلك من جنس هذه الحروف ، كيف أن التراب بين أيدينا منه تخرُج النباتات كلُّها، التفاح ، فلو اجتمع الإنس والجن على أن يأخذوا تراباً ليصنعوا منه فاكهةً لا يستطيعون ، فهناك إعجاز ، التراب موجود ، والماء موجود ، هذا الحشيش الذي تأكله البقرة يُصنع منه لبن سائغ للشاربين ، هذه كلها آيات الله عزَّ وجل ، المواد الأوليَّة موجودة ، ولكن الإعجاز في خلقها ، في تكوينها ، في صنعها ، كذلك قال بعضهم : " إن هذا القرآن الكريم المُعْجِز هو من حروفٍ نعرفها جميعاً ؛ ألف ، باء ، تاء ، ثاء ، جيم ، حاء ، خاء .. ثمانية وعشرون حرفا ، وقد رُكِّبت آيات هذا الكتاب من هذه الحروف ، والله سبحانه وتعالى كما قلت قبل قليل : تحدَّى البشر إنساً وجنّاً أن يأتوا بمثل هذا القرآن ..
﴿ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا(88)﴾
( سورة الإسراء )
﴿ قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾
( سورة الإسراء )
على كلٍ ، في كتاب الله آياتٌ تحتمل وجوهاً عديدة ، فكما كنت أقول لكم دائماً : القرآن الكريم حمَّال أوْجُه ، والقرآن الكريم ذو وجوه ، فـ .. ﴿ الم ﴾
3 ـ الحروف المقطعة من الإعجاز العلمي :
إما أنها من أسماء الله الحسنى ، وإما أنها دليل إعجاز الله في كتابه ، وإما أنها من أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، وإما أنها فواتح السور ، وقد سمعت أن هناك من لَقَّمَ حاسباً إليكترونياً بآيات القرآن الكريم ، آيةً آيةً ، حرفاً حرفاً فوجد أن كل سورةْ تبدأ بحروفٍ مثل هذه الحروف لو أحصيت حروف هذه السورة لوجدَّت أن أكثر حرفٍ تكرَّر فيها هو الألف ، ثم اللام ، ثم الراء ، وفي سورة ( ق )أكثر حرفٍ تكرَّر فيها هو حرف " قاف " ، هذا شيءٌ يظهر حديثاً ، القرآن الكريم كلام الله .
وسمعت عن الإعجاز الحسابي ، غير الإعجاز الرياضي ، مثلاً : كلمة يوم ذُكِرَت في كتاب الله ثلاثمائة وخمساً وستين مرَّة حصراً ، ولو فتحت بعض كتب معاجم القرآن الكريم .. هناك معاجم لكلمات القرآن الكريم .. لوجدت كلمة يوم ، واليوم بلا التعريف ، ومع التعريف وردت ثلاثمائة وخمساً وستين مرَّة ، وأن كلمة شهر وردت حصراً اثنتي عشرة مرَّة ، وأن آيات الجنَّة مساويةٌ لآيات النار ، وأن آيات الملائكة مساويةٌ لآيات الشياطين ، وأن آيات الدنيا مساويةٌ لآيات الآخرة ، هذا الإعجاز الحسابي لم يكن في الحُسبان ، هناك إعجازٌ حسابي ، وهناك إعجازٌ رياضي ، وهناك إعجازٌ بلاغي ..

﴿ الر ﴾
وهناك إشاراتٌ لطيفة إلى أسماء الله الحُسنى ، وهناك إشاراتٌ إلى أسماء النبي عليه الصلاة والسلام ، أما من يقول : " الله أعلم بمراده " ، هذا القول مقبول ، ولكن أعفى نفسه من كل جهد .. الله أعلم بمراده أي لا أدري ، وربنا سبحانه وتعالى يقول : ﴿ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(24)﴾
( سورة محمد )
إنَّ هذه الحروف جعلها الله رموزاً كي يتحرَّك هذا الذهن ، الوضوح الشديد يفقد الحافز لفهم الكتاب ، لكن هذه الرموز لعلَّ الإنسان يُستثار بها فيتَّجه إلى تفسيرها ، على كلٍ القرآن ذو وجوه هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام .. ﴿ الر ﴾
4 ـ من معاني الحروف المقطعة أسماء النبي عليه الصلاة والسلام :
إذا رجَّحنا أن الألف أحمد ، واللاَّم لطيف ، والراء رحيم ، أي أن النبي عليه الصلاة والسلام كان أحمد الخلق قاطبةً ، لماذا كان أحمد الخلق ؟ لأنه كان أشدَّهم معرفةً بفضل الله عزَّ وجل ، إذاً : الحمد يتناسب طرداً مع المعرفة ، مع معرفة الفَضْلِ ، فما من مخلوقٍ بلغ مرتبة النبي عليه الصلاة والسلام في معرفة فضل الله سبحانه وتعالى ، لذلك اسمه في السماء أحمد ، وفي الأرض محمَّد ، والاسم في اللغة يعني الصفة ، واسمه أي من الوسم ، النبي عليه الصلاة والسلام كان أحمد الخلق قاطبةً ، لأنه كان أحمد الخلق صار أرحمهم ، وألطفهم ، لأنه أشدَّهم صلةً بالله عزَّ وجل ، فالله سبحانه وتعالى في هذه الحروف يُثْنِي على النبي عليه الصلاة والسلام ، ويذكر صفاته العُليا هو أحمد الخلق ، وهو لطيفٌ أي إذا صاحبته ، إذا توجَّهت إليه ، إذا ذكرت اسمه ، يرقى بنفسك بلطفٍ إلى الله سبحانه وتعالى .. " الله المعطي وأنا القاسم " ..

[ ورد في الأثر ]
﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾
( سورة التوبة : الآية 103 )
النبي عليه الصلاة والسلام دليلنا إلى الله :
فهذه الأحوال الطيّبة التي تنشأ في النفس من اتصالك برسول الله صلى الله عليه وسلَّم حيَّاً أو ميتاً .. " حياتي خيرٌ لكم ، ومماتي خيرٌ لكم ".. هذه الأحوال الطيّبة ، هذا الشعور بالسعادة ، هذا الشعور بالقُرب من الله عزَّ وجل ، هذا الإحساس بالطمأنينة يكون عندما تذكر النبي عليه الصلاة والسلام ، لذلك :
﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﴾
( سورة الأحزاب : الآية 56 )
صلاة التجلّي ، أي أن قلب النبي عليه الصلاة والسلام مهبطٌ لتجلّيات الله عزَّ وجل .. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا(56)﴾
( سورة الأحزاب )
أي أن الله سبحانه وتعالى يتجلَّى على قلبه الشريف ، وإذا شئتم نوعاً من هذا التجلِّي طرفاً من هذا النور ، شيئاً بسيطاً من هذه التجليات فصلّوا عليه ، فصلاة الله على النبي عليه السلام صلاة إكرامٍ وتجلٍّ ، وصلاة المؤمنين عليه صلاة اتصالٍ وأخذ ، الله يعطي ونحن نأخذ ، والنبي عليه الصلاة والسلام باب الله ، وأي امرئٍ أتاه من غيره لا يدخل .
عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :
(( ... ثُمَّ سَلُوا لِيَ الْوَسِيلَةَ ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إِلا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ ... ))
[ سنن الترمذي ]
النبي عليه الصلاة والسلام أحمدُ الخَلقِ وأرحمُهم :
إذاً : لمعرفته الشديدة بفضل الله كان أحمدَ الخلق ، ولأنه كان أحمدَ الخلق كان أَشَدَّهم صلةً بالله عزَّ وجل ، ولأنه كان أشدَّهم صلةً بالله عزَّ وجل كان ألطفهم في نقل العبادِ من أحوالهم العاديَّة إلى أحوال القُرب والتجلي ، لذلك مرَّ الصديق رضي الله عنه في أحد طرق المدينة بصحابيّ يجلس على قارعة الطريق يبكي ، اسمه حنظلة ، فقال الصديق لهذا الرجل الصحابي: " مالك يا حنظلة تبكي ؟ " قال : نافق حنظلة ، قال : " يا أخي لمَ ؟ " قال : نكون مع رسول الله ونحن والجنّة كهاتين " ..
أحياناً الإنسان على شكل مصغر جداً إذا حضر مجلس علم ، وكان هناك إخلاص ، وليست هناك دنيا ، تحفُّ به الملائكة ، يقول لك : ارتاح قلبي ، شعرت بسعادة ، هذا نمودج مصغَّر مليار مرَّة ، ألف مليار ، إذا حضرت مجلس علم ، وكان فيه إخلاصٌ من الطرفين من المتكلِّم والمستمع ، والتجليات تهبط على هذا المجلس ..
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( ... وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ... ))
[ صحيح مسلم ]
فكيف لو أُتيح لك أن تجلس في مجلس النبي عليه الصلاة والسلام ؟
عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ قَالَ :
(( لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ : كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ ؟ قَالَ : قُلْتُ : نَافَقَ حَنْظَلَةُ ، قَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ! مَا تَقُولُ ؟ قَالَ : قُلْتُ نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ : نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمَا ذَاكَ ؟ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ))
[صحيح مسلم ]
هذا تعريف النبوَّة ، النبوَّة إقبالٌ دائمٌ على الله ، وما دام الإنسان على أنه مقبلاً دائماً فهو بنوره مستنير ، أنَّى له أن يغلط ؟ لذلك من هنا كانت عصمة الأنبياء ، الأنبياء معصومون ، وأي امرئٍ ينسب إلى نبيٍّ من الأنبياء غلطاً أو خطيئةً فقد جهل معنى العصمة .. ﴿ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ(26)لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ(27)﴾
( سورة الأنبياء )
﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى(4)﴾
( سورة النجم )
يفهم الناس الجهلاء هذا الكلام ساعة طاعة ، وساعة معصية ، أعوذ بالله ، ساعة إقبال وساعة فتور (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ ، سَاعَةً وَسَاعَةً ))
النبي الكريم بإقباله العالي على الله سبحانه وتعالى شفَّت نفسه فأصبح يرى ما لا يراه الناس ، ويسمع ما لا يسمعون ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ جَعْفَرٍ قَالَ : (( أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ خَلْفَهُ فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لا أُخْبِرُ بِهِ أَحَدًا أَبَدًا ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ فِي حَاجَتِهِ هَدَفٌ أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ ، فَدَخَلَ يَوْمًا حَائِطًا مِنْ حِيطَانِ الأَنْصَارِ ، فَإِذَا جَمَلٌ قَدْ أَتَاهُ فَجَرْجَرَ ، وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ ، فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرَاتَهُ وَذِفْرَاهُ ، فَسَكَنَ ، فَقَالَ : مَنْ صَاحِبُ الْجَمَلِ ؟ فَجَاءَ فَتًى مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ : هُوَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : أَمَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَهَا اللَّهُ ، إِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ ))
[ مسند الإمام أحمد ]
كان يخطب على جذع نخلةٍ فجاء صحابيٌّ ، وصنع له منبراً ، فحنَّت النخلة إليه ، فكان يقف على المنبر ، ويضع يده على جذع النخلة إكراماً لها.
عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( إِنِّي لأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ إِنِّي لأَعْرِفُهُ الآنَ ))
[ صحيح مسلم ]
كلما ازداد إقبالك ازداد نورك :
كلَّما ازداد إقبالك رأيت ما لا يراه الناس ، وسمعت ما لا يسمعون ، قد تنظر إلى وردة ، أنت مؤمن تقول : سبحان الله ! تشعر أن الله سبحانه وتعالى خلقها من أجلك ، خلقها إكراماً لك ، هذا إحساس فوق مستوى الناس ، أما قد يرى الوردة إنسان فيقول : كم ثمنها ؟ الأسعار مرتفعة ، أسعار الورد مرتفعة ، تفكير مادي محض ، أنت فكَّرت تفكير آخر، لو ارتقت نفسك لرأيت أن هذه الوردة سخَّرها الله سبحانه وتعالى إكراماً للإنسان ، إذاً :
(( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ ، سَاعَةً وَسَاعَةً ))
وهذا الذي عبَّر عنه الصوفيّون بحالة الكشف ، أي أنه لا يرى إلا الله ، يرى الله من خلال كل شيء ؛ من خلال كأس الماء ، من خلال رغيف الخبز ، من خلال كأس الحليب ، من خلال البيضة ، من خلال التفَّاحة ، من خلال ابنه الصغير ، من خلال زوجته ، من خلال الهواء ، من خلال كل شيء ..
وفي كل شيءٍ له آيةٌ تدل على أنه واحد .
كلَّما ارتقى الإيمان بالإنسان كشف عن بصيرته ، وصار بصره حادَّاً ، لكن يوم القيامة كل إنسانٍ يملك هذا البصر الحاد ، ولكن متى ؟ بعد فوات الأوان .
﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ(22)﴾
( سورة ق )
اعرف الحقَّ في وقته لا بعد فوات الأوان :
رأيت الحقيقة ، ولكن بعد فوات الأوان ، ولا تنفع في هذه الساعة رؤية الحقيقة ، والبطولة أن ترى الحقيقة قبل أن يفوت الأوان ، أن ترى الحقيقة وأنت في الدنيا ، تستطيع أن تتوب من ذنوبك ، تستطيع أن تتقرَّب إلى ربك ، البطولة أن ترى الحقيقة وأنت في الدنيا ، تتعرَّف إلى خالقك ، تقرأ كتابه ، تفهم آياته ، تستقيم على أمره ، تُجالس أهل الحق ، تدعو إلى الله سبحانه وتعالى ، تذكر الله كثيراً ، هذه البطولة ، لكن إذا جاء الموت ، فرعون عرفه ..
﴿ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾
( سورة يونس : الآية 90 )
قال له : ﴿ أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾
( سورة يونس : الآية 91 )
أحياناً الطالب يأتيه في الامتحان سؤالٌ لا يُجيب عنه إطلاقاً ، فيقدِم الورقة بيضاء ، يذهب إلى البيت ، ويفتح الكتاب فيعرف جواب السؤال ، ولكن متى ؟ بعد فوات الأوان ، الورقة قُدِّمَت بيضاء وسوف تنال علامة الصفر ، فإذا عرفت الآن جواب السؤال نسخر منك ، ونقول لك : بعد فوات الأوان ، فهذا كله عن معنى اللطيف ، أي أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا أحببته ، إذا صلَّيت عليه ، إذا ذكرت أخلاقه ، إذا تعلَّق قلبك به ، يرقى بك إلى الله بلطف من دون أن تشعر ، وأما الراء فبمعنى : ما من مخلوقٍ على وجه الأرض أرحم بالخلق من النبي عليه الصلاة والسلام ، ومع ذلك قال الله في حقِّه : ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾
( سورة آل عمران : من الآية 159)
﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾
( سورة الكهف : من الآية 58 )
الرحمة كلُّها عند الله ، والنبي عليه الصلاة والسلام وهو أرحم الخلق بالخلق ، أُوتي رحمةً من هذه الرحمة .. ﴿ الر ﴾
أي كأن الله سبحانه وتعالى عرَّفنا بهذا النبي .. ﴿ تِلْكَ ﴾
يا محمَّد . ﴿ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴾
تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ
1 ـ ما هي الآية ؟
الآيات جمع آية ، والآية العلامة الدالَّة .
في حياتنا علاماتٌ كثيرة ، علاماتٌ تدلُّ على المرض ، علاماتٌ تدلُّ على الصحَّة ، علاماتٌ تدل على عظمة الله سبحانه وتعالى ، فالجبال من آيات الله ، والشمس والقمر من آيات الله ، والمجرَّات من آيات الله ، والنجوم في كبد السماء من آيات الله ، والمسافات بين النجوم من آيات الله ، وخلق الإنسان من آيات الله ، والماء من آيات الله ، والهواء من آيات الله ، وابنك الصغير الذي يلعب في البيت من آيات الله..

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ﴾
( سورة الروم : من الآية 21)
﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ﴾
( سورة فصلت : من الآية 37 )
فالآية هي العلامة الدالَّة على شيء ، فالكون كلُّه آياتٌ تدلّ على عظمة الله ، والله سبحانه وتعالى يقول : ﴿ وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ(20)﴾
( سورة الذاريات )
وكتاب الله سبحانه وتعالى آياتٌ دالّةٌ على عظمته ، وعلى حكمته ، وعلى قدرته ، وعلى رحمته ، وعلى علمه ، وعلى تشريعه ، وعلى الحلال والحرام ، والحق والباطل ، والخير والشر، وما يجوز وما لا يجوز ، وعلى سنن الله في خلقه ، وعلى العِبَرِ المستنبطة من التاريخ ..

يا محمَّد ..

2 ـ كل كلمة في القرآن آية وعلامة :
كل كلمةٍ آية ، والنَظْمُ آية ، والتقديم آية ، والتأخير آية ..
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾
(سورة النور : من الآية 30 )
لو أنَّ الله سبحانه وتعالى قال : قل للمؤمنين يحفظوا فروجهم ويغضّوا من أبصارهم ، هناك معنى خطير تلاشى ، وهو أن طريق حفظ الفرج غض البصر ، لذلك قدَّم غضَّ البصر على حفظ الفرج ، فالتقديم آية ، والتأخير آية ، والإيجاز آية ، والإطناب آية ، والسكوت عن الشيء آية ، إذا سكت القرآن عن شيء فسكوته آية ، لأن هذا الشيء متبدِّل ، ومتغيّر ، ومتطور ، ولا علاقة له بإقبال النفس على خالقها .
إن الله أمركم بأشياء ، ونهاكم عن أشياء وسكت عن أشياء رحمةً بكم ، فالشيء الذي ذكره الله آية ، والشيء الذي سكت الله عنه آيةٌ على حكمته ، وعلى رحمته ، وعلى لطفه ، وعلى رأفته بالعباد ..
﴿ تِلْكَ آياتُ ﴾
لكن الآيات هنا متعلِّقة بالقرآن الكريم .. ﴿ وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ(20)﴾
هذه متعلِّقة بالكون .
أما :

﴿ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴾
3 ـ معنى الكتاب :

أما الكتاب فبعضهم قال : " حيثما وردت كلمة الكتاب معرَّفةً في القرآن الكريم فإنما تعني الكُتُبَ السماويَّة كلها " ، والكتب السماويَّة كلُّها ماذا تعني ؟ تعني أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق ، وخلق لهم منهجاً إذا طبَّقوه سعدوا في الدنيا والآخرة ، وحقَّقوا الهدف الكبير من خلقهم .
الكتاب منهجٌ للخلق :
بشكلٍ أو بآخر : آلة معقَّدة جداً ، مع هذه الآية نشرة استعمال بكل اللغات ، فمتى طبَّقت ما في هذه النشرة ضمنت سلامة الآلة ، وضمنت قيامها على أحسن وجه ، وضمنت لها أعلى مردود ، وبأقلّ جهد ، وأقلّ نفقات ، ضمنت سلامتها من كل شيء ، فإذا ضربت بهذه النشرة عُرض الحائط عطبت الآلة ، وخسرتها ، وخسرت ثمنها ووظيفتها .
فآيات الكتاب .. هذا الكتاب منهج الله في خلقه .. سواءٌ أكان معنى الكتاب جميعَ الكُتُبَ السماويَّة ، أو كان معنى الكتاب القرآن الكريم وحده فكلاهما يدل على أن هذا المنهج منهج الإنسان في الحياة ، وهو كتابه المقرَّر ، فما قولكم بطالبٍ جامعي على مشارف التخرُّج ، وبقيت عليه مادَّةٌ أساسيَّة إذا نجح فيها تخرَّج من الجامعة ، وإذا تخرَّج دخل في وظيفةٍ راقية ، وإن دخل في هذه الوظيفة الراقية كان له دخلٌ كبير أتاح له أن يتزوج ، وأن يبني أسرةً ، وأن يفعل ما يفعل ، فإذا كان قبل الامتحان بيومين ، وبدأ يقرأ قصصاً لا علاقة لها بالكتاب المقرَّر ألا يُعدُّ هذا الطالب غبيَّاً ؟ يقول لك : هذه الكتب قيّمة ، هذه قصص ممتعة ، للمؤلِّف الفلاني ، نقول له : عندك كتاب مقرَّر إذا قرأته وفهمته تخرَّجت من الجامعة ، وضمنت مستقبلك .
كذلك الإنسان في الدنيا ، فأنت أي كتابٍ تقرأه ، أي شيءٍ تُطالِعَه إن لم يكن له علاقةٌ بالقرآن الكريم ، أو بمنهجك في الحياة فهو ضياعٌ للوقت ، لذلك دخل النبي عليه الصلاة والسلام إلى المسجد فرأى قوماً متحلِّقين حول رجل فقال : " من هذا الرجل ؟ " هو يعلم لكن أحبَّ أن يُعَلِّم ، قالوا : " هو يا رسول الله نسَّابة " ، قال : " وما نسَّابة ؟ " قالوا : " يعلم أنساب العرب " قال : " ذلك علمٌ لا ينفع من تعلَّمه ، ولا يضرَّ من جهله " .

[ ورد في الأثر ]
أي أنه بلا فائدة ، فتعلَّم كتاب الله ، فيه الحق ، فيه طريق الخير ، طريق السعادة ، طريق النجاة في الدنيا والآخرة .
إذاً :

﴿ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴾
4 ـ معنى الحكيم :
الحكيم : أي أن كلام الحكيم حكيم ، إما أن الحكيم اسمٌ من أسماء الله سبحانه وتعالى ظهر في كلامه ، فالإنسان الحكيم كلامه فيه حكمة ، والإنسان الأخرق كلامه فيه حمق ، فالله سبحانه وتعالى من أسمائه الحكيم ، إذاً : كلامه حكيم ، وهناك معانٍ كثيرة لكلمة حكيم .
من معاني الحكيم : أن الله تعالى يخاطب الإنسان في كتابه الكريم ؛ يخاطب عقله تارةً ، ويخاطب قلبه تارةً أخرى ، يحذِّره تارةً ويبشّره ، يخوِّفه أحياناً ، ويطمئنه أحياناً أخرى ، يقصُّ عليه القصص ما فيه موعظة بالغة ، يخبره بالآيات ، يحدِّثه عن الأقوام السابقة ، يخبره عما سيكون في المستقبل بعد الموت ، فيه حكمة بالغة ، فيه تنويع ، القرآن يوجِّه النفوس إلى طريق سعادتها .
في السورة الواحدة ترى آيات كونيَّة ، وترى وصفاً للنار وأهلها ، وترى وصفاً للجنَّة وأهلها ، وترى تبشيراً ، وترى تحذيراً ، وترى قصَّةً ، القصَّة مع الآية مع التحذير مع التبشير مع مشاهد القيامة ، هذا بمجموعه يحمل النفس على طاعة الله سبحانه وتعالى .
إذاً : حكيم ، صياغته حكيمة ، موضوعاته حكيمة ، تنويع موضوعاته حكيمة ، عمق موضوعاته حكيمة ، حجم موضوعاته حكيمة ، لو كان القرآن عشرة آلاف صفحة لم يكن حكيماً ، أي أنه فوق طاقة الإنسان ليقرأه ويستوعبه ، جعله موجزاً ، جعله بليغاً ، فيه من كل علمٍ طرف ، فيه أصول العلوم كلها ، أصولها لا تفصيلاتها ، فيه مناهج السعادة ، الطريق إلى الله سبحانه وتعالى ، حكيم ، حكيم في موضوعاته ، حكيم في حجم موضوعاته ، في حجم عددها ، حكيم في تنوُّعها ، حكيم في صياغتها ، أي أن الله عزَّ وجل يصوغ الآيات صياغات حكيمة جداً ..

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾
( سورة القصص : من الآية 14)
الآية قانون :
هذا ضمن قصَّة ، لكن الله سبحانه وتعالى ترك القصَّة وعَقَّبَ عليها بتعقيبٍ يشبه أن يكون قانوناً :
﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ ﴾
انتهت القصَّة .
﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88)﴾
( سورة الأنبياء )
يقرأ الآية مؤمن واقع في أزمة ، خائف من جهة ، عنده مشكلة ، يمكر به بعض الناس ، يقرأ هذه الآية فيصبح قلبه مطمئناً لحفظ الله سبحانه وتعالى ولتوفيقه ، قال : ﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
هذا قانون في كل زمان وفي كل مكان ، في كل عصر وفي كل مصر ، قديماً وحديثاً ، في كل مكان .. ﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
إذاً : ربنا عزَّ وجل حكيم في هذا الكتاب . ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
(سورة الأحزاب : من الآية 36)
حكيم . ﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾
( سورة النحل : من الآية 8)
إلى هذا المكان ، لو أن إنساناً في هذا العصر قرأ هذه الآية لقال : الآن يوجد طائرات حديثة ، توجد طائرات أسرع من الصوت ، تركب الطائرة الساعة الثامنة وأنت في لندن تكون في الساعة العاشرة في واشنطن ، تَعْبُر المحيط الأطلسي في ساعتين ، ربنا عزَّ وجل قال : ﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾
الله عزَّ وجل في هذا الكتاب غطَّى به كل الأزمنة .. ﴿ وَيَخْلُقُ ﴾
أي أن وقودها من الأرض ، من خلق الله سبحانه وتعالى ، ومعدنها من الأرض من خلق الله سبحانه وتعالى ، والفكر الذي اخترعها من خلق الله سبحانه وتعالى ، فكأن الطائرة آيةٌ على عظمة الله سبحانه وتعالى . ﴿ وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾
إذاً : ﴿ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴾
5 ـ من معاني الحكيم المحكَم :
من معاني الحكيم أيضاً أنه مُحْكَم ، معنى محكم أي لا خلل فيه ، ولا نقص ، ولا تناقض ، وأي كتابٌ لبني البشر إذا قرأته قراءةً واعية سرعان ما تكشف التناقض ، أو تكشف الخلل ، وأحياناً المؤلِّف يوسِّع في فصل توسيعاً شديداً جداً ، ويوجز في فصل ، معنى هذا أن معلوماته في هذا الموضوع واسعة ، وفي هذا الموضوع ضعيفة ، إذاً : الكتاب غير متوازن ، فهناك فصل موسَّع جداً وفصل ضيّق ، إذاً : هو غير حكيم ، لكن قوله تعالى :
﴿ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴾
أي أنه محكم ، لا خلل فيه ، ولا تناقض ، ولا نقص ، هذه من معاني الحكيم ، و .. ﴿ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ﴾
( سورة هود : من الآية 1 )
6 ـ من معاني الإحكام الترابط :
من معاني الإحكام أيضاً الترابط ، فبعضهم قال لجهله الفاضح : "ليس بين آيات القرآن ترابط " . هذا جهلٌ فاضح ، ما من آيةٍ إلا وآخذةٌ بعنق أختها ، وكأنَّ السورة عِقْدٌ منظوم .
كتاب الله يحتاج إلى نفسٍ طاهرةٍ كي تَعِيَه :
لكن كتاب الله يحتاج إلى نفسٍ طاهرةٍ كي تَعِيَه ..
﴿ لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ ﴾
( سورة الواقعة )
من معاني هذه الآية : المُطَهَّر يفهم كتاب الله . ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ ﴾
( سورة البقرة : من الآية 282 )
﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾
( سورة التغابن : من الآية 11)
﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾
( سورة فصلت : آية " 44 " )
﴿وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا(82)﴾
( سورة الإسراء )
البعيد عن الله سبحانه وتعالى ، المتلبِّس بالمعصية ، من كان قلبه نجساً يقرأ القرآن فلا يفهم منه شيئاً ، يراه متناقضاً ، يراه غير منتظم ، غير مترابط ، لكن الله سبحانه وتعالى قال : ﴿ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴾
هناك ترابطٌ بين آياته ، هناك ترابطٌ بين كلماته . مثالٌ من إحكام القرآن بين حروفه :
هناك ترابطٌ بين حروفه .
﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾
(سورة الأنعام )
هنا( ثُم ) وفي آية ثانية : ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ﴾
( سورة النمل )
هذه ثم وهذه الفاء ، فهل هذا تنويع ؟ هذا عمل الإنسان ، يقول لك : نَوِّع ، لتفادي التكرار ، ضع مرَّة ثم ومرَّة الفاء ، فأستاذ الإنشاء والتعبير يضع خطوط حمراء ، ويقول لك : هذه تكرار ، والتكرار يُضعِف الموضوع ، نوِّع ، فلمَّا قال ربنا : ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾
ولمَّا قال : ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا ﴾
يا ترى هل الله عزَّ وجل ينوِّع ، أم أنَّ هناك لكل آية معنى دقيق جداً ؟ فـ ( الفاء وثم ) حرفان من حروف العطف يفيدان الترتيب ، لكن الفاء تفيد الترتيب على التعقيب ، وثم تفيد الترتيب على التراخي ، فإذا قلنا : دخل فلان ففلان أي أن الثاني وراء الأول ، أما دخل فلان ثم فلان أي بعده بساعة ، فربنا عزَّ وجل قال : ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾
إذا رأيت إنساناً ينكر هَدي الله عزَّ وجل ، وماله حرام ، وهو فاجر ، وفاسق ، ومعتدٍ ، وباغٍ ، ومنحرف ، وصحَّته طيّبة ، وماله وفير ، وبيته فخم ، ومكانته الاجتماعيَّة عالية ، هذه ثمَّ ، أي انتظر ، انتظر سنة ، سنتين ، ثلاثا ، أربعا ، عشرا ، تأتيه الضربة القاصمة .. لأن الله يمهل ولا يهمل .. ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾
ومن جهة أخرى تجد إنساناً أحياناً يحلف يميناً غموساً في المحكمة ، ويضم له مالاً حراماً ، يقول الناس عنه : خرج من المحكمة مشى مترين فوقع مشلولاً ، هذه : ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا ﴾
هذه الفاء ، فحتى في الحروف إحكام ، في الكلمات إحكام ، في الآيات إحكام ، في السور إحكام ، وبعضهم قال : " جزء عمَّ .. الجزء الأخير من كتاب الله .. كلُّه آياتٌ كونيَّة .. ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ ﴾
( سورة الانفطار )
﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَت(1)
( سورة التكوير )
﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾
( سورة الشمس )
وفي سورة واحدة : ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾
( سورة المطففين )
فهي في المعاملات ، قال بعض المفسرين : " إذا كان التطفيف بحق إنسانٍ يقتضي الهلاك فكيف التطفيف بحق الله سبحانه وتعالى ؟ هناك تناسب في الآيات ، في الحروف ، في الكلمات ، في السور ، هذه من معاني الحكيم المترابط ، من معاني الحكيم كما قلت قبل قليل : أي الذي لا خلل فيه ، ولا غلط ، ولا رَيْب ، ولا نسيان ، ولا ضعف ، ولا تناقض ، ولا تضارب بين الآيات . 7 ـ من معاني الحكيم إحكام الله في القرآن الحق والباطل :
من معاني الحكيم الذي أَحْكَمَ فيه الله سبحانه وتعالى الحق والباطل ، والخير والشر ، والحلال والحرام ، وما يجوز وما لا يجوز ، أي أن هذه الآيات حكمت على هذا الشيء بأنه حق وهذا باطل .
لذلك :

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
( سورة الأحزاب : من الآية 36 )
إذا قال الله عزَّ وجل : ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا ﴾
( سورة البقرة : من الآية 276 )
ليس هناك أيّ مناقشة إطلاقاً ، فلا يجوز البحث في هذا الموضوع ، لأن الله سبحانه وتعالى قضى في الربا حكمه ، وهو حكيم ، فإما أن هذا القرآن حكم على شيءٍ بالإباحة ، وعلى شيءٍ آخر بالحرمة ، وشيءٍ بأنه حلال ، وشيءٍ بأنه حرام ، وهذا حق ، وهذا باطل ، وهذا يجوز ، وهذا لا يجوز .
من معاني الحكيم ، أي الحاكم ، من معاني الحكيم المحكم ، المترابط ، من معاني الحكيم الذي لا خلل فيه ، من معاني الحكيم التناسب مع الإنسان ، يخاطب عقله .
الآن هناك كتب تخاطب العقل فقط ، فهي مملَّة ، وكتب تخاطب الوجدان فقط ، ممتعة ، لكن غير نافعة ، الكتب التي تخاطب العقل فقط نافعة غير ممتعة ، جافَّة ، لكن القرآن الكريم فيه تنويع ؛ فيه قصَّة ، فيه صورة ، فيه مشهد ، فيه تاريخ ، فيه آية ، فيه إشارة ، فيه عبارة ، فيه مثَل ، فهو حكيم ..
﴿ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴾
فملخَّص هذا الكلام كلِّه : " فضل كلام الله على كلام البشر كفضل الله على خلقه " ، هل يوازَن بين المخلوق والخالق ؟ لا ، إذاً لا يوازَن بين كلام الله وبين كلام خلقه .. ﴿ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ(1)أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرْ النَّاسَ وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ ﴾
أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرْ النَّاسَ
1 ـ من عجبِ الناس إرسال رسول من البشر :
أي أن الناس يعجبون إذا أرسل الله سبحانه وتعالى رسولاً !! ألا يعرفون قيمة أنفسهم أن الله يحبَّهم وخلقهم ليسعدهم ؟ ألا يعرفون أنهم خُلقوا لهدفٍ عظيم ؟ الذين يعجبون أن يُرسل الله سبحانه وتعالى رسولاً لا يعرفون قدر الإنسان .
﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾
( سورة الإسراء : من الآية 70 )
الذين يعجبون أن يُرْسِلَ الله سبحانه وتعالى رسولاً لا يعرفون قدر النبي عليه الصلاة والسلام . ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا ﴾
أي أتعجب أن يوجِّه الأبُ الذي ينطوي قلبه على محبَّةٍ لابنه نصيحةً لابنه ؟! أتعجب أن تخاف الأمُ على مصير ابنها ؟! طبيعتها هكذا ، أتعجب أن تحرص الأم على نجاح ابنها ؟! أي أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق وتركهم هكذا ؟ أهكذا ظنُّكم ؟ أتعجبون أنْ أَكَرم اللهُ بني البشر برسولٍ منهم يبيّن لهم ما يفعلونه ، فهذه الآية دقيقة جداً ، فمن يعجبْ كيف يرسل الله سبحانه وتعالى رسولاً فهذا ينكر رحمته ، ينكر حكمته من خلقه ، ينكر الآخرة ، فلذلك : ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرْ النَّاسَ وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ ﴾
نقف عند كلٍ كلمة : ﴿ رَجُلٍ مِنْهُمْ ﴾
2 ـ الأنبياء والرسل من الرجال حتى يكونوا حجة على الناس :
هذه لها بحث طويل ، ما جعل الله نبيَّاً مَلَكاً ، لو كان مَلَكاً لقال الناس : أخي هذا مَلَك ، أما أنا فإنسان من لحمٍ ودم ، أنا فيَّ شهوات ، هذا مَلك ، لكانت الحجَّة مع البشر ، لكن حيث أن هذا النبي الكريم بشر من لحمٍ ودم أودَعَ الله فيه الشهوة كما أودعها فينا ، لكنَّه ضبطها ، أودع فيه حبَّ المال كما أودعه فينا ، لكنَّه جعل المال في خدمة الخَلْق ، أودع فيه حبَّ العلو كما أودعه فينا ، ولكنَّه ارتفع بأخلاقه العُليا ، لا يمكن أن يكون النبي إلا بشراً ، ولو كان مَلَكاً لما اهتدى به أحدٌ من الخلق ، يقول : أخي هذا مَلَك وأنا بشر ، ظروف صعبة ، النبي الكريم خاض حروباً ، واجَهَ معارضات ، واجه كفَّاراً ، وتآمروا عليه ، وتآمروا على قتله وثبت ، وقال :
(( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه ))
[ السيرة النبوية ]
لا يمكن أن تقوم الحجَّة إلا إذا كان النبي بشراً . ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾
(سورة الكهف : من الآية 110 )
عَن أَبِي هُرَيْرَةَ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( اللَّهُمَّ إِنَّمَا مُحَمَّدٌ بَشَرٌ ، يَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ ... ))
[ مسلم ]
أي أنا من طبيعتكم ، لذلك هو الحجَّة علينا ، هذا بشر من طينتكم ، من جبلَّتكم ، من طبيعتكم ، أودِع فيه ما أودعتُه فيكم ومع ذلك استَعَمَل فكره ليعرفني فعرفني ، وجاهد ليعرِّف الناس بي فعرَّفهم بي ، استحقَّ أن يكون نبيَّاً ، لذلك : ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ ﴾
3 ـ الأنبياء والرسل يُرسَلون من أقوامهم وليسوا غرباء :
لو لم يكن منهم فهذا معنى ثانٍ ، فلو جاء من مصر إلى مكَّة ودعاهم ، إنهم يخافونه ، ويخشونه ، ويتوجَّسون منه مثلاً ، لأنه من قطر آخر ، لا ، بل إنه جاء منهم ، من بينهم ، من جماعتهم ، يعرفون نسبه ، وصدقه ، وعفافه ، وأمانته ..
﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ ﴾
كما لو أنَّ جامعة أُنْشِأت وكلَّفت ألوف الملايين ؛ من قاعات المحاضرات ، إلى مختبرات ، إلى حدائق ، إلى مكتبات ، إلى بيوت للطلبة ، فهل من العجب أن تسخِّر هذه الجامعة مرشداً اجتماعياً لكل طالب ، أو لكل خمسة طلاب ؟ وهذا ما تفعله الجامعات ، هذا الطالب في الجامعات الراقية لا يستطيع أن يقطع أمراً في شأن اختصاصه إلا بعد موافقة هذا البروفسور ، لماذا ؟ لأن الجامعة في أعلى مستوى ، وهدفها تخريج الطلاَّب بأعلى مستوى ، فربنا عزَّ وجل خلق هذا الكون ؛ خلق المجرَّات ، ألف مَليون مليون مجرَّة ، وفي المجرَّة مَليون مليون نجم ، خلق الشمس والقمر ، والأرض والسماء ، والبحار والجبال ، ويترك هذا الإنسان هملاً بلا توجيه ، بلا إرشاد ، بلا تبيين ، بلا تعريف ، بلا هدى ، بلا منهج ، بلا كتاب ، تركه هكذا ضائعاً ؟ هذا مما يعني كلمة : ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا ﴾
لابدَّ من أن يكون هناك أنبياء ، لأن الله رحيم ، بسبب رحمته وحكمته ، ولأنه خلقنا ليسعدنا فلابدَّ من أن يبعث لنا أنبياء ، ورسلاً ، وكتباً ، ومناهج ، ودعاة .. ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرْ النَّاسَ ﴾
أي أن الذي ينكر بعثة النبي عليه الصلاة والسلام يُنْكِرُ رحمة الله سبحانه وتعالى ، ينكر حكمته ، ينكر قيمة النبي ، ينكر قيمة نفسه ، أنت غالٍ على الله كثيراً ، ولأنك غالٍ على الله عزَّ وجل أرسل لك رسلاً ، وبعث إليك قرآناً ، وبعث لك أناساً متفرِّغين للدعوة إلى الله .. ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ ﴾
( سورة الأنفال : من الآية 23)
علم فيك الخير فأسمعك ، تعجب تقول : ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرْ النَّاسَ ﴾
أَنْ أَنْذِرْ النَّاسَ وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ
1 ـ ما هو الإنذار ؟
الإنذار لفت النظر لخطر سيقع بعد فَسْحَةٍ من الوقت ، هذا هو الإنذار ..
﴿ وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾
2 ـ المؤمنون هم ملوكُ الآخرة :
هؤلاء المؤمنون هم ملوك الدار الآخرة ، هؤلاء المؤمنون لهم عند الله مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر ، لا قلق ، ولا خوف ، ولا حَزَن ، مكان ثابت ، رتبة ثابتة لا أحد ينازعك عليها إطلاقاً ..
﴿ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا ﴾
( سورة المائدة : من الآية 37 )
﴿ لا يَحْزُنُهُمْ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ ﴾
( سورة الأنبياء : من الآية 103 )
﴿ قَدَمَ صِدْقٍ ﴾
3 ـ معنى : قَدَمَ صِدْقٍ
أي مقام صدقٍ ، معنى قدم أي حصَّله بسبقه ، باجتهاده ، معنى قدم ثباته ، معنى قدم مقامه ، ومن معاني القدم الثبات والسبق والمقام ، القدم حقَّق مكانة ، والقدم حصَّله بقدمه أي بسبقه ، مقام صدق ، مقعد صدق ، مقام عند الله .
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ ﴾
( سورة القصص )
هذا الوعد الذي وعدك الله به من مقعد صدقٍ عنده ، هذا يعدل الدنيا وما فيها ، لذلك إذا قتل أحدنا في أيَّام شدَّة وجود الحشرات المنزليَّة أي ( الناموس ) فإذا قتل ناموسة هل لها قيمة عند أحد ؟ هل يحاسبك عليها أحد ؟ هل عليك أي مؤاخذة فيها ؟ لا شأن لها ، فكيف جناحها ؟ قال : (( لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))
[ سنن الترمذي عن سهل بن سعد ]
أي أن الدنيا ؛ بمالها ، بنسائها ، ببيوتها ، ببساتينها ، بمتعها ، بشهواتها لو أنها (( تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))
فهذا الذي يستقيم على أمر الله ، ويخلص لله ، ويغضُّ بصره ، ويحرر دخله ، وتسعه السنَّة ، ولا تسعه البدعة ، يرفضها ، هذا له عند الله قدم صدقٍ ، وكما قيل : " الزُهَّاد والورعون جلساء الله يوم القيامة " .
قدم صدق أي حصَّلوها بسبقهم ، ولهم عند الله مكانةٌ ثابتة بسبب صدقهم مع الله سبحانه وتعالى ..
﴿ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ ﴾


 

رد مع اقتباس
قديم 10-14-2011, 11:59 AM   #2
كبار الشخصيات


الصورة الرمزية العفريني
العفريني غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Nov 2010
 أخر زيارة : 02-28-2014 (05:05 PM)
 المشاركات : 7,969 [ + ]
 التقييم :  154
 الجنس ~
Male
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Brown
افتراضي رد: التفسير المطول - سورة يونس لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي



﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ﴾
أي أن كيف يعجب الناس أن يرسل الله سبحانه وتعالى رسولاً يبين لعباده طريق سعادتهم، من عَجِب هذا العجب فكأنه ينكر رحمة الله سبحانه وتعالى ، مَنَ عجب ذلك العجب فكأنما ينكر أن لخلق الله سبحانه وتعالى هدفاً سامياً ، خلق الخلق ليسعدهم ، خلقهم ليعرفوه ، خلقهم ليتجلَّى عليهم ، خلقهم ليسعدوا سعادةً أبدية ، فإذا تاهوا عنها ، وحادوا عنها ، لابدَّ من أن يرسل إليهم رسولاً ، أيعجبون ؟!
أما أن يكون الرسول ملكاً فهذا شيءٌ غير واقعي ، لا يستجيب له أحد ، لا يصدقه أحد ، لا يأخذ بكلامه أحد ، لأن الحجة الكبرى أنك ملك ونحن بشر ، والذي تقوله لا نستطيع تطبيقه لأنك لست مثلنا ، لكن الله سبحانه وتعالى أرسل رسولاً منهم ، رجلاً منهم ، ولو كان هذا الرجل من غير قبيلتهم ، من بلدٍ بعيد لشكوا به ، وظنوا فيه الظنون ، رجلٌ نشأ بين أظهرهم يعرفون صدقه، ونسبه ، وأمانته ، وعفافه ، ويعرفون طهارته ، وهو إنسانٌ يحس بما يحسون ، ويغضب لما يغضبون ، يدعوهم لعبادة الله سبحانه وتعالى أتعجبون ؟! .
﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ﴾
أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ
1 ـ القرآن فيه إنذار للناس :
أي أن هذا الكتاب فيه إنذارٌ وفيه بشارة ، إنذارٌ للضال بأنه سيدفع ثمن ضلاله كبيراً ، إنذارٌ للعاصي بأنه سيدفع ثمن معصيته غالياً ، إنذارٌ للبعيد عن الله عزَّ وجل بأنه سيشقى في الدنيا والآخرة ، وهذا إنذار من عند الله .
﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا(87)﴾
( سورة النساء )
ومن أوفى بعهده من الله ؟ الرحيم ، العليم ، الغني ، القدير يقول لك: انتبه وراءك يومٌ عسير . ﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ(8)فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ(9)عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ(10)﴾
( سورة المدثر )
ساعة اللقاء ، ساعة نهاية الحياة ، ساعة كشف الغطاء ، ساعة رؤية الحقيقة . ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا(11)وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا(12)وَبَنِينَ شُهُودًا(13)وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا(14)ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ(15)﴾
( سورة المدثر )
﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ ﴾
2 ـ من علامات العقل الاستجابة للقرآن في دعوته للحياة الحقيقية :
إن من علامات العقل الاستجابة لكلام الله .
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾
( سورة الأنفال : من الآية 24)
أنت الآن مدعوٌ للحياة ، قد تقول : ألست حياً ؟ نقول لك : لا ، جسمك حي ، حياتك حياة جَسَد ، حياة دمٍ ولحم ، حياة شرايين وأوردة ، لكن القلب له حياة ، حياته بمعرفة الله سبحانه تعالى ، حياته بالإقبال عليه ، حياته بالاستنارة بنوره ، حياته بالتقرُّب إليه ، حياته بالاستهداء بهديه ، حياته بالالتجاء إليه ، حياته بالاعتصام بكتابه ، هذه الحياة ، لذلك ربنا عزَّ وجل قال : ﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾
( سورة النحل : من الآية 21 )
3 ـ اعمل لتلك الساعة :
قد يكون الإنسان في أوج حياته وهو ميت ، قد تنبض شرايينه حيويةً ونشاطاً ، وهو ميت ، والموت موتان ، موت الجسد وموت النفس ، فالله سبحانه وتعالى يدعونا لما يحينا ، أي أن هذا الأمر مهم جداً ، هذا الأمر لو أخذتموه مأخذ الجِد لما نمتم الليل ، قال عليه الصلاة والسلام :
(( إذا مات العبد رفرفت روحه فوق النعش تقول : يا أهلي يا ولدي ، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي ، جمعت المال مما حل وحرم ، فأنفقته في حله وغير حله ، فالهناء لكم ، والتبعة علي ))
ثم يقول عليه الصلاة والسلام : ما من بيتٍ إلا وملك الموت يقف فيه في اليوم خمس مرات ، فإذا رأى أن العبد قد انقضى أجله ، وانقطع رزقه ألقى عليه غَمَّ الموت فغشيته سكراته ، فمن أهل البيت الضاربة وجهها ، والصارخة بويلها ، والنادبة حظها ، فيقول ملك الموت : " فيم الجزع ؟ ومم الفزع ؟ ما أذهبت لواحدٍ منكم رزقاً ، ولا قرَّبت له أجلاً ، وإن لي فيكم لعودة ثم عودة حتى لا أبقي منكم أحداً )) ، قال عليه الصلاة والسلام : " فو الذي نفس محمد بيده لو يسمعون كلامه ، ويرون مكانه لذهلوا عن ميِّتهم ، ولبكوا على أنفسهم )) ، ويقول عليه الصلاة والسلام ، وهذا مقصد الشاهد : (( لو تعلمون ما أنتم عليه بعد الموت ما أكلت طعاماً عن شهوةٍ ، ولا شربتم شراباً عن شهوةٍ ، ولا دخلتم بيتاً تستظلون فيه ))
فإذا كان هناك أمر خطير جداً ، كأن يكون عند الإنسان امتحان في الصف الأخير ، صف التخرج ، ومعلَّقٌ على تخرجه آمال كبيرة ، وهو يمشي في الطريق ماذا يرى ؟ أنا أقول : لا يرى شيئاً ، لشدة اهتمامه بالامتحان لا يرى شيئاً أبداً ، فلان رآه في الطريق الفلاني ، الواجهة الفلانية ، المحل الفلاني ، لا يرى شيئاً ، هو في شغلٍ عما حوله ، ولو عرف الإنسان ربه حق المعرفة لكان في شغلٍ عما سوى الله ، لذلك : (( مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ ))
[ من سنن الترمذي عن أبي هريرة ]
مشغول ، له هدف كبير ، فرصةٌ قصيرٌ بسعادةٍ أبدية ، كل دقيقة محاسبٌ عليها ، حتى إن أهل الجنة لا يندمون إذا دخلوا الجنة وسعدوا بها إلا على شيءٍ واحد ؛ على ساعةٍ مرت لم يذكروا الله فيها . فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّار
الأمر خطير ، هذا الكلام كلام الله سبحانه وتعالى ، إلهٌ ينذر ، ربنا عزَّ وجل يقول :
﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾
( سورة البقرة )
من منا يقبل أن يُعْطَى مالاً وفيراً ليتمتع به سنتين أو ثلاثا أو خمسا ، كيفما شاء ، في أي بلدٍ شاء ، في أي فندقٍ شاء ، في أي مقصفٍ شاء ، في أي طريقةٍ شاء ، ثم يعذَّب عذاباً أليماً لم يعذب مثله أحد ، لأسبوعٍ واحد لا يرضى ، ليومٍ واحد لا يرضى ، لساعةٍ واحدة لا يرضى ، فكيف ترضى أن تعيش حياةً قصيرة وراءها عذابٌ أبدي .. ﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾
الله سبحانه وتعالى ينذر الناس ، نحن في دار عمل ، اعملوا ما شئتم ، عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب ما شئت فإنك مفارقه ، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌ به ، كل عمل عند الله له ثمن ، إن لكل سيئةٍ عقاباً ، ولكل حسنةٍ ثواباً ، في الدنيا والآخرة ، اعمل ما شئت ، تحب أن تصدُق اصدق ، تحب أن تكذب اكذب ، للصدق ثمن ، وللكذب ثمن ، تحب أن تغش الناس غشهم ، تحب أن لا تغشهم لا تغشهم ، وللغش ثمن ، وللإخلاص ثمن ، تحب أن تغض البصر غضه ، تحب أن لا تغض لا تغض ، ولإطلاق البصر ثمن ، ولغض البصر ثمن في الدنيا والآخرة ، اعملوا ما شئتم ، الله سبحانه وتعالى يحاسب ، بل إن الطاعة ينطوي فيها نتائجها ، وإن المعصية ينطوي فيها نتائجها ، فلو وضعت إصبعك على مدفأة وهي مشتعلة من يحاسبك ؟ هي تحاسبك ، وضع إصبعك عليها يحرقه ، وكذلك المعاصي ، كل معصيةٍ لها نتائج وَخِيمة ، فإن لم تحب أحد ، إن أحببت نفسك ، إن كنت مفرطاً في أنانيتك أطع الله سبحانه وتعالى ، إذا أطعته تسعد في دنياك وآخرتك ، هي على كلمة : ﴿ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ ﴾
4 ـ استجب لإنذار الله :
إنذار ، فمن منا إذا جاءه إنذار من دائرة الهاتف " إن لم تدفع خلال عشرة أيام يلغى الاشتراك " ، وتعرف أن تأمين هاتف شيء صعب جداً ، وقد يكون ثمنه كبيرا ، يحتاج إلى وسائط مهمة ، من منا لا يبادر فوراً لإنذار من إنسان ، لانقطاع الهاتف فقط تبادر ، تأخذ إجازة ، تلغي عملاً مهمًّا لدفع الاشتراك ، إذا تلقيت إنذاراً من مؤسسة الهاتف ، ينذرك بالدفع أو يقطع الهاتف ، ماذا تعمل ؟ لماذا أنت تتعامل مع الناس بتفهُّم وصدق ، وتقرأ كتاب الله صباحاً ومساءً ، أو يتلى على مسامعك ، ولا تأخذ بآياته وتقول : سَيُغْفَرُ لنا ، كما قال اليهود ؟ .
﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ﴾
( سورة الأعراف : من الآية 169)
من قال لك ذلك ؟ ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ﴾
( سورة طه )
هذه أربعة شروط ، هل تبت توبةً نصوحاً ؟ وهل آمنت بالله حق الإيمان ؟ وهل عملت صالحاً ؟ وهل اهتديت إليه ؟ إن كنت كذلك فأبشر بالمغفرة . ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة النحل)
الحد الأدنى تعامَلْ مع الله سبحانه وتعالى كما تتعامل مع إنسان يعطيك إنذاراً فتنفذ على الفور . ﴿ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ ﴾
أي أن هذا الذي يعصي الله أيضمن صحته ، أيضمن أن لا يصاب بمرض عضال ، أيضمن أن لا يصاب بمرضٍ يدفع كل ماله من أجل معالجته ، والشواهد أمامكم كما ترون ، أمراضٌ وبيلة تفتك بالناس في الغرب بسبب انحرافهم ، وآخر إحصاء لمرض انحلال المناعة مائة مليون مصاب في العالم الآن ، بسبب الانحراف الأخلاقي ، اعملوا ما شئتم ، إطلاق البصر له ثمن .
رجل كانت هوايته أن يتنزَّه في الطرقات ، ويطلق بصره بالحرام فأصيب بمرض اسمه ارتخاء الجفون ، لا يستطيع أن يرى إلا إذا فتح جفنه بيده .. إن لكل حسنةٍ ثواباً ولكل سيئةٍ عقاباً ، لا تحب أحداً ، أحبَّ نفسك ، فإذا أحببتها تستقم على أمر الله ، انتبه لسمعك ..
(( من استمع إلى صوت قينةٍ صب في أذنيه الآنك يوم القيامة قيل : وما الآنك يا رسول الله؟ قال : الرصاص المذاب ))
[ ورد في الأثر ]
(( من نظر إلى الحرام ملأ الله عينيه من جمر جهنم ))
[ ورد في الأثر ]
(( من أكل لقمةً من حرام لا تقبل له شهادة عند الناس ولا صلاة عند الله سبحانه وتعالى))
حرر دخلك ، أدِّ زكاة مالك ، ادفع للناس حقوقها ، لا تبخس الناس أشياءهم ، لا تَبنِ غناك على فقر الناس ، ولا على حرمانهم حقوقهم ، لا تبن صحتك على مرضهم ، ولا مجدك على أنقاضهم ، لا تبن شيئاً على حساب شيء . ﴿ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ ﴾
الله سبحانه وتعالى ، هذا كلام الله لا كلام بشر .. ﴿ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ ﴾
أي ناس .
﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾
5 ـ من عدَّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت :
من يضمن أن يعيش إلى ساعة ؟ قال عليه الصلاة والسلام :
(( من عد غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت ))
إذا قال : غداً سأشتري هذا الشيء ، وهو يظن أن غداً سيعيشه ، وأنه سيعيش غداً لا محالة ، فقد أساء صحبة الموت ، فمن منا يضمن أن يعيش إلى ساعة ؟ إذاً : لابدَّ من أن تنام وقد صفَّيت الحساب . (( إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا ، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَ ))
[ صحيح البخاري عن أبي هريرة ]
معنى ذلك أن هناك موتين ، موت النوم وموت الموت .. ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ﴾
( سورة الزمر : من الآية 42 )
وفاة كاملة ، فإذا وضع الإنسان رأسه على الوسادة فإما أن يستيقظ ، وإما أن لا يستيقظ ، إما أن يستيقظ وإما أن يستيقظ الناس على نعيته .
أعرف رجلا نام الساعة الحادية عشرة ، يبدو أن زوجته في الساعة الواحدة لمست يده فرأتها باردة فاستيقظت مذعورة ، فإذا هو ميت .
(( من عد غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت ))
أما المؤمن فيحسب لهذه الساعة حسابها ، يُعِدُّ لها طوال حياته ، ليلاً ونهاراً ، فحضور مجالس العلم إعدادٌ لها ، وإتقان الصلاة إعدادٌ لها ، ودفع الزكاة إعدادٌ لها ، وغض البصر إعدادٌ لها ، وخدمة الخلق إعدادٌ لها ، والإكثار من العمل الصالح إعدادٌ لها ، هذه البطولة ، البطولة أن تعُد لساعةٍ نسيها الناس ، غاب عنها ، في غفلةٍ عنها ، ساهون لاهون . ﴿ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ ﴾
إنذار من الله ، إذا قرأت إنذار الكهرباء ، أو إنذار الماء بالقطع ، أو إنذار الهاتف فتذكَّر إنذار الله سبحانه وتعالى . ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ
أما هذا المؤمن ليكن في الدنيا ما يكن ، كبير الشأن ، أم صغير الشأن ، معروفا ، أم غير معروف ، مشهورا ، عَلَما ، أم غير عَلَم ، مغمورا ، دخله محدود ، أم دخله غير محدود ، قوي البنية ، أم ضعيف البنية ، زواجه موفق ، عنده أولاد ، ما عنده أولاد ، هو مؤمن .
﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ ﴾
البطولة أن تكون مؤمناً ، سيدنا عمر كان إذا أصابته مصيبة قال : "الحمد لله ثلاثًا ؛ الحمد لله إذ لم تكٌ في ديني " .. أية مصيبةٍ ليست في الدين تهون ، لا قيمة لها ، يأتي الموت فيضع حداً لها ، لكن البطولة أن تكون بعد الموت : ﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾
( سورة القمر )
﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾
1 ـ معنى : قَدَمَ صِدْق
معنى قدم صدقٍ أي أن المؤمنون سبقوا إلى هذه المكانة ، في تسابق .
لابد من المنافسة في ميدان الخير لكسب قدم الصدق :
﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ﴾
( سورة الحديد : من الآية 21)
﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ(61)﴾
( سورة الصافات )
﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾
( سورة المطففين )
هنا التنافس ، هنا التنافس الشريف ، شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس ، فلا يوجد شيء في الدنيا أعظم من أن يكون لك عند الله مقام . ﴿ أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا(78)وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴾
( سورة الإسراء )
يجب أن تعرف مقامك عند الله ، إذا أردت أن تعرف ما لَكَ عند الله فانظر ما لله عندك ، هل تقف عند الحرام ؟ هل تبادر إلى المأمورات ؟ هل تدع المنهيَّات ؟ هذا مقام الله عندك ، فإذا ترك الإنسان أوامر الدين لسببٍ تافه ، معنى هذا أن الله سبحانه وتعالى لا شأن له عنده ، وكلمة : لا أستطيع ، وليس عندي وقت ، ولا أريد ، هذه كلمات لا يقولها المؤمن ، المؤمن ذو همةٍ عالية ، فلذلك : ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾
لهم مكانة ثابتة ، حصَّلوها بسبقهم ، وقدم صدقٍ فيه معنى السبق ، وفيه معنى آخر وهو الثبات ، مكانة ثابتة حَصَّلها بسبقه . ﴿ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾
2 ـ الخلق كلهم عيال الله لا فرق بينهم إلا بالتقوى :
والخلق كلهم عيال الله ، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ، لا فرق بين عربيٍ وأعجمي إلا بالتقوى ، المقياس واحد ، الناس ابتدعوا مقاييس كثيرة ، لكن الله سبحانه وتعالى يقيس عباده جميعاً بمقياسٍ واحد .
(( إِنَّ فُلانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا ، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا ، قَالَ هِيَ فِي النَّارِ ))
[ من مسند أحمد عن أبي هريرة ]
(( ترك دانقٍ من حرام خير من ثمانين حجةً بعد الإسلام ))
[ ورد في الاثر ]
سألوا الجُنيد : " من ولي الله ؟ أهو الذي يطير في الهواء ؟ " قال : " لا " ، " أهو الذي يمشي على وجه الماء ؟ قال : " لا ، الولي كل الولي الذي تجده عند الحلال والحرام " .
أحبابنا اختاروا المحبة مذهباً وما خالفوا في مذهب الحب شرعاً
التقيُّد التام بالشرع علامة الإيمان .
﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾
( سورة الأنعام )
إذا كانت هذه حالة النبي فكيف نحن ؟ ﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾
﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾
(سورة هود : من الآية 112)
﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ﴾
قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ
1 ـ من صفات الكافر التشكيك في الدين :
فالكافر يريد أن يشكك بالدين ، يتهمه بالغيبية أحياناً ، يتهمه بالعجز عن مواجهة مشكلات الحياة ، يتهمه بعدم التطور ، يتهمه اتهاماتٍ كثيرة ، كل هذه الاتهامات تعبيرٌ عن خللٍ أصاب الكافر من ترك الدين ، هذا الخلل يحب أن يتهم الدين بشيء كأنه يُعفي نفسه من اتباعه ، هذه الحالة الداخلية للذين ينكرون الدين :
﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ(1)فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾
( سورة الماعون )
هو نفسه . 2 ـ عدم الاستجابة نابعٌ من اتباع الهوى :
﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾
(سورة القصص : من الآية 50 )
علامة عدم الاستجابة اتباع الهوى ، اتباع الهوى يحمل صاحبه على أن لا يستجيب . ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾
إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
1 ـ معرفة الله أساس الدين :
كلمة دقيقة جداً ، النبي اللهم صلِّ عليه حينما جاءه أعرابي قال له : " جئتك لتعلمني من غرائب العلم " ، فقال عليه الصلاة والسلام : "فماذا صنعت في رأس العلم ؟ " فقال هذا الأعرابي : " وما رأس العلم ؟ " قال : " هل عرفت الرب ؟ " .
والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( رأس الدين معرفته ))
[ روي في الأثر ]
فمعرفة الله سبحانه وتعالى أساس الدين ، فإذا عرفت الله عرفت كل شيء ، وإن لم تعرف الله لم تعرف شيئاً ، ما دامت معرفة الله أساس الدين كيف نعرفه ؟ 2 ـ معرفة الله تتم من خلال آياته :
هل يمكن أن ندركه بحواسنا ؟ الجواب : لا ، لا تدركه الأبصار ، أي أنه يستحيل على حواسنا جميعها أن تعرفه ، بقي طريقٌ واحد ، لا يمكن أن تعرفه إلا من خلال آياته ..
﴿ إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمْ اللَّهُ ﴾
( سورة النحل : من الآية 104)
﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾
( سورة الجاثية )
طريق وحيد ، لما ربُّنا عزَّ وجل بين قصة سيدنا إبراهيم : ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ(76)فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ﴾
( سورة الأنعام )
الآية معروفة ، والقصة معروفة ، إلى أن قال : ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ ﴾
( سورة الأنعام )
ربنا عزَّ وجل أطلعنا على أن طريق الإيمان هو التأمُّل في آيات الكون ، ضع فرضية وأثبتها لم تثبت ، دعها ، ضع فرضية أخرى إلى أن تهتدي إلى الحقيقة ، هذا هو الطريق الوحيد ، لذلك ربنا عزَّ وجل عقِب هذه القصة قال : ﴿ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾
( سورة الأنعام : من الآية 88 )
هذا هو الهدى ، بهذه الطريقة التي اتبعها إبراهيم تهتدي وإلا فلا ، ثم قال بعد ذلك : ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ ﴾
( سورة الأنعام : من الآية 90 )
يجب أن تجعل طريقتهم في الهداية قدوةٌ لك ، وفي أعقاب ذلك قال : ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمْ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمْ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾
( سورة الأنعام : من الآية 111 )
إلا إذا سلكوا الطريق الذي رسمه الله سبحانه وتعالى ، فلو أن الإنسان قرأ كتب طب وحده في البيت ، لو قرأ مجلات طبية ، لو ارتدى ثوباً أبيض ، لو فعل ما فعل ، لا يكون طبيباً إلا إذا دخل كلية الطب ، الطريق إلى الله سبحانه وتعالى وحيد . ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾
( سورة الأنعام : من الآية 153 )
إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ
لذلك :
﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ﴾
أي هل فكرتم في ربكم الذي يمدكم بما تحتاجون ؟ ربكم هو الخالق.. ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ﴾
خَلقُ السماوات والأرض :
هل وصلت إلى معرفة الخالق ؟ من خلق المجرات ؟ من خلق مليون مليون مجرة؟ من جعل بين المجرتين ثمانية عشر ألف مليون سنة ضوئية ؟ من جعل مليون مليون مجرة وفي كل مجرة مليون مليون نجم ؟ فهذا مذنب هالي سيأتينا ضيفاً بعد أشهر .. رقم لا أذكر دقته ، ربما طول ذنبه تسعة ملايين كيلومتر .. يدور في مداره في كل سبعين سنة دورة ، وقد مر بالقرب من الأرض عام : ألف وتسعمائة وعشرة ، كل ستة وسبعين سنة مرة ، من خلق هذا المذنب ؟ من خلق الشمس ؟ هل عرفت الخالق ؟ هل صدَّقت أن الله هو الذي خلق كل شيء ؟ من صمم هذه الآيات ؟ ..
﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾
إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
1 ـ معنى : فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
بعضهم قال اليوم هو الدَوْر ، و ..
﴿ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾
في ستة أدوار ، أي أن في تُحْمَل على الحال ، أي ليلٌ ونهار ، وصيف وشتاء ، وربيعٌ وخريف ، نظام الأرض مبني على ستة أيام ، ليلٌ ونهار وأربعة فصول ، وهناك آيات تؤكِّد هذا المعنى : ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ﴾
( سورة فصلت : من الآية 10)
أي في أربعة فصول .. إذاً : ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾
2 ـ العاصي لا يعرف الله ربَّه :
الحقيقة أن الذي يعصي الله لا يعرفه ، لذلك قالوا : " لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت " ، مهما كان الذنب صغيراً ، هو صغير ، لكن هل تعرف أنت من تعصي ؟ تعصي الخالق ، تعصي الرب ، تعصي المسيِّر ، تعصي السميع ، البصير ، الرحيم ، العليم ، القوي ، الغني عن طاعتك ، فكلما استحضرت أسماء الله الحسنى كَبُرَ عليك أن تعصيه لذلك :
﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾
( سورة فاطر: من الآية 28 )
بقدر ما تكون عالماً بقدر ما تكون خاشعاً ، حجم خشوعك بحجم علمك ، حجم خشيتك بحجم معرفتك ، لذلك : لا يعصي الله إلا جاهل .
لقوله تعالى :
﴿ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾
تفسيرات كثيرة ، هذا بعض التفاسير . ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾
ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ
كما قال الإمام مالك : " الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والسؤال بدعة ؟ لكن هناك من وضح هذه الآية بأن الله سبحانه وتعالى إما أن ترى أن الله يدبر الأمر ، فإن رأيت الله يدبر الأمر هانت عليك الأمور ، وكان هذا التدبير برداً وسلاماً على قلبك وطمأنينةً وراحة ، لذلك حالة المؤمن النفسية عزيزة ، كلها طمأنينة ، كلها استسلام لحكمة الله ، استسلام لأمر الله ، هو متوكل، مفَّوض ، مسلَّم ، مرتاح ، يدبِّر الأمر ، حتى أن بعض الصوفيين قال : " دبِّر أن لا تدبر " .
" أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد " .

﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ﴾
يُدَبِّرُ الأَمْرَ
معنى : يُدَبِّرُ الأَمْرَ
فإذا رأيت في سنة مواسم الفواكه كثيرة ..
﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ﴾
سنة فيها شُح بالأمطار ..
﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ﴾
سنة فيها خيرات كبيرة .. ﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ﴾
جاءك ذكور فقط .. ﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ﴾
جاءك إناث فقط .. ﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ﴾
جعلك الله عقيماً .. ﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ﴾
زوجة صالحة .. ﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ﴾
صحة طيبة .. ﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ﴾
تدبيره ، وكل شيء يفعله وراءه حكمةٌ بالغة لا يعلمها إلا الله ، فالإنسان المؤمن مستسلم لذلك : (( عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ ؛ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ))
[ صحيح مسلم عن صهيب ]
فكلمة : ﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ﴾
من جعل الأرض تدور حول الشمس ؟ الله ، لو وقفت لتوقفت الحياة ، لو وقف دورانها حول نفسها لتوقفت الحياة ، لو دارت على محور موازٍ لمستوي الدوران .. هكذا .. هنا نهار إلى الأبد ، مائتان وخمسون درجة فوق الصفر ، مات كل شيء ، وهنا ليل إلى الأبد ، مائتان وخمسون درجة تحت الصفر مات كل شيء ، من جعل المحور مائلاً ؟ من جعل الدورة حول نفسها وحول الشمس ؟ من جعل المدار إهليلجياً ؟ من جعل الشكل البيضوي له بعدان ؛ بعد أدنى وبعد أقصى ، في البعد الأدنى قد تجذب الشمس الأرض ، الله سبحانه وتعالى زاد من سرعتها فنشأ من هذه السرعة قوةً نابذة تكافئ القوة الجاذبة .. ﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ﴾
من يسوق السحاب ؟ الله سبحانه وتعالى ، من ينزل الأمطار ؟ الله سبحانه وتعالى ، من ينبت النبات ؟ الله سبحانه وتعالى ، من يحرِّك الرياح ؟ الله سبحانه وتعالى ، من يُخَلِّقُ الجنين في بطن أمه ؟ الله سبحانه وتعالى ، نقطة ماء بعد تسعة أشهر ، كائن ؛ له رأس ، له شعر ، له عينان ، له أنف ، له فم ، يتثاءب ، يعطس ، يتنفس ، يأكل ، الطريق مفتوح ، يتحرَّك ، يستجيب للضوء ، يستجيب للصوت ، فيه كبد ، وبنكرياس ، وفيه صفراء ، فيه أمعاء دقيقة ، فيه أعصاب ، فيه عضلات ، في شرايين ، فيه أوردة ، فيه عظام ، فيه أربطة ، فيه مفاصل ، فيه لسان ، فيه رغامى ، فيه مري ، فيه لسان مزمار ، فيه دماغ ، فيه مخ ، فيه مُخَيْخْ، فيه عمود فقري ، فيه حوض ، فيه عضلات ، تسعة أشهر من يدبر الأمر ؟ الله سبحانه وتعالى .. ﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ﴾
تكفي هذه الآية ، يدِّبر أمر المخلوقات ؛ الحيوان ، والنبات ، وكل شيء الله عزَّ وجل خلقه يدبر . مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ
﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾
1 ـ معنى الشفع :
الشفع هو الزوج .
2 ـ لا يقع شيءٍ في ملك الله إلا بأمر الله :
أي أن أي شيءٌ في ملك الله لا يستطيع أن يقع على شيءٍ في ملك الله إلا بأمر الله ، شيءٌ ما في ملك الله لا يستطيع أن يصيب شيئاً ما في ملك الله إلا بأمر الله ، هذه معنى آية الكرسي .
﴿ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ ﴾
( سورة البقرة : من الآية 255 )
العقرب تلدغ ، لا تستطيع العقرب أن تلدغ مخلوقاً ما إلا بأمر الله ، النار تُحْرِق ، لا تستطيع النار أن تحرق شيئاً ما إلا بأمر الله . ﴿ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾
إنسان شرير لا يستطيع أن يصل إلى الإنسان إلا من بعد إذن الله سبحانه وتعالى ، فإذا كان الأمر بيد الله فالقضية محلولة ، عليك أن ترضي جهةً واحدة ، أما المنافق والمشرك فيجب أن يرضي كل الجهات ، وإرضاء الناس غايةٌ لا تدرك ، لكن المؤمن يرضي الله سبحانه وتعالى ، قال سيدنا هود : ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ(55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56)﴾
( سورة هود )
أيّ إنسان شرير تخافه فهو بيد الله عزَّ وجل ، بملك الله . ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ﴾
( سورة الحديد : من الآية 22)
هذا هو الإيمان ، فإذا كنت في مستوى هذه الآية فلا تحزن على شيء ، سيدنا الصديق لم يندم على شيءٍ فاته من الدنيا . ﴿ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾
إنسان أكرمك فهذا من بعد إذنه ، إنسان سبّب لك متاعب فهذا من بعد إذنه ، إنسان أفسد عليك ، أجبروك على دفع مائة ألف ، فمن بعد إذن الله ، إنسان سبّب لك أن يُكتَب بك ضبط ، فالتسعيرة ليست مضبوطة فمن بعد إذن الله . ﴿ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾
إنسان ضايقك من الجيران فمن بعد إذن الله ، إنسان خوَّفك فمن بعد إذن الله ، آخر أكرمك فمن بعد إذن الله، واحد أعطاك عطاء ثمينًا فمن بعد إذن الله . ﴿ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾
فهذا هو التوحيد ، الدين كله توحيد ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، وَحِّد تسترح . ﴿ فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
( سورة الشعراء )
أي أن هذا أساس الإيمان ، لا يستطيع إنسانٌ ما ؛ مهما كبر شأنه ، مهما كان قوياً ، مهما كان جباراً ، لا يستطيع إنسانٌ ما أن يصل إليك إلا بإذن الله ، كن مع الله ترَ الله معك .. أطع أمرنا نرفع لأجلك حجب نا فإن منحنا بالرضا من أحبنا
ولُذ بحمانا و احتمِ بجنابــنا لنحميك مما فيه أشرار خلقنا
***

3 ـ توكَّل على الذي كلُّ الأمر بيده :
ما مِن حالة أجمل من أن يكون المؤمن لائذاً بحماية الله ، قل هذه الكلمات في السجود : يا رب ليس لي إلا أنت ، لا تتكل على شيء ، لا على علمك ، ولا على مالك ، ولا على شأنك ، من اتكل على شيءٍ وكله الله إليه ، هو شرك ، إما أن تشرك نفسك مع الله ، وإما أن تشرك مخلوقاً آخر مع الله ، وفي كلتا الحالتين لابدَّ من أن يؤدِّبك الله سبحانه وتعالى ، كطالب متفوق بالهندسة ومقصِّر بالجبر ، قال له : يا رب الهندسة علي ، لكن الجبر عليك ، أنا ضعيف بالجبر ، دخل على الامتحان أخذ بالهندسة صفرا ، في العام القادم قال : يا رب الهندسة والجبر عليك ، من اتكل على شيءٍ أوكله الله إليه .
﴿ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾
إذا دخلت على موظف ، ولم يقل لك : اقعد ، من بعد إذنه ، تعرف أنه صاحبك ، قال لك : الآن أريك من هو صاحبك ، أحياناً يبقيك واقفاً خمس دقائق ، لا ينظر إليك ، من بعد إذنه ، حتى هذا الموقف من بعد إذنه ، فأنت كن مع الله ترَ أن الأعداء يخدموك ، اتركه فأقرب الناس يتخلى عنك ، أحياناً تتخلى الزوجة عن زوجها ، تهمله ، تقسو له في الكلام .. ﴿ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾
فهذه آية دقيقة .
﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ﴾
هو الله . ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ ﴾
( سورة الزخرف : من الآية 84)
﴿ وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾
( سورة النحل : من الآية 51 )
لا إله غيره ، هذا هو التوحيد ، تجد الإنسان يصلي وهو مشرك ، يصوم وهو مشرك ، يقوم ببعض العبادات وهو مشرك ، والشرك معه خوف ، معه حزن ، معه قلق ، معه ضياع ، معه تشتت ، معه ضيق ، معه أشياء كثيرة ؟ ﴿ فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
( سورة الشعراء )
﴿ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾
ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ
هذا الرب هو الذي يستحق العبادة وحده :
ألا يكفي أن الله خالقٌ ؟ ألا يكفي أن الله خالق السماوات والأرض ؟ ألا يكفي أن الله رب كل شيء ؟ ألا يكفي هذا كي تعبدوه ؟ أتعبدون من دون الله ما لا يسمع ولا يبصر ..
إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً
﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ﴾
﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾
( سورة الغاشية )
1 ـ القبر مصير لا مفرّ منه :
اذهب إلى أي مكانٍ شئت ، افعل ما شئت ، لابدَّ من أن ترجع إليه فتحاسب على كل صغيرةٍ وكبيرة ، حينما يوضع الميت في قبره قال بعضهم : إن أصعب ليلة أول ليلة ، يقول الله عزَّ وجل : " عبدي رجعوا وتركوك " ، وضعوه في هذا القبر ، فإذا بالقبر مفتوح عليه المجاري ، فقالوا لابنه : ماذا نفعل ؟ قال لهم ، دعوه ، فماذا سنفعل ؟
" رجعوا وتركوك ، وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك ، ولم يبق لك إلا أنا ، وأنا الحي الذي لا يموت " .
ألا يجب أن تعرفه من الآن ؟ المكوث معه أبداً ما من أحد غيره ، الآن معك زوجة ، وولد ، و رفيق ، و صاحب ، و سهرة ، نمضي الوقت ببعض الألعاب ، نلعب النرد ، وبعد ذلك ؟

﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ﴾
2 ـ لو تمتعت من كلِّ شيء ، ثم ماذا ؟
ذهبت إلى نزهات ، جُبْتَ العالم كله ، يقول لك : أخي سويسرا جميلة جدا ، إسبانيا أجمل من سويسرا ، تناقش الناس بجمال البلاد ، ثم وبعد ذلك ؟ ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ﴾
لو طفت الدنيا بأكملها ، لو طرت في السماء ، لو غصت في البحار.. ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ﴾
3 ـ لا قيمة للدنيا في الآخرة :
المصير معه ، فالذكاء والعقل يقولون لك : اعرفه قبل فوات الأوان ، اعرفه قبل أن تأتيه صفر اليدين ، لو أن إنساناً أخذ أمواله كلها لبلد وقالوا له : هذه الأموال هنا لا قيمة لها ، نريد عملة محلية ، خسر كل شيء ، والإنسان كذلك إذا ذهب إلى الدار الآخرة ، يا رب أنا عندي خمسة طوابق بأرقى حي ، ليس لها عندنا أي شغل ، عندي ثمانية أولاد ، ثلاثة منهم أطباء ، وأربعة مهندسون ، وواحد طبيب ، فيقال لك : لمْ تعلمهم الدين ، يا رب أنا عملت معملا إنتاجه عالٍ جداً ، وكنت أربح أموالاً طائلة ، المعمل ليس له قيمة هنا ، فكل شيء أنشأه بالدنيا ، ليس له قيمة ، العمل الصالح فقط ، لذلك " الغنى والفقر بعد العرض على الله " ، الغنى غنى العمل ، والفقر فقر العمل .

﴿ وَالْعَصْرِ(1)إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3)﴾
( سورة العصر )
﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104)﴾
( سورة الكهف )
﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ﴾
والله الذي لا إله إلا هو يجب أن لا يغادر ذهنك موضوع العودة إلى الله فتذكره كل يوم مائة مرة ، وأنت تبيع ، تحلف بالله أنها ليست رابحة معك .. ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ﴾
ما قولك ؟ تحلف بالله ، أخي انصحني ، تنصحه بالبضاعة الكاسدة عندك .. ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ﴾
تعمل أعمالاً خلاف الأصول ، تأكل مالاً حراماً .. ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ﴾
أي عملٍ سوف تحاسب عليه ، صغيراً كان أو كبيراً . ﴿ وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ ﴾
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ
مهما كان العمل صغيراً فستحاسب عليه :
ما أكرم شابٌ شيخاً لسنه إلا سخَّر الله له من يكرمه عند سنه .
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)﴾
( سورة الزلزلة )
مهما كان العمل صغيراً فستحاسب عليه ، ومهما كان كبيراً تحاسب عليه ، إذاً : ليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يغفر له . ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ ﴾
وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ
هؤلاء الكفار لهم ..
﴿ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ ﴾
قال : ألا يا رُبَّ نفسٍ جائعةٍ عاريةٍ في الدنيا ، طاعمةٌ ناعمةٌ يوم القيامة ، ألا يا رُبَّ نفسٍ طاعمةٍ ناعمةٍ في الدنيا جائعةٌ عاريةٌ يوم القيامة ، ألا يا رب مكرمٍ لنفسه ، وهو لها مهين ، ألا يا رب مهينٍ لنفسه وهو لها مكرم ، البطولة أن تأتي الله سبحانه وتعالى وأنت نظيف .. ﴿ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ(88)إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
( سورة الشعراء )
﴿ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ{4} هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ{5} إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ ﴾


 

رد مع اقتباس
قديم 10-14-2011, 12:00 PM   #3
كبار الشخصيات


الصورة الرمزية العفريني
العفريني غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Nov 2010
 أخر زيارة : 02-28-2014 (05:05 PM)
 المشاركات : 7,969 [ + ]
 التقييم :  154
 الجنس ~
Male
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Brown
افتراضي رد: التفسير المطول - سورة يونس لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي



﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(5)إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ(6)إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ(7)أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ
1 ـ على قارئ القرآن أن يعلم أنّ الذي يتلوه كلام الله وآياته :
من قوله تعالى هُوَ )يعلم قارئ القرآن أن الذي يتلوه كلام الله ، خالق السماوات والأرض ، الذي أمره ونهاه ..
2 ـ الشمس والقمر آيتان من آيات الله :
( هو ).. من آياته الدالَّة على عظمته أنه خلق الشمس ، من آياته الدالَّة على عظمته أنه خلق القمر ، فهل فكَّرنا في الشمس أو في القمر ؟
رؤية آيات الله بين البصر والبصيرة :
الإنسان يمكن أن يرى الشمس ولا يراها ، وقد لا يرى الشمس وقد يراها ، هناك رؤية عينٍ ، وهناك رؤية قلبٍ ، هناك بصرٌ وهناك بصيرةٌ ، مَن مِنَ البشر اليوم لا يرى الشمس ؟ كل ذي عينين يرى الشمس ، لكن مَن رأى من خلال الشمس عظمة الله سبحانه وتعالى ؟ قِلَّةٌ قليلة ..
﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ(105)وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾
(سورة يوسف )
﴿ قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾
( سورة يونس : من الآية 101 )
هذه هي الشمس ببُعدِها وضوئها وحرِّها :
الشمس .. بالمناسبة .. أقرب نجمٍ إلينا ، إذا كان النجم ملتهباً وهو منبعٌ ضوئي ، والكوكب مُبَرَّد ، له قشرةٌ باردة ، فأقرب نجمٍ إلينا من دون استثناء هو الشمس ، هذه الشمس التي ترونها متألِّقَةً في رابعة النهار ، ومع أنها أقرب نجمٍ إلينا يزيد بُعْدُها عن الأرض عن مائة وستة وخمسين مليون كيلو متر ، وهي أقرب نجمٍ إلينا ، لو تخيَّلنا أن طريقاً سالكةً إلى الشمس فكم يقطعها قطارٌ يسير بسرعة مائة كيلو متر في الساعة ؟ يقطعها في مائتين وعشر سنين إلى أن يصل إلى الشمس ، كم تقطعها قذيفة مدفعٍ ؟ في سبع سنين ، كم يقطعها الضوء ؟ في ثماني دقائق .
أحبُّ أن أوضِّح لكم بُعْدنا عن الشمس ، في ثماني دقائق يقطع الضوء المسافة بين الأرض والشمس ، مع أن سرعة الضوء ثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية ، وأما قذيفة المدفع فتحتاج إذا أُطْلِقَت من الأرض إلى سبع سنين كي تصل إلى الشمس ، وأما القطار فيحتاج إلى مائتين وعشر سنين كي يصل إلى الشمس ، هذه المسافة بيننا وبين الشمس ليست بشيء إذا ما قيست بالمسافات الكونيَّة الأُخرى ، أي أن بيننا وبين الشمس ثماني دقائق ، وبيننا وبين المرأة المسلسلة ثلاثة عشر ألف مليون سنة ضوئيَّة .
شيءٌ آخر : أقرب نجمٍ آخر إلى الأرض بعد الشمس هو نجم القُطْب ، بُعده عنَّا أربع سنواتٍ ونصف من السنوات الضوئيَّة ، هذه الشمس مصدر حرارةٍ وضياءٍ للأرض ، من منَّا يصدِّق أن نصيب الأرض من هذه الأشعَّة ، ومن هذه الحرارة ، ومن هذا الضياء واحد على ألفي مليون جزء ، نصيب الكرة الأرضيَّة بأكملها من أشعَّة الشمس ، ومن ضيائها ، ومن نورها ، ومن حرارتها ، ومن طاقتها واحد على ألفين مليون جزء مما تنتجه الشمس لما حولها من الكواكب السيَّارة ، الشمس نجمٌ متألِّق مشتعل .
قد يسأل سائل : كم مضى على تألُّقها ؟ فبعض العلماء يقول : " أكثر من خمسة آلاف مليون سنة " ، وهؤلاء أيضاً يتوقَّعون أن تعيش الشمس متألِّقةً أكثر من خمسة آلاف مليون سنة قادمة ، لقوله تعالى :

﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ﴾
( سورة يس : آية 38 )
﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ(1)﴾
( سورة التكوير )
لها عُمر ، فهناك سؤال دقيق : ما هي هذه الطاقة التي مضى على تألُّقها خمسة آلاف مليون سنة ، وسوف تستمر خمسة آلاف مليون سنة قادمة ؟ شيء عجيب ، قال بعض العلماء : الشمس فرنٌ ذَرْيّ فيها غاز الهيدروجين ، فلو أن هذا الغاز أحرقناه لما أنتجت الشمس هذه الطاقة ، ولكن هناك تفجير نَوَويّ لذرَّة الهيدروجين إذْ يتحوَّل عنصر الهيدروجين إلى عنصر الهيليوم ، من هذا التفجُّر النووي تنتج هذه الطاقة التي لا حدود لها .. ﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(96)﴾
( سورة الأنعام )
هذه هي الشمس ، من خمسة آلاف مليون سنة ولخمسة آلاف مليون سنة تنتج من الطاقة الشيء الذي لا يُصدَّق .
حرارة سطحها ستة آلاف درجة ، وتصل حرارة الأعماق فيها إلى خمسة عشر مليون درجة ، فلو أن الأرض أُلْقِيَت في الشمس لتبخَّرت في ثانيةٍ واحدة ، وكل إنسانٍ على وجه الأرض يتلَّقى من الشمس طاقةً تعادل ستة عشر ألف حصان بخاري ، ما هو الحصان البخاري ؟ الاستطاعة بالفيزياء تُقاس بالحصان البخاري ، عندما صنعوا القطار البخاري وضعوا في الطرف المقابل أحصنة ، فكانت هذه الأحصنة تشدُّ القطار إلى الوراء بكل طاقتها ، فحيثما وقف القطار أي أن القوة الدافعة للمحرِّك تكافئ قوة الحصان الدافعة في اتجاه معاكس، قالوا : قوة هذا المحرِّك يعادل عشر أحصنة ، هذا أساسها ، فالآن صارت تحسب القوى بالأحصنة فيقال : هذه السيَّارة اثنا عشر حصاناً ، خمسة عشر حصاناً ، فكل إنسان يتلَّقى من الشمس طاقة واستطاعة تُعادِل ستة عشر ألف حصان بخاري على وجه الأرض ، لذلك فإن الله سبحانه وتعالى قال :
﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ﴾
( سورة فصلت : من الآية 37 )
من منَّا يصدِّق أن ألسنة اللهب التي تُرى إذا كان للشمس كسوفٌ كامل يزيد طولها على مليون كيلو متر ، فربنا عزَّ وجل قال : ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً ﴾
من منَّا يصدِّق أن الشمس تفقد كل يوم ثلاثمائة وستين ألف مليون طن من كتلتها ، كل يوم ، وتفقد في الثانية الواحدة أربعة ملايين وستمائة ألف طن من كتلتها ، هذه بعض الحقائق عن الشمس .. ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا ﴾
لو أنَّ إنساناً يزن على سطح الأرض خمسةً وستيّن كيلو غراما ، ووقف على سطح الشمس .. فرضاً .. لكان وزنه ألف وسبعمائة كيلو غرام ، هو هو الإنسان ، لقوَّة جذبها ، لأن كتلة الشمس أكبرُ من كتلة الأرض بثلاثٍ وثلاثين ألف مرَّة ، لكن حجم الشمس أكبر من حجم الأرض بمليون وثلاثة وثلاثين ألف مرَّة ، والكتلة غير الحجم ، أشياء مثيرة وعجيبة ودقيقة عن الشمس ، الشمس تجري في كل ثانية عشرين كيلو مترا ، الأرض تدور حول نفسها ، والأرض تدور حول الشمس ، والشمس تجري ، والمجرَّة تجري ، أربع حركات ؛ الأرض حول نفسها ، والأرض حول الشمس ، والشمس تجري باتجاه قلب النسر وهو نجمٌ آخر .. النسر الواقع .. والمجرَّة التي نحن فيها كلُّها تجري ، سرعة المجرَّة مائتان وأربعون ألف كيلو متر في الثانية الواحدة ، أي أن هذه سرعةٌ قريبةٌ من الضوء .
نحن في حركةٍ مذهلة ، سرعة المجرَّة ، وسرعة الشمس باتجاه النسر الواقع عشرون كيلو متر بالثانية الواحدة ، وسرعة الأرض حول الشمس ثلاثون كيلو متر في الثانية الواحدة ، وسرعتها حول نفسها ألف وستمائة كيلو متر في الساعة ، ومع هذا نشعر أن الأرض مستقرَّة ، أي استقرارٍ هذا ؟ ..
﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا ﴾
( سورة النمل : من الآية 61 )
من آيات الله الكبيرة ، حركةٌ حول النفس ، وحركةٌ حول الشمس ، والشمس متحرِّكة ، والمجرَّة متحرِّكة ، ونحن نحسُّ أن الأرض مستقرَّة ، ونشيد الأبنيَّة ، ولا يتحرَّك في البناء شيء ..
من نجوم المجموعة الشمسية :
أقرب نجمٍ إلى الشمس عُطارد ، تبعد عنه ثلاث دقائق ، وأبعد نجمٍ في المجموعة الشمسيَّة هو نجم بلوتو يبعد عن الشمس خمس ساعات ضوئيَّة ، الشمس تُرى من هذا النجم البعيد كنجمٍ صغيرٍ صغيرٍ في السماء الدُنيا ، والشمس تُرى من عطارد كقرصٍ كبيرٍ كبير ، ونحن في الأرض نراها بحجمٍ معتدل ..
﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(96)﴾
( سورة الأنعام )
عطارد بفعل قربه من الشمس ترتفع حرارته عن ثلاثمائة وخمسين درجة مئويَّة ، الحياة عليه مستحيلة ، وبلوتو الذي يبعد عن الشمس خمس ساعات تنخفض فيه الحرارة إلى مائتين وخمسين درجة تحت الصفر ، والحياة عليه مستحيلة ، فهل من باب المصادفة أن الحرارة على وجه الأرض معتدلةٌ وتوافق طبيعة الإنسان . ﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(96)﴾
( سورة الأنعام )
هذا من تقدير الله عزَّ وجل ، هذا نجمٌ آخر من المجموعة الشمسيَّة يبعُد عن الشمس خمس ساعات ضوئيَّة ، حرارته مائتان وخمسون تحت الصفر مع أنه يتلَّقَّى أشعَّة الشمس ، وهذا عطارد حرارته ثلاثمائة وخمسون فوق الصفر ، الحياة على هذين الكوكبين مستحيلة ، لذلك ربنا عزَّ جل قال : ﴿ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ(5)﴾
( سورة الرحمن )
أي أن هناك يد عليمة ، حكيمة ، خبيرة عَيَّنت هذه المسافة بيننا وبين الشمس ، فجعلت الحياة على سطح الأرض معقولة ، ومحتملة ، ومناسبة لطبيعة أجسامنا .
لو أننا أحرقنا هيدروجين الشمس ، أو أحرقناه عن طريق التفاعل النووي ، أو تفجير عنصر الهيدروجين ، التفجير النووي في الشمس يعطي طاقة تعادل مليون ضعف عن الطاقة الناتجة عن إحراق الهيدروجين ، والوقود السائل نحرقه في المحرِّك عن طريق المكابس ، يُنتج طاقة ، لو تخيلنا أنه بالإمكان بدل أن نحرقه أن نفجِّره نووياً لنتج عن هذه الطاقة مليون ضعف ، وهذا ما يحدث في الشمس ، فربنا عزَّ وجل قال :
﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا ﴾
الشمس مصدر كبير للضوء ، أشعَّة الشمس تُحرق ، والآن هناك سخَّانات تعمل بأشعَّة الشمس ، عبارة عن مرآة مُقَعَّرة مكان الإناء في محرقها ، وربنا عزَّ وجل قال : ﴿ وَالْقَمَرَ نُورًا ﴾
من الآيات المتعلِّقة بالشمس : ﴿ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾
( سورة لقمان : من الآية 29 )
هناك توقيت ، لقوله تعالى : ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ(1)﴾
فنحن نحيا ، والشمس مِلْءَ بصرنا ، هذه الشمس أحد الأدلَّة الكُبرى على عظمة الله سبحانه وتعالى ، لذلك الإنسان مكلَّف أن يفكِّر في الشمس ، ما مصير الأرض لو انطفأت الشمس ؟ تصبح قبراً جليدياً للبشر ، ما حقيقة الأرض من دون الشمس ؟ لا حياة على وجه الأرض .
وَالْقَمَرَ نُورًا
أما القمر فالله سبحانه وتعالى جعله أيضاً آيةً لنا ..
﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا ﴾
1 ـ هذا هو القمر نورًا وضياءً :
القمر عاكس لأشعَّة الشمس ، لذلك تجَلَّت حكمة الله سبحانه وتعالى فيه ، فتربة القمر تربةٌ بلوريَّة مهمَّتها الكبرى عكس أشعَّة الشمس على سطحه إلى الأرض ..
﴿ وَالْقَمَرَ نُورًا ﴾
أشعَّة الشمس حادَّة ، أشعَّة القمر لطيفة ، القمر يبدو في الليل ، وفي الليل له جوٌ لطيف .
2 ـ دوران القمر تقويم لشهور العام :
القمر لحكمةٍ بالغة يدور حول نفسه مرَّةً في الشهر ، ويدور حول الأرض مرَّةً في الشهر .. الأرض هكذا والقمر هكذا ، القمر يدور هكذا .. إذاً : وجهٌ واحدٌ يواجهنا طوال أيام الشهر ، لأنه يدور حول نفسه مرَّة وحول الأرض مرَّة ، من جعل هذا التوافق في دورته حول نفسه وحول الأرض ؟ إنه الله سبحانه وتعالى ، لذلك ما يُرى على سطح القمر نراه دائماً ، فلو أن رائد الفضاء ذهب إلى وجه القمر الآخر لما رأى الأرض إطلاقاً ، لأن وجهاً واحداً يواجه الأرض في دوران القمر حول الأرض .
الأرض تدور ، والقمر يتحرَّك في اليوم الواحد ثلاث عشرة درجة ، لذلك حينما يكون القمر بدراً تراه يُشْرِقُ مع غروب الشمس من الشرق ، فإنْ شئتَ اضبط الساعةَ في أيَّام الصيف مثلاً ، أشرقَ على الساعة الثامنة ، في اليوم التالي يتأخَّر شروقه خمسين دقيقة ، أي أن القمرَ تحرَّك في مداره حول الأرض ثلاث عشرة درجة ، وهكذا ، لكن كيف يبدو هذا القمر كما قال الله عزَّ وجل :

﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ ﴾
أي أن الشمس هكذا والقمر هكذا ، الأرض هنا ، إن كانت الأرض هنا والشمس في الوسط ، والقمر هنا ، فأهل الأرض يرون القمر بدراً كاملاً ، فإذا سار القمر هكذا ماذا يبدو لأهل الأرض ؟ يبدو لهم نصف وجه القمر الذي يرونه ، فإذا صار القمر بين الأرض والشمس صار محاقاً ، تقدير القمر منازل شيءٌ معجز ، أي أن الله سبحانه وتعالى جعله تقويماً لأهل الأرض ، تقويماً يراه كل الناس على اختلاف لغاتهم ، وثقافاتهم ، ومللهم ، ونِحَلِهم ، وأراضيهم ، شمال الأرض أو جنوبها ، شرقها أو غربها ، في أي مكان يُرى القمر على شكل منازل ، في اليوم الأول ، والثاني ، والثالث ... والرابع عشر ، والخامس عشر ، وهكذا .. ﴿ وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ﴾
3 ـ بين القمر والأرض قصة :
القمر له أشياء دقيقة جداً ، من هذه الأشياء أن بعده عنَّا ثلاثمائة وستون ألف كيلو متر ، هذا أقرب كوكب إلى الأرض ، حتى إن علماء الفلك سمَّوه : تابعاً ، لشدَّة لصوقه بالأرض ، مركبة الفضاء قطعت المسافة في ثلاثة أيَّام بسرعة أربعين ألف كيلو متر ، لكن الضوء يقطع المسافة بين القمر والأرض في ثانيةٍ واحدة فقط ، في ثانيةٍ واحدة تُقْطَع المسافة بين الأرض والقمر .
القمر كتلة والأرض كتلة بينهما تجاذب ، الأرض تجذب القمر والقمر يجذب الأرض ، الأرض تجذب القمر ولولا جذبها له لانطلق في مسارٍ مستقيم بعيداً بعيداً عن الأرض ، لكن جذب كتلة الأرض للقمر تجعله يدور حولها ، ولولا جذب الأرض للقمر لدارت الأرض حول نفسها دورةً في كل أربع ساعات ، صار النهار ساعتين والليل ساعتين ، مكابح ، غير معقول أن النهار ساعتان ! استيقظ من نومه ، صلى الصبح ، لبس ، ذهب إلى العمل فأذَّن المغرب ، لم يفتح المحل بعد ، رفع الغلق فأذَّن المغرب ، هل يرجع إلى البيت ؟ غير معقول ، جاء إلى البيت ليتعشَّى ، تعشَّى وجلس مع أولاده فذهب لينام فرأى الشمس أشرقت ، غير معقول ، لولا أن القمر يخفف من سرعة الأرض لصار النهار ساعتين والليل ساعتين ، لكن جذب القمر للأرض يجعل دورة الأرض حول نفسها في أربعٍ وعشرين ساعة ، هذا معقول ، والإنسان دخل إلى بيته ، وارتاح لا يزال معه مسافة طويلة ، ووقتٌ طويل كي يستريح ، ذهب إلى عمله في داوم لثماني ساعات فتعب ، جاء إلى البيت وتناول طعام الغداء ، رجع إلى عمله ، وعاد بعد المغرب ، فتوقيت النهار والليل اثنا عشر ساعة شيءٌ دقيق جداً ..

﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(96)﴾
( سورة الأنعام )
بين القمر والأرض تجاذب ، العلماء قدَّروه بكبل فولاذي قطره خمسون كيلو مترا ، لكن الله لطيف ، جذب الأرض للقمر ليس عن طريق كبل فولاذي بل قوَّةٌ جاذبة لا تراها ، هناك جذب ، والدليل : المد والجزر ، البحر يرتفع عشرين متراً حينما ينجذب إلى القمر ، وهناك بحوثٌ حول أن اليابسة نفسها ترتفع سنتيمترات بفعل جذب القمر ، هناك علاقةٌ وطيدة بين الأرض والقمر .
قالوا : لو أن القمر اقترب من الأرض إلى نصف المسافة فقد يظن الإنسان أنه أجمل فيصبح ذو حجمٍ أكبر ، ويصبح ضوءه أشد ، لا ، لو أن القمر اقترب من الأرض إلى نصف المسافة لتضاعف المدُّ والجزر أربعة وستين ضعفاً ، وأربعة وستون ضرب عشرين مترا ، حوالي ألف ومائتا متر ، أي أن كل المدن الساحليَّة وعددٌ كبيرٌ جداً من مدن الجبال تصبح مغمورةً تحت سطح البحر كل يوم مرَّتين ، هذا مستحيل .
إذاً : وضع القمر في هذا المكان شيء معجز ، المد والجزر معقول بعشرين متراً ، هذا يعين على الملاحة في الموانئ ، وله فوائد كبيرة جداً ، لكن لو المسافة اقتربت أكثر لتضاعف المد والجزر أربعة وستين ضعفاً ، وهذا مما يجعل الحياة على سواحل البحار مستحيلة .
مثلاً : في لبنان إلى أن تصل إلى ظهر البيدر حتى تنجو من المدِّ والجزر ، مستحيل ، كل هذه المدن ، وهذه الأماكن تصبح تحت البحر مثلاً ، هذا لو أن القمر اقترب من الأرض لغرق الناس ، وأُذَكِّركم بقوله تعالى :
﴿ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ(5)﴾
( سورة الرحمن )
﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ(49)﴾
( سورة القمر )
ربنا عزَّ وجل قال : ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ﴾
القمر كتلته صغيرة ، فلو أن إنساناً وزنه ستون كيلوا وصل إلى القمر ، وَوَزن نفسه لوجد أن وزنه أصبح عشرة كيلوات فقط ، كل شيء على القمر يخف وزنه ستة أمثال ، الذي وزنه ستون في الأرض وزنه هناك عشرة كيلو غرامات ، لا هواء ولا ماء ، إذاً : لا صوت ، لو أن مدفعاً أطلِقَ على سطح القمر لما سمع له أحدٌ صوتاً إطلاقاً ، لا هواء ولا ماء ، إذاً لا توجد عوامل حتّ للتربة ، القمر هو هو منذ أن خُلِقَ وحتى الآن ، أما الأرض فحصل فيها تبدُّل كثير ؛ في مجاري الأنهار ، في سواحل البحار ، في أشياء كثيرة .
شيءٌ آخر : هناك علماء رصدوا وجه القمر فعدّوا فيه عشرة آلاف وادي ، يوجد وديان ، وجبال ، و سهول على سطح القمر ، الله عزَّ وجل جعل القمر أحد الآيات الدَّالة على عظمة الله سبحانه وتعالى ، لكن هذه اللام .. لام التعليل ..
﴿ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ﴾
لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ
كأن الله عزَّ وجل جعل القمر خصيصاً لنعلم عدد السنين والحساب ، ودورة القمر حول الأرض أساس السنة القمريّة ، بينما دورة الأرض حول الشمس أساس السنة الشمسيَّة ، فالشهر الشمسي حكماً ، أما دورتها حول الشمس هي السنة ، وأما السنة القمريَّة فهي سنة حكميَّة ، لكن الأصل دورة القمر حول الأرض دورة ، أي يُبنى من دورة القمر حول الأرض السنة القمريَّة ، ويُبنى على دورة الأرض حول الشمس السنة الشمسيَّة ، ثم إن الله سبحانه وتعالى يقول :
﴿ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾
مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ
أي أن حجم القمر ، حجم الشمس ، البُعد بينهما ، تربة القمر ، لا هواء ولا ماء على القمر ، وتجاذب الأرض مع القمر ، المد ، الجزر ، طاقة الشمس ، حجم الشمس ، لهيب الشمس ، ما تنتجه من طاقة ، تبدُّل هذه الطاقة ..
﴿ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾
أي لو أنه حصل تبدَّل طفيف في المسافات ، في الأبعاد ، في الطاقة ، في الحجوم ، في التجاذب لاختلَّ نظام الأرض ، لو أن الشمس اقتربت أكثر لاحترق من عليها .. ثلاثمائة وخمسون درجة ، وهذا غير معقول مثل كوكب عطارد .. لو ابتعدت مائتين وخمسين تحت الصفر .. ﴿ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾
معنى بالحق أي أن هذا الوضع السليم ، هذا الوضع الحكيم ، هذا الوضع الذي لو بُدِّل لفسد نظام الأرض ، هذا معنى بالحق .. ﴿ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾
هذه الآيات الكونية لا يعقلها إلا العالِمون :
أي أن هذه الآيات من أجل ماذا ؟ القمر لِمَ خلقه الله عزَّ وجل ؟ لشيءٍ واحد هو أن نعرف الله من خلاله ، لقومٍ يعلمون عن الله شيئاً ، الله لا تُدركه الأبصار ، ولكنَّ العقول تُدركه عن طريق الآيات ، أصبح طريق معرفة الله عزَّ وجل هو التفكُّر بآيات الله عزَّ وجل ، عن طريق هذه الآيات نتعرَّف إلى الله عزَّ وجل ، الله سبحانه وتعالى يقول :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمْ ﴾
( سورة النحل : من الآية 104 )
﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ(6)﴾
( سورة الجاثية )
صار الطريق واحدا لابدَّ من سلوكه ، وهو أن تنظر في القمر لترى الله من خلاله ، أن تنظر في الشمس لترى الله من خلالها ، وآياتٌ أخرى تأتي بعد هذه الآيات : ﴿ إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾
معنى : إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
المعنى الأول :
من معاني هذه الآية : كيف أن الليل يعقب النهار ، وكيف أن النهار يعقب الليل ، ليل ونهار ، هذا المعنى الأول .
المعنى الثاني :
إن اختلاف الليل والنهار طولاً ، في الصيف يصبح النهار طويلاً ، وفي الشتاء يصبح قصيراً .
المعنى الثالث :
إن اختلاف طبيعة الليل والنهار ، النهار فيه ضياء ، الليل فيه ظلام ، النهار فيه حركة ونشاط ، الليل فيه سكون وراحة ..
﴿ إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾
في اختلاف طبيعتهما .. ﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا(10)وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا(11)﴾
( سورة النبأ )
اختلاف طبيعتهما ، واختلاف طولهما ، وتعاقبهما كلٌ بعد الآخر هذه أيضاً من آيات الله عزَّ وجل .
مَنْ خلق الليل والنهار ؟ الله سبحانه وتعالى ، كيف ؟ بدوران الأرض حول نفسها ، لو أن هذه الأرض وقفت عن الدوران لألغي الليل والنهار ، صار وجهٌ من وجوهها نهاراً إلى الأبد ، ووجهٌ آخر ليلاً إلى الأبد ، فالوجه الذي يقابل الشمس مائتان وخمسون درجة فوق الصفر للأبد ، والوجه الذي لا يقابل الشمس حرارته مائتان وخمسون درجة تحت الصفر للأبد ، توقَّفت الحياة ، إذاً : الليل والنهار آيتان من آيات الله ، لأن الأرض تدور حول نفسها .
بهذه الطريقة يكون الليل والنهار متعاقبين :
لو كان محورها .. هكذا ، ودورانها هكذا ، والشمس هنا .. أيضاً مع أنها تدور لانعدم الليل والنهار ، نصف الكرة الذي يدور هكذا ، والشمس من هنا نهارٌ إلى الأبد ، ونصف الكرة الثاني ليلٌ إلى الأبد ، لتوقَّفت الحياة أيضاً على سطح الأرض ، إذاً لا يكفي أن تدور ، بل يجب أن تدور على محورٍ ليس موافقاً لمستوى الدوران من أجل أن يكون هناك ليل ونهار متعاقبان ، ولو أن الأرض وقفت يوجد ليل ونهار ، ولكنَّهما غير متعاقبين ، شيء دقيق جداً ، لو أن الأرض توقَّفت عن الدوران فهنا نهار ، وهنا ليل ، والشمس من هنا ، لكن هذا الليل والنهار ليسا متعاقبين ، لو أن الأرض دارت على محورٍ موازٍ لمحور الدوران لكان هناك ليل ونهار ، لكنَّهما ليسا متعاقبين ، أما الآية :
﴿ إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾
أي أن في تعاقب الليل والنهار ، ولا يتعاقب النهار والليل إلا إذا كان المحور .. هكذا .. لو أنه هكذا ، عموديٌّ على مستوي الدوران ، والشمس هكذا ، الأرض تدور هكذا ، لصارت هذه المنطقة صيفاً إلى الأبد ، هذه ربيع إلى الأبد ، هذه شتاء إلى الأبد ، الأرض هكذا تأتيها أشعَّة الشمس عموديَّة في خطِّ الاستواء ومائلة في القسمين الشمالي والجنوبي ، إذاً : لأصبحت الفصول ثابتة في كل بقعة ، هذا المكان أمطارٌ وثلوج إلى الأبد ، وهنا شمسٌ محرقةٌ إلى الأبد ، وهنا ربيعٌ دائم ، وهنا خريفٌ دائم ، هذا شيء مستحيل .
كيف تنبت المزروعات ؟ التفاح يحتاج إلى برد ، تقطفه في الصيف ، توجد خضراوات تحتاج إلى حر ، فلولا تعاقب الحرّ والقرّ لما نبت النبات ، يأتي الثلج فيميت الأحياء الضارَّة ، ويأتي الحر فينضج الفاكهة ، ويعطيها طعمها الحلو ..
ولو أن الأرض دارت حول نفسها على محور عمودي لثبتت الفصول ، ليس في الأرض أقوات ، كل منطقة لا يمكن أن تُنْتِج النبات ، حر دائم يميت النبات ، برد دائم لا يُنْبِت النبات ، الله سبحانه وتعالى جعل محور الأرض مائلاً سبعاً وعشرين درجة ، بهذا الميل تأتي أشعَّة الشمس عموديَّةً إلى نصف الكرة الشمالي ، هنا صيف ، فإذا دارت الأرض حول الشمس .. هكذا .. جاءت الشمس عموديَّةً على نصف الكرة الجنوبي ، لذلك هناك تبدُّل مستمر بين الصيف والشتاء في نصف الكرة الشمالي والجنوبي .
الآن إذا ركب إنسان طائرة من شمال أمريكا إلى جنوبها ، يجد في الشمال درجة الحرارة أربعين لا تُحتمل ، الناس في البحار يسبحون ، ينتقل إلى البرازيل فيجد هناك أربعة أمتار من الثلج وعواصف وأعاصير ، في اليوم نفسه يمكن أن تركب طائرة من أمريكا الشماليَّة إلى الجنوبيَّة في يوم واحد ترى الحرارة هنا أربعين فوق الصفر ، وهنا خمسًا تحت الصفر ، إذاً : الآية العظيمة :
﴿ إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾
أي في تعاقب الليل والنهار ، تعاقب الليل والنهار آية ، وميل محور الأرض آية .. ﴿ إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
الكونُ كلّه بسماواته وأرضه آيةٌ :
في السماوات الشمس ، في السماوات القمر ، في السماوات نجم القطب ، في السماوات المجرَّة .. درب التبَّانة .. في السماوات المجرَّات ، في السماوات الهواء ، النيازك ، الشُهُب ، المذنَّبات ..
﴿ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
الجبال ، الأغوار ، السهول ، الصحارى ، البحار ، الينابيع ، الأنهار ، اكتشفوا الآن أن في مصر نهراً بكثافة نهر النيل يسير في غربي مصر تحت الأرض ويصبُّ في البحر ، الآن اكتشفوه ، اكتشفوا أن ليبيا تقع فوق بحرٍ من المياه العذبة .. ﴿ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
هذه باطن الأرض فيها خيرات لا يعلمها إلا الله .. ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى(6)﴾
( سورة طه )
الآن البحث الجاد عن الماء العذب ، فكلَّما كان الإنسان جادًّا في البحث وجد كمّياتٍ خياليَّة من الماء العذب تحت سطح الأرض مُخَزَّنًا لهذه الأيَّام .. أيام الجفاف السطحي .. وأيام كثرة الطلب على الغذاء الأرضي .
إذاً :
﴿ إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ﴾
الحيوانات آية ، الزواحف ، الفقريَّات ، الثدييات ، الجراثيم ، العصيّات ، الفيروسات ، البكتيريا ، ديدان الأرض ، والحيوانات الكبيرة ، الحوت الأزرق وزنه مائة وثلاثون طناً ، والفيل ، والكركدن ، وحيد القرن ، الضخم ، والصغير ، والذي يُرى ، والذي لا يُرى ، والذي في خدمة الإنسان مذلَّل ، والمستوحِش ، والمتوحِّش هذا كلُّه آياتٌ للإنسان.. ﴿ إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ﴾
إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا
1 ـ هذا هو الإنسان المُعرِض عن الله وآياتِه :
والآن سيصف لنا ربنا عزَّ وجل إنساناً أعرض عن هذه الآيات ، ترك هذه الآيات ، قال : هذه لا تعنيني ، لا شأن لي بها ، لا يُجْدِي البحث فيها ، تركها وراء ظهره ، ماذا فعل ؟ قال :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ﴾
لا يعلِّق أية أهميَّةٍ على ما بعد الموت ، لا يقيم وزناً لساعة اللقاء ، لا يأبه للموت ، لا يفكِّر في الآخرة إطلاقاً ، لا يرجو رحمة الله ، لا يرجو وعده بالجنَّة ، لا يخشى وعيده بالنار .. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ﴾
هذا الموضوع يقول لك : لا يعنيني ، هذا الموضوع خارج اهتمامي . ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
2 ـ المعرض عن الله راض بالدنيا مطمئنٌّ بها :
رضي أن يكون دخله وفيراً ، وصحَّته طيَّبة ، وله زوجةٌ تروق له، وله أولادٌ يسيِّرُهُم كما يشتهي ، كما هو ، وله شأنٌ اجتماعي يعيش به ..
﴿ وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا ﴾
أي أن دخلهم الكبير طمأنهم ، يقول لك : أمَّنَّا مستقبلنا ، قال واحد : يوجد عندي مال لا تأكله النيران ، أكلته النيران ، وأمضى بقيَّة حياته متسوِّلاً ، هكذا قال : لا تأكله النيران .. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ﴾
لا يريدون ، تدعوه إلى الدين يُعْرِض ، تغريه بمجلس العلم يقول : ليس عندي وقت ، تخوِّفه من الموت فيقول لك : من هنا إلى يوم الله يفرجها الله ، ضع رأسك مع الرؤوس وقل : يا قطَّاع الرؤوس ، تقول له : الله عزَّ وجل قال ، يقول لك : العلم قال غير ذلك ، صار أخونا طرحه علميٌّ : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
جعلها منتهى أمله .. (( مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلا مَا كُتِبَ لَهُ ، وَمَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ نِيَّتَهُ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ ))
[ سنن ابن ماجة عن عثمان بن عفَّان ]
(( أوحى ربُّك إلى الدنيا أنه من خدمني فاخدميه ، ومن خدمك فاستخدميه ))
(( الدنيا تغرُّ وتضرُّ وتمر ))
[ ورد في الأثر ]
(( وعزَّتي وجلالي إن لم ترض بما قسمته لك فلأسلِّطنَّ عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البريَّة ، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي ))
[ ورد في الأثر ]
(( لي عليكَ فريضة ، ولك عليَّ رزق ، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك ))
[ ورد في الأثر ]
(( أنت تريد ، وأنا أريد ، فإذا سلَّمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلِّم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد ))
[ ورد في الأثر ]
﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ﴾
3 ـ المعرض عن الله لم يتفكر في آيات الله الكونية :
لأنه لم يفكَّر في الشمس ، لم ير عظمة الله من خلال الشمس ، لم يفكِّر في القمر ، لكنه بحث عن يوم القمر لكي يتنزّه فقط ، علاقته مع القمر علاقة المنتفع الخسيس لا علاقة العالِم الرشيد ، عَن قَتَادَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ :

(( هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ ، هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ ، هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ ، آمَنْتُ بِالَّذِي خَلَقَكَ ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ يَقُولُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ذَهَبَ بِشَهْرِ كَذَا ، وَجَاءَ بِشَهْرِ كَذَا ))
[ أبو داود ]
خير ، لكن رشاد ، دليلنا إلى الله عزَّ وجل . ﴿ قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾
( سورة يونس : من الآية 101 )
﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا ﴾
أمنان وخوفان ، (( من خافني في الدنيا أمَّنته يوم أجمع عبادي ، ومن أَمِنَني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي ))
[ ورد في الأثر ]
أي من حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً ، ومن حاسب نفسه في الدنيا حساباً يسيراً حوسِب يوم القيامة حساباً عسيراً ، فإذا مدحت هذا الإنسان ، وكان مدْحه يُغضِب الله عزَّ وجل ، صديق فاجر تمدحه أمام صديق ثانٍ ‍‍‍‍‍‍‍، هذا يغضب الله . ﴿ وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ ﴾
عن هذه الآيات ، عن الشمس والقمر ، والليل والنهار ، واختلاف الليل والنهار ..
﴿ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾
أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ
1 ـ هذا هو مصير ذاك المُعرض وأمثاله :
هؤلاء الذين لا يرجون لقاءنا ، هؤلاء الذين كانت الدنيا مبلغ علمهم ، منتهى طموحهم ، منتهى آمالهم ، يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا ، وهم عن الآخرة هم غافلون ، جعل الدنيا أكبر همِّه ومبلغ علمه ، في الدنيا خبرته عالية جداً ، في الآخرة .. صفر .. لا يفقه شيئاً ، قال : هؤلاء الذين انتهت آمالهم في الدنيا جعلوها منتهى آمالهم ، أقصى طموحاتهم هؤلاء الذين :
﴿ وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا ﴾
عن الشمس والقمر ، والنجوم ، والليل والنهار ، والجبال والصحارى ، والوديان ، والأمطار والثلوج ، وعن آيات الكتاب أيضاً ، هناك آياتٌ كونيَّة ، وهناك آياتٌ توجيهيَّة ، عن هذه وتلك ، قال : ﴿ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾
2 ـ الغافل عن الله لا يكسب إلا السيئة :
معنى ذلك إذا غفل الإنسان عن الله سبحانه وتعالى لابدَّ من أن يكسب السيئة ..
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ(9)دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
ترابط الآيات ودقة تنسيقها :
ربنا سبحانه وتعالى يقول :
﴿ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾
( سورة هود من الآية 1 )
معنى( أحكمت )أي أن هناك ترابطا منطقيا بين آيات السورة الواحدة ، فلمَّا قال ربنا عزَّ وجل : ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾
أي أن طريق معرفة الله عن طريق الآيات .. ﴿ إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ﴾
أي تُشْرِقُ في نفوسهم أنوار الله سبحانه وتعالى ، لو أن الإنسان لم يفكِّر في هذه الآيات هذا حاله : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ ﴾
لأنهم غفلوا عن هذه الآيات انتهت بهم طموحاتهم إلى الحياة الدنيا ، دخله كبير إذاً هو مبسوط ، سرور أبله ، لأن الموت سوف يكون عليه كالصاعقة ، ربنا عزَّ وجل قال : ﴿ فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ(45)﴾
( سورة الطور )
فهذا الاطمئنان اطمئنان الأغبياء ، اطمئنان أبله ، عندما يرضى الإنسان بالدنيا ، يحقِّق دخلاً كبيراً ، يعمل صفقة رابحة ، يشتري بيتاً فخماً ، يحقِّق كل آماله الدنيويَّة ، يظن أن كل شيء انتهى ، لا ، لم ينته شيء ، الخطر الكبير في الطريق ، عند ساعة اللقاء ، لذلك ساعة اللقاء كالصاعقة على أهل الدنيا ، هناك أشخاصٌ يكرهون أي شيءٍ يتصل بالموت ، أي أنه يكره سماع القرآن ، لأن القرآن في ذهنه مرتبطٌ بالموتى ، مات إنسان ، القارئ يقرأ له القرآن ، يكره نبات الآس ، لأنه يوضع على القبور ، وكل شيء متعلِّق بالموت يخاف منه ، يقول لك : تشاءمت ، هذا الحديث أوقفه وانتهِ منه ، لأنه مهتم بالدنيا فقط ، فإذا جاء الموت كان كالصاعقة ، فالإنسان إذا اطمأنَّ في الدنيا يكون اطمئنانه أبله ، اطمئنان الأغبياء ، اطمئنان الحمقى ، لكن العاقل لا يطمئن إلا إذا أطاع الله سبحانه وتعالى ، عندما يطيع الله طاعة تامَّة شعر بطمأنينة لا يعلمها إلا من ذاقها ، قال الله عزَّ وجل : ﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ(82)﴾
( سورة الأنعام )
هناك ترابط دقيق ، الذي يغفل عن التفكُّر في هذه الآيات سوف لا يرجو لقاء الله أولاً ، وسوف يرضى بالحياة الدنيا ، وسوف يطمئن لها ، ثم يأتيه الموت كالصاعقة .. ﴿ فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ(45)﴾
(سورة الطور)


 

رد مع اقتباس
قديم 10-14-2011, 12:01 PM   #4
كبار الشخصيات


الصورة الرمزية العفريني
العفريني غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Nov 2010
 أخر زيارة : 02-28-2014 (05:05 PM)
 المشاركات : 7,969 [ + ]
 التقييم :  154
 الجنس ~
Male
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Brown
افتراضي رد: التفسير المطول - سورة يونس لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي



﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ(7)أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾
التذكير الأول : إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا
(( فَالنَّاسُ رَجُلانِ : بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ وَالنَّاسُ ))
[ من سنن الترمذي عن ابن عمر ]
هؤلاء : ﴿ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا ﴾
كانت أكبر همِّهم ، ومبلغ علمهم ، ومنتهى طموحاتهم ، واستغنوا عن رحمة الله ، وأداروا ظهرهم للقرآن ، وجعلوا ما بعد الموت خارج اهتمامهم . التذكير الثاني : مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونْ
هؤلاء كما قال الله عنهم :
﴿ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾
لكن الذي آمنوا لهم حالٌ أخرى ، فربنا سبحانه وتعالى يقول : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ(9)دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾
التذكير الثالث : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِم
فالإيمان عمل ، هذا الذي يقول لك : أنا مؤمن ، يجب أن تقول له : متى آمنت ؟ كيف آمنت ؟ ما الدليل على وجود الله ؟ ما الدليل على ربوبيَّته ؟ ما الدليل على ألوهيَّته ؟ متى آمنت ؟ هل خصصت وقتاً كل يوم كي تؤمن ؟ هل جلست مع نفسك تتأمل في ملكوت السماوات والأرض؟ أمَّا أن يسمع الإنسان شيئاً فيقوله كما سمعه هذا لا يسمى إيماناً ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)﴾
( سورة العنكبوت )
الإنسان له أن يدَّعي أنه مؤمن ، هذه بيده ، كلمة يقولها : أنا مؤمن ، لكن هل تظن أن الله سبحانه وتعالى سيترك هذا الإنسان يدَّعي أنه مؤمن ، ولا يضعه في مواقف معيَّنة تكشف حقيقته ، فربنا عزَّ وجل يقول : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾
هؤلاء الذي عرفوا الله سبحانه وتعالى ، هؤلاء الذين آمنوا به من خلال آياته ، هؤلاء الذين فكروا في ملكوت السماوات والأرض ، هؤلاء الذي ذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ، هؤلاء الذين تعرَّفوا إلى الله في الرخاء ، هؤلاء الذين بَهَرَتْهُم عظمتُه ، هؤلاء الذين ملأت آياتُه نفوسَهم ، هؤلاء الذين آمنوا ، من لوازم الإيمان العمل الصالح ، الإيمان دعوى برهانُه العمل الصالح .. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾
أي أنه عرف أن له رباً بيده كل شيء ، إليه مرجع كل شيء ، فلا حركة ، ولا سكنة ، ولا صغيرة ، ولا كبيرة .. ﴿ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾
التذكير الرابع : مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ
الأشياء كلها مُعَطَّلَة إلى أن يشاء الله ، لا تأخذُ الأشياء خصائصها ولا فاعليتها إلا إذا شاء الله .
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ﴾
هذه الكلمة فسَّرها المفسِّرون تفسيراتٍ شتَّى ، بعضهم قال : ألم يقل الله قبل قليل : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ(7)أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(8)إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ﴾
من معاني : يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ
إلى مأواهم ، وهو الجنة ، أي إيمانهم وعملهم الصالح يهديهم إلى الجنة ، هذا معنى .
وهناك معنى آخر ، المعنى الآخر مأخوذٌ من معنى الإيمان ، الإيمان وجهةٌ إلى الله سبحانه وتعالى ، فما دام الإنسان متجهاً إلى الله سبحانه وتعالى أي أنه في صلة ، وتعريف الصلاة كما عرَّفها النبي عليه الصلاة والسلام :

(( الصّلاةُ نُورٌ ))
[ مسلم عن أبي مالك الأشعري ]
كل إنسانٍ يصلي صلاةً صحيحة يقذف الله في قلبه نوره ، فالصلاة نور ، وبالنور ترى الخير خيراً والشر شراً ، إذاً : المصلي مستنير ، والمؤمن الذي آمن بالله ، وعمل صالحاً فأقبل عليه ، بإيمانك به عرفته ، بعملك الصالح تقرَّبْتَ إليه ، مثلاً أنت في عطشٍ شديد ، عرفت النبع وذهبت إليه ، لا ترتوي إلا إذا عرفت النبع أولاً ، وذهبت إليه ثانياً ، كذلك آمنت بالله أولاً من خلال آياته الدالة على عظمته ، ثم تقربت إليه بالعمل الصالح ، فإذا آمنت بالله أولاً ، وعَمِلْتَ الأعمال الصالحة ثانياً ، هداك الله إليه .
بعضهم قال : إلى جنته .
وبعضهم قال : أنت حينما آمنت به ، وعملت العمل الصالح تقرَّبت إليه ، بمعنى اتصلت به ، وطبيعة الصلة نور ، وبهذا النور رأيت الخير خيراً فاتبعته ، ورأيت الباطل باطلاً فاجتنبته .
نقف عند هذه النقطة قليلاً ، هذا الذي يسرق ، وهو في البيت يقتل ، يقبض عليه فيعدم ، حينما أقدَم على هذا العمل ماذا كان يرى ؟ كان يرى أن السرقة مَغْنَمٌ كبير ، وأنه بجهدٍ يسير يُحَصِّل مالاً كبيراً ، كان في عمى وقتها عن النتائج الأليمة ، عن إعدامه ، عن شنقه أمام الناس ، فالقضية عند الناس قضيةٌ واحدة ، إما أنك ترى ، أو أنك لا ترى ، الكافر في عمى ، لا يرى نتائج الأشياء ، ما من إنسانٍ أُتيح له أن يرى نتائج عمله السيئ فيقدم على هذا العمل ، فالأزمة أزمة رؤية ، إما أنك ترى ، وإما أنك لا ترى .
لأن كل إنسان فُطِرَ على حب نفسه ، حب السلامة ، حب النجاة ، حب الفوز ، هذه فطرة الإنسان ، فلأن الإنسان مفطورٌ على حب ذاته ، وعلى حب سلامته ، وعلى حب نجاته ، وعلى حب فوزه إذا رأى الخير خيراً يتبعه قطعاً ، وإذا رأى الشر شراً يجتنبه قطعاً ، لكن لماذا يقدم الإنسان على الشر ؟ لأنه يراه خيراً ، لماذا يراه خيراً ؟ لأنه في عمى ، لماذا هو في عمى ؟ لأنه لا يصلي .
هذا ملخص الآية : إذا اتصلت بالله عزَّ وجل قذف في قلبك النور ، فرأيت الخير خيراً فاتبعته ، ورأيت الباطل باطلاً فاجتنبته ، إذاً أنت في نجاة .
وتماماً كمن يقود سيارةً في طريقٍ كله منعطفات ، في اَللْيَل ، ما دام المِصباح متألِّقَاً فهو ينجو من هذه الحُفَر والمنعطفات ، لكن إذا انطفأ الضوء فجأةً لابدَّ من أن يتدهور ، وهذا الذي لا يصلي مقطوعٌ عن الله عزَّ وجل ، إذاً هو في عمى ، إذاً : يرى المعصية مغنماً ، يرى كسب المال بطريقةٍ غير مشروعة مغنماً كبيراً ، وذكاء ، وقدرة على اقتناص المناسبات ، وفوزاً عظيماً ، لكن الذي يرى ، يرى الحسيب العليم ، يرى الديَّان ، يرى عدالة الله سبحانه وتعالى ، لابدَّ من أن يذهب المال من حيث أتى ، لابدَّ من أن يتلف المال ، ويتلف صاحبه معه ، ومن أصاب مالاً في مهاوش أذهبه الله في نهاور ، فالقضية قضية رؤية .
سيدنا يوسف لماذا صار عزيز مصر ؟ لأنه حينما راودته هذه المرأة .. امرأة العزيز .. كان ذا بصيرة ، كان متصلاً بالله عزَّ وجل فرأى نتائج الزنا ، وكيف أنه قبيحٌ لصاحبه ، وكيف أنه خيانةٌ لسيِّدِهِ ، وكيف أنه معصيةٌ لربه ، فقال :
﴿ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾
( سورة يوسف : من الآية 23)
فجعله الله عزيز مصر ، ولو أنه لبَّى نداء جسده كما يقولون لكان في أسفل سافلين ، لما كان سيدنا يوسف ، وقد قيل لأحد العارفين : " متى يكون داؤها دواءها .. أي النفس .. ؟ " ، فقال هذا العارف بالله : " إذا خالفت هواها " ، لأن هواها هو داؤها ، ودواءها بمخالفة الهوى ، لأن اتباع الهوى هوان .. و اخجلتي من عتاب ربـي إذا قال لي أسرفت يا فلان
إلى متى أنت في المعاصي تســير مرخى لك العنان
عندي لك الصلح و هو برِّي وعندك السيف والسنــان
ترضى بأن تنقضي الليالي و ما انقضت حربك العوان
فاستحي من شيبةٍ تراهــا في النار مسجونةً تهــان
واستحي من كتابٍ كــريمٍ يحصي به العقل و اللسـان
***

عندما يكون الإنسان في عمى يأكل مالاً حراماً ، فيكون الجزاء عاجلاً ، يتلف الله ماله ، وقد يتلفه مع ماله ، إذا كان في عمى يعتدي على الأعراض ، يُعْتَدَى على عرضه ، ما من مأساةٍ في المجتمع ـ راجعوا المحاكم الشرعية ـ ما من دعوى طلاق إلا وراءها معصية ، وليس من معصيةٍ إلا وراءها عمى ، والعمى سببه الانقطاع عن الله عزَّ وجل ، لو كنت في قمة الذكاء ، لو حصَّلت أعلى شهادة في العالم ، الذكاء وحده لا يكفي ، الذكاء قوة مدمِّرة ، أما مع الهدى قوة خَيِّرَة ، الذكاء قوة خيرة ، فإن كان الذكي مقطوعاً عن الله عزَّ وجل فهو قوةٌ مدمِّرة .
فالإنسان بلغ الآن من الذكاء المرتبة العُليا ، أي أن العقل البشري تطور ، واخترع ، وسخَّر الطبيعة ، واخترع مخترعات تريحه جداً ، نقل الصورة ، نقل الصوت ، غاص في أعماق البحار ، راد الفضاء ، وصل القمر ، اخترع أجهزة تنقل الصور الملونة في لمح البصر، لكنه في جهلٍ شديد ، وبعدٍ عن الله مديد ، ما الذي حصل ؟
أطلق لنفسه العنان ، بوحي عقله ، وذكائه ، وأن هذه الدنيا هي كل شيء ، فإذا مرضٌ عضال يصيب العالم المتمدن فيما يزعمون .. مرض الإيدز .. انحلال المناعة ، خبرٌ قرأته قبل أيام أن في العالم مائة مليون إصابة حتى الآن ، ستة آلاف وفاة في أمريكا وحدها ، وهذا المرض هو بسبب بعدهم عن الله عزَّ وجل ، بعدوا عن الله ، انقطعوا عنه ، كانوا في ضلالة وفي عمى ، فأطلقوا لشهواتهم العنان ، فكان العقاب العاجل في الدنيا قبل الآخرة ، فمهما كنت ذكياً ، مهما كنت مثقفاً ثقافةً عالية ، مهما كنت ذا شأن ، إن لم تدعِّم هذا الذكاء بالهُدى فالمصير إلى الهاوية ، وإلى الدمار ..
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ﴾
المعنى الثاني : أن الإيمان وجهة إلى الله ، وأن العمل الصالح قربةٌ له ، وأنك إذا عرفته وتقرَّبت إليه اتصلت به ، في هذه الصلة يحصل النور، في هذا النور ترى الخير خيراً والشر شراً، تنجو من مآذق الدنيا ، من متاعبها ، من مهلكاتها ، من ضلالاتها ، من شقائها ، من الضياع ، من القلق . ﴿ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ﴾
هناك معنى ثالث مستنبطٌ من قوله تعالى : ﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى(13)﴾
( سورة الكهف )
إذا قال ابن لأبيه : أنا أود أن أدرس ، وأبوه كان مثقفا ثقافة عالية ، بمجرد أن يقول له : أنا أريد أن أدرس ، الأب أعطاه غرفةً مستقلةً في البيت ، أَمَدَّه بالكتب ، أمده بالمراجع ، وضعه في أرقى مدرسة ، أعطاه المال الكافي ، أعفاه من أعباء المنزل ، سجَّله في معاهد إضافةً إلى مدرسته ، جعل له مدرّسين خاصين ، والطالب قال : أنا سأدرس ، كذلك ولله المثل الأعلى ، إذا قال العبد : يا رب أعنّي على طاعتك ، تُيَسَّرُ له أموره ، يُيَسَّرُ له أمر معاشه ، ييّسر الله له زوجةً تعينه على دينه ، توافقه في اتجاهه ، ييسر له عملاً طيباً ورزقاً حسناً ، نقياً ، نظيفاً ، هذا إذا اختار أن يكون من المؤمنين . ﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى(13)﴾
المعنى الرابع :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ﴾
إلى العمل الصالح ، لأن جوهر الحياة هو العمل الصالح .. ﴿ وَالْعَصْرِ(1)إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾
( سورة العصر )
أي أنك جئت إلى الدنيا من أجل مهمةٍ واحدة ؛ أن تعمل عملاً صالحاً يصلح للعرض على الله عزَّ وجل كي تسعد به إلى الأبد .
إذاً :
﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾
( سورة الكهف )
المعنى الرابع : ﴿ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ﴾
إلى العمل الصالح ، الله عزَّ وجل يقدِّر على يديه الأعمال الصالحة الكبيرة ، أي أنه إذا أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل ، ونسبه إليك ، وما من مخلوقٍ على وجه الأرض يحب العمل الصالح كسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لذلك قدَّر الله على يديه هداية البشر .. ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ ﴾
( سورة سبأ : من الآية 28 )
وجعله بابه الأوحد ، أي امرئٍ أتاه من غيره لا يدخله ، وجعل له المقام المحمود ، والوسيلة العظمى ، إذاً أنت لك عمل صالح بقدر نواياك ، لو أنك تنطوي على نيةٍ صادقة في التقرُّب إلى الله عزَّ وجل ، لأَمَدَّكَ الله بالعمل الصالح ولقدّره على يديك ، وجعل الهدى على يديك ، أنت لا تملك إلا شيئاً واحداً ، تملك النية الطيبة والباقي على الله ..
" الخير بيدي ، والشر بيدي ، فطوبى لمن قدَّرت مفاتيح الخير على يديه ، والويل لمن قدَّرت الشر على يديه " .
العمل الصالح أفضلُ عطاءٍ :
قيل : " إذا أردت أن تعرف مقامك عند الله ـ شيء دقيق هذا الحديث ـ فانظر فيما استعملك " ، فما نوع عملك في الحياة الدنيا ؟ مبني على أذى الآخرين أم على نفعهم ؟ هناك أعمال خيِّرة ، وهناك أعمال شريرة ، والله عزَّ وجل قال :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴾
والله إن هذا هو الذي يسمَّى العطاء ، أما العطاء في الدنيا فلا يسمَّى عطاء ، إنه ابتلاء ، لأنه منقطع ، هل يصح أن تقول لعطاءٍ قليلٍ يسيرٍ موقَّت : إنه عطاءً ؟ الكريم لا يعطي هكذا ، لذلك قال سيدنا علي : << الغنى والفقر بعد العرض على الله >> ، قال سيدنا موسى : ﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ(24)﴾
( سورة القصص )
أنا مفتقر يا رب للعمل الصالح ، فالحقيقة التي لا مراء فيها ولا مجاملة : إذا كانت حياة الإنسان مبنيةً على عمل ، وكسب مال ، وراحة ، واسترخاء ، وطعام ، وشراب ، ونوم ، وخدمة نفسه ، والعناية ببيته فقط ، وليس له عمل صالح ، والله هذا هو الفقر بعينه ، حتى إن بعضهم وجَّه قول سيدنا علي : " كاد الفقر أن يكون كفراً " ، وبعضهم وجَّه هذا القول بمعنى أن الفقر من العمل الصالح هو كفرٌ بالله عزَّ وجل ، أي أنك آمنت به ، وعرفت أنه عظيم ، وعرفت أن هناك جنة عرضها السماوات والأرض ، وهناك نار ، ولا تتقرب إلى الله بالعمل الصالح ، إذاً : هذا أحد أنواع الكفر ، وكاد الفقر من العمل الصالح أن يكون كفراً . ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾
( سورة الأنعام : من الآية 132 )
لك عند الله حجم ، حجمك بحجم عملك الصالح ، ماذا فعلت ؟ ماذا ضَحَّيْت ؟ ماذا أنفقت ؟ كم هديت ؟ ألك عملٌ صالحٌ باتجاه الهدى والدعوة إلى الله ؟ ألك عملٌ صالح باتجاه إنفاق المال ؟ ألك عملٌ صالحٌ باتجاه تقديم الخدمات للمؤمنين ؟ هل عاونت مؤمناً ؟ هل أنقذته من ورطة ؟ هل عُدَّتَ مريضاً ؟ هل دللت ضالاً ؟ هل ضحيت بوقتك من أجل أخيك ؟ هل عملت عملاً يرضي الله عزَّ وجل ؟ الحقيقة الإنسان لا يتمكن أن يقابل إنساناً له شأن ، لا يوجد وقت ، انتظر شهرا ، لكن ربنا عزَّ وجل قال : ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا ﴾
( سورة الكهف " 110 " )
ربُّ العِزَّة ، خالق السماوات والأرض ، إذا أردت أن تلقاه فعليك بالعمل الصالح ، والدليل : اعمل عملاً صالحاً خالصاً لوجه الله ، وانظر كيف أن الله سبحانه وتعالى يتجلَّى على قلبك بالرحمة ، والآية الكريمة هكذا : ﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ(56)﴾
( سورة الأعراف )
قال لي شخص كان يمر بمنطقة دُمَر الساعة الثانية عشرة ليلاً .. القصة ذكرتها سابقاً .. رأى امرأة واقفة حاملة طفلا ، ومعها رجل ، توقّع أنهم بحاجة ماسة للمساعدة ، وإذا الابن حرارته إحدى وأربعون درجة ، والأم لا تدري ماذا تفعل ، ومعها زوجها ، قال لي : أخذتهم إلى مستشفى ، ولطبيب مناوب ، ولصيدلي مناوب ، وأخذ إبر بالمستشفى ، الساعة الرابعة فجرا انتهينا من علاجه ، ثم أرجعتهم إلى دمر مكان سكناهم ، ورجعت إلى بيتي ، أقسم لي بالله أسبوعين أو ثلاثة وهو مغمور بالسعادة ، وكل واحد منا يجرِّب .. ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا ﴾
اخدم إنسان لله ، لا جزاءً ، ولا شكوراً ، ولا مدحاً ، ولا ذماً ، ولا تقديرا معنويا ، ولا تقديرا ماديا ، ولا لفت نظر ، ولا كلمة شكر في الجريدة . ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ ﴾
( سورة الإنسان : من الآية 9 )
العمل الصالح هو الذي يرقى بك ، والآية الكريمة : ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ﴾
( سورة فاطر : من الآية 10 )
إذا تكلمت بكلام لطيف يعرفه الله سبحانه وتعالى ، يصعد إليه ، لكنك أنت على الأرض ، ويصعد كلامك إليه ، والذي يصعد بك كلك هو العمل الصالح .. ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾
( سورة فاطر : من الآية 10 )
يرفعك عند الله عزَّ وجل ، لا يرفعك عند الله كلامك ، الكلام اللطيف سهل ، بلا شيء ، لذلك : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾
( سورة فصلت : من الآية 30 )
علامة الإيمان الاستقامة ، بعد فقرة ثانية .. ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا ﴾
( سورة فصلت : من الآية 33 )
لا تؤثّر الدعوة إلى الله إلا بالعمل الصالح ، وإذا كان العمل سيئاً أعطت الدعوة عكس المفعول ، أي أن من دعا إلى الله ، وكان عمله سيئاً فكأنه ينفّر الناس من الله عزَّ وجل ..
" يا رب ، أيُّ عبادك أحَبُّ إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال : يا موسى أحبُّ عبادي إلي تقي القلب ، نقي اليدين ، لا يمشي إلى أحدٍ بسوء ، أحبَّني ، وأحب من أحبني ، وحبَّبني إلى خلقي ، قال : يا رب ، إنك تعلم أني أحبك ، وأحب من يحبك ، فكيف أحبّبك إلى خلقك ؟ قال : ذكرهم بآلائي ، ونعمائي ، وبلائي " .
الأخلاق الحسنة لها أثر كبير في الدعوة :
أي أن من دعا إلى الله ، وكان عمله سيئاً كان سبباً في تنفير الناس من الدين وإبعادهم عنه ، لذلك قال الله تعالى في الحديث القدسي :
(( إن هذا الدين قد ارتضيته لنفسي ، ولا يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق ، فأكرموه بهما ما صحبتموه ))
[ الترغيب والترهيب عن جابر ، وفي سنده ضعف ]
هذا الدين يحتاج إلى سخاء ، وإلى أخلاق حسنة ، فلو أن زوجاً أخلاقه شرسة ، وانفعالي ، وكلامه قاسٍ ، وتوبيخه عنيف ، وبخيل على زوجته ، ويقول لها : صلِّ ، مستحيل أن تصلي ، وإن صلَّت فستصلي بلا وضوء ، كي تغيظه ، تقول له : أنا كنت أصلي بلا وضوء ، لكن هذا الدين لا يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق ، لا بدَّ له من سخاء ومن حسن خلق ، حتى إن ربنا عزَّ وجل علمنا كيف ندعو إليه ، قال الله سبحانه وتعالى مخاطباً نبيه الكريم : ﴿ قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ(25)﴾
( سورة سبأ )
أنتم تعملون ، نحن أجرمنا ، هذا هو الأدب الجَم ، أي إن كنتم تعتقدون أننا مجرمون بهذه الدعوة فأنتم مُعفَون من السؤال عن هذه الجريمة ، ونحن لا نُسأل عما تجرمون ، ولا عما تعملون ، يجب أن تنتقي ألطف كلمة .. ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾
( سورة آل عمران : من الآية 159 )
﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
التذكير الخامس : دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ
من معاني : دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ
المعنى الأول : دعاءهم ، والمعنى الثاني : الدعوة العبادة ، والمعنى الثالث : ملخص علاقتهم بالله سبحانه وتعالى منذ أن خلقوا في الأزل وحتى الأبد ..
﴿ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
أحياناً تلخِّص علاقتك كلها بكلمات ، علاقة الإنسان مع ربه منذ أن خلقه وحتى الأبد .. ﴿ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ﴾
أي ما أعظم شأنك يا رب .
﴿ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ﴾
السلام من الله : الطمأنينة ، الأمن ، التجلِّي ، السعادة ، وملخَّص السلام والتسبيح .. ﴿ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
بعضهم قال : لما دخل يونس في بطن الحوت ، كيف دعا ربَّه ؟ قال : ﴿ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)﴾
( سورة الأنبياء )
فلم يدعُ ، بل سبَّح الله ، ونزَّهَهُ ، ومجَّده ، قال العلماء : تنزيه الله وتمجيده ، وتسبيحه أحد أنواع الدعاء ، لذلك النبي الكريم استنبط من هذه الآية دعاء الكَرْب ، فإذا ألمَّت بالإنسان مصيبة يقول : لا إله إلا أنت العليم الحكيم ، لا إله إلا أنت الرحمن الرحيم ، لا إله إلا أنت ربُّ العرش العظيم ، هذا هو الدعاء ، ولكنه ما دعا ، لقول الله عزَّ وجل في الحديث القدسي الشريف : (( مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِين ))
[ من سسن الترمذي عن أبي سعيد ]
لما قال سيدنا يونس : ﴿ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)فَاسْتَجَبْنَا لَهُ ﴾
( سورة الأنبياء )
هذا دعاء ، لكن سيدنا يونس شغله تعظيم الله سبحانه وتعالى ، والاعتراف بذنبه عن طلب الخلاص .. ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88)﴾
( سورة الأنبياء )
أي أن إذا وقع بضائقة قال له : سبحانك يا رب ، ما أرحمك .. مصيبة قاسية جداً .. سبحانك يا رب ما أعدلك ، سبحانك يا رب ما أرحمك ، سبحانك يا رب ما أحكمك ، إنني صابرٌ لحكمك يا رب ، هذا دعاء ويقتضي الإجابة ، النبي الكريم استنبط من هذا الدعاء فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو عِنْدَ الْكَرْبِ يَقُولُ : (( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ))
[ متفق عليه ]
وهذا دعاء الكرب ، فأهل الجنة لا يوجد موضوع يجول في خواطرهم إلا موضوع واحد ، سبحانك اللهم ، ما هذا العطاء ؟ ما هذا النعيم المقيم ؟ ما هذا السرور ؟ ما هذا الأمن ؟ ما هذه الطمأنينة ؟ ما هذا الذي لا عينٌ رأت ، ولا أذنٌ سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ؟ ما هذا النعيم المقيم ؟ ما هذه الجنة ؟ . ﴿ إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ(55)هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ(56)﴾
( سورة يس )
فهناك آيات كثيرة .. ﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ﴾
تحيتهم من الله ، تصور إنسانا عظيما يقول لك : أهلاً وسهلاً ، رحَّب بك ، سلامٌ عليك ، فكيف بهذا السلام من الله عزَّ وجل . ﴿ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ﴾
أي تحية الله لهم سلامٌ عليكم إلى الأبد .. ﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ(61)﴾
( سورة الصافات )
هذا طموح ، هنا الطموح ، جمع مليونا يريد مليونا ثانيا . ﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ(61)﴾
(سورة الصافات )
هذا العطاء الذي لا ينفد ، أما غيره فليس لك منه إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدَّقت فأبقيت ، والباقي ليس لك ، بل لغيرك ، وستحاسب عليه ، كيف اكتسبته ؟ وكيف أنفقته ؟
إذاً :
﴿ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ﴾
بعضهم قال : أهل الجنة إذا رأوا طائراً ، واشتهوا أن يأكلوه يكفي أن يقولوا : سبحان الله ، فيأتيهم مشوياً جاهزاً للطعام ، فإذا أكلوه قالوا : الحمد لله ، أي أنه لا طلبات ، فأحياناً إذا كان الشخص غالياً على صاحبه يقول له : والله هذا الثوب جميل ، يقول له : هو مقدَّم ، فوراً ، أي أن الأول اشتهى ذاك الثوب ، فأهل الجنة يكفي أن يقولوا : سبحان الله ، لشيء جميل حتى يصبح بين أيديهم ، فإذا تناولوه يقولون : الحمد لله رب العالمين ، هذا المعنى الآخر من معاني : ﴿ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنْ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا ، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا ))
[ مسلم ]
إذا أكل أكلة الإنسان ، وكان يحبها وشبع فقال : الحمد لله رب العالمين ، يا ربي لك الحمد والشكر والنعمة والرضا ، الحمد لله الذي أطعمني ، وسقاني ، وآواني ، وكم مِن إنسان لا مأوى له ، وكم من كبدٍ جائعة ، لقد أطعمك الله . ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ(3)الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ(4)﴾
( سورة قريش )
هذا المعنى الثالث ، بعد ما أن يتلقى الإنسان النعمة من الله عليه أن يحمد الله .
بعضهم قال : في كل دعاءٍ يجب أن يبدأ بالتسبيح ، وينتهي بالتحميد ، لقول الله سبحانه وتعالى :
﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ(180)وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ(181)وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182)﴾
( سورة الصافات )
هذه من أواخر سورة الصافَّات .
إذاً :
﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
بعضهم قال في معنى هذه الآية : " الدعوة القضية " ، المعنى الثالث للدعوة ، الدعوة الدعاء ، والدعوة العبادة ، والدعوة القضية ، أي أن قضيتهم مع الله تتلخص بالحمد لله ، كان في حياته فقيراً ، كان مصاباً ، كان قد فقد بصره ، فقد ابنه ، له ابن متعلِّق به كثيراً توفاه الله عز‍َّ وجل ، كانت زوجته مشاكسة ، دخله قليل ، عنده أمراض مزمنة ، كل شيء ساقه الله له يكشفه يوم القيامة ، فيذوب محبة لله ، لولا هذه الأمراض لما عرفتك ، لولا هذه المصائب لما عبدتك ، لولا هذا الضيق لما التجأتُ إليك يا رب . ﴿ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
هذه ملخص الملخص ، لذلك في الإسلام كلمات أساسية ، بعض هذه الكلمات : لا إله إلا الله ، هذه علامة التوحيد ، بعض هذه الكلمات : الله أكبر ، شعار المسلمين ، الكلمة الثالثة : الحمد لله ، الحمد لله ، لا إله إلا الله ، والله أكبر ، ولله الحمد ، هذه ثلاث كلمات أساسيات في الدين . ﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ﴾
التذكير السادس : وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ
طالبُ الخير يلقى الخير ، ومستعجل الشر يحلم الله عليه :
الشيء الملاحظ أن الله سبحانه وتعالى إذا طلب العبد طلب خير وقال : يا رب اهدني ، يمكن أن يدعو الله عند العصر ، ويأتي في صلاة المغرب فيجمعه الله برجلٍ تكلم معه بكلام طيب ، فسأله : أنت أين تحضر ؟ خذني معك ، عند العصر دعا الله عزَّ وجل وعند المغرب كان مهتدياً ، وإذا طلب الإنسان الخير فإن الله سبحانه وتعالى يستجيب له استجابةً سريعةً جداً .. " من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد ، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب ، أهل ذكري أهل مودتي ، أهل شكري أهل زيادتي ، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم " ..
ربنا عزَّ وجل قال :

﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ ﴾
أي أنه أكل مالاً حراماً ، فقصمه ، فمات ، فصار إلى جهنَّم ، يأكل مالاً حراماً ، يسَلِّمه ، ويعتدي على أعراض الناس ، يمهله الله ، ويظلم ويمد له في حياته ، ربنا عزَّ وجل قال : ﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ﴾
لأهلك الناس كلَّهم وأخذهم إلى جهنم ، لكن ربنا عزَّ وجل حليم ، فإذا طلب الإنسان الخير يُعَجِّلُ الله له به ، فإذا طلب الشر أمهله ، لعله يتوب ، لعله يندم ، لعله يرجع ، لعل الله يخرج من صلبه من يوحِّد الله ..
سيدنا جبريل قال لسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام بالطائف :
(( أمرني ربي أنا أكون طوع إرادتك ـ لأهل الطائف ، لأنهم آلموه ، وردّوه ، وكذَّبوه ، واستهزءوا به ـ لو شئت لأطبقتُ عليهم الجبلين " ، قال له : " لا يا أخي ، اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون " ..

[ السيرة النبوية ]
إذا وضع طبيب أسنان الآلة في فم الطفل ، والطفل سبّه ، فهل يطرده ؟ .. (( اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون ، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحِّد الله ))
كلما ارتقى إيمانك تترفَّع عن الانتقام نهائياً ، حتى لو أسيء إليك ، تداريه ، لو ارتكب معصية أمامك لا تيأس منه ، الفاسق ضيِّق الأفق إذا رأى عاصياً يسبّه ، أما المؤمن العالي فإنه يحوطه . أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ ؟
الإمام مالك كان ماشياً في الطريق فرأى رجلاً سكّيرا ملقىً على الأرض ، والزَبَدُ على فمه ، ويقول : الله ، فآلمه أن يخرج هذا الاسم العظيم من فمٍ سكران ، فأخذه إلى البيت ، ونظَّفه ، وأكرمه ، وأطلقه ، جاء إلى المسجد صباحاً فرأى رجلاً يصلي ، ويبكي ، ويعبِّر عن شوقه لله عزَّ وجل ، فقال : يا هذا من أنت ؟ سيدنا مالك رأى في المنام ربَّ العزة قال له : " يا مالك طهَّرت فمه من أجلنا فطهرنا قلبه من أجلك " ، فقال له : " من أنت يا رجل ؟ " قال : " إن الذي شفاني أخبرك بحالي " ، الإنسان لا ييأس من شارب خمر ، فهذا قد يتوب ويسبق العابدين ، لأن الصلحة بلمحة ، وقد يرتكب الإنسان معصية ، ويندم ، ويقول : يا رب ، ندمت ، " إذا قال العبد : يا رب ، وهو راكع ، قال الله : لبَّيك يا عبدي ، فإذا قال العبد : يا رب وهو ساجد ، قال : لبيك يا عبدي ، فإذا قال العبد : يا رب وهو عاصٍ قال : لبيك ثم لبيك ثم لبيك " .
فما من شيءٍ أحب إلى الله من شابٍ تائب ، " إذا تاب العبد توبة نصوحاً أنسى الله حافظيه .. الملَكيَن .. والملائكة وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه " ، إذا تاب العبد و "

(( أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ الذُّنُوبِ ))
[ أحمد عن عمرو بن العاص ]
(( أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ ))
[ مسلم عن عمرو بن العاص ]
واللهُ سِتِّير ، قال رجل : " يا رب ، من هذا الذي يعصيك ، وأنت لا تمطرنا .. المطر نزل ، وهذا الإنسان لم يغادر قوم سيدنا موسى .. قال له : " عجبت لك يا موسى أأستره عاصياً وأفضحه تائباً ؟ " .
لما يتوب الإنسان إلى الله انتهى كل شيء ، " إذا تاب العبد توبةً نصوحاً نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنِّئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله " ، وانتهت مشكلته .
الكلمة الحقيقية : هنيئاً هنيئاً لمن تاب توبةً نصوحاً ، وإذا تاب الإنسان يحس أن وزنه قد خف كثيراً ، ينام نوماً عميقاً ، ليس عليه ذنوب ، ولا عليه حقوق ، لو أن الله قبضه في الليل يعلم أن مصيره إلى الجنة .
﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ﴾
سيدنا خالد لو أن الله أراد أن يؤآخذه وهو يحارب النبي عليه الصلاة والسلام ، وأرسل إليه بسهم فمات ، يحارب رسول الله ، فبعد ذلك ؟ بعدها صار سيدنا خالد ، ثم بعد ذلك أصبح سيف الله المسلول .
عكرمة بن أبي جهل أعدى أعداء الإسلام صار سيدنا عكرمة ، عمير بن وهب ، صفوان بن أمية ، صناديد الكفر ، هؤلاء أسلموا وحسن إسلامهم ، واستشهدوا في المعارك ، فلو أن الله سبحانه وتعالى عجَّل إليهم الشر لقضى عليهم ، فلو أن الإنسان آمن لا ينظر باحتقار لغير المؤمن ، لعله يسبقك ، الآن هو متلبس بمعصية ، لكن لعله يتوب ، كن متواضعاً ، أكرِمه ، هذا العاصي أكرمه ، تقرَّب إليه ، لعله يلين قلبه .
قيل : إن بشراً الحافي كان مسرفاً على نفسه كثيراً بالمعاصي ، طرق عليه الباب رجل .. فإذا عنده خمر ونساء وجوارٍ ومشاكل .. فخرج إليه غلام ، قال له : " قل لسيِّدك : إن كان حراً فليفعل ما يشاء ، وإن كان عبداً فما هكذا تصنع العبيد " ، هل العبد هكذا يعصي مولاه ؟ فتبعه حافياً .
مالك بن دينار دخل مرة إلى المسجد ، وكان حوله أناس كثيرين ، فوقفوا له تعظيماً لشأنه ، فاستحيا من الله وقال : أنا كنت قاطع طريق ، وشقياً من الأشقياء ، تزوج ، جاءته فتاة صغير جميلة ، فكانت تخفف من شراسته ، نام مرةً فرأى ثعباناً تنيّناً يتبعه ، وقد انخلع قلبه ، وهو يفرّ من وادٍ إلى جبل ، إلى أن أدركه التعب ، وكاد يقع ، فرأى ابنته الصغيرة في المنام ، فأشارت إلى الثعبان فابتعد الثعبان عنها ، قال لها : " يا بنيتي من أنتِ ؟ " قالت : " أنا عملك الصالح " ، قال : " فمن هذا التنيّن ؟ " قالت : " هذا عملك السيئ " ..
أحياناً الإنسان يحلم بثعبان مخيف ، هذا عمل سيئ .. فاستيقظ وتاب من وقته ، وقبلت توبته ، وصار من كبار العارفين بالله ، فليس للإنسان أن ييأس ، يرى من لا يصلي فيقول : فيعنفه من غير مبالاة ، لماذا ؟ هو مقصر اخدمه ، وتقرب له ، فإذا أنقذت رجلا من المعصية فلك أجر أكبر .
إذاً :
﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾
التذكير السابع : فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ
هؤلاء الكافرون في الجنة ، وفي الآخرة نذرهم أحياء ، يأكلون ويشربون ، ويطغون ، ويعمهون ، فلعلَّهم يهتدون ، إلى أن يهتدي .
( يعمهون )من العمه ، وهو غير العمى ، العمى عمى العين ، أما العمه فعمى القلب ، فلان أعمه بالهاء ، أي قلبه أعمى ..

﴿ فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ(46)﴾
( سورة الحج )
إذاً : من حكمة الله سبحانه وتعالى أنه يعطي المقصِّر والعاصي فرصةً كي يتوب . لا يجوز الدعاء على النفس والولد والمال :
عَنْ أَبِي بَرْزَةَ قَالَ : كَانَتْ رَاحِلَةٌ أَوْ نَاقَةٌ أَوْ بَعِيرٌ عَلَيْهَا مَتَاعٌ لِقَوْمٍ ، فَأَخَذُوا بَيْنَ جَبَلَيْنِ ، وَعَلَيْهَا جَارِيَةٌ ، فَتَضَايَقَ بِهِمْ الطَّرِيقُ ، فَأَبْصَرَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَعَلَتْ تَقُولُ : حَلْ حَلْ ، اللَّهُمَّ الْعَنْهَا ، أَوْ الْعَنْهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( لَا تَصْحَبْنِي نَاقَةٌ أَوْ رَاحِلَةٌ أَوْ بَعِيرٌ عَلَيْهَا أَوْ عَلَيْهِ لَعْنَةٌ مِنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ))
[ أحمد ]
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى خَدَمِكُمْ ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ ، لَا تُوَافِقُوا مِنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَاعَةَ نَيْلٍ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ ))
[ أبو داود ]
الدعوة على الولد لا تجوز ، ولا على المال ، ولا على النفس ، في ساعة الغضب يدعو على نفسه ، لا يجوز ، ولا على أولادك ، ولا على أموالك ، هذا مما نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام . ﴿ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
الخلاصة الختامية :
إذاً : الآيتان :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ(7)أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾
هذا الصنف الأول ..
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾
عرفوا ربهم .. ﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ﴾
إلى الجنة ، وإلى العمل الصالح ، وإلى معرفة الحقائق .. ﴿ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ(9)دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ ﴾
أي إذا دعا الإنسان على نفسه ، أو على أهله ، أو على أولاده ، أو على ماله ، الله عزَ وجل لا يستجيب له ، يعطيه مهله ، النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم قال :
(( إني سألت ربي عزَّ وجل أن لا يستجيب دعاء حبيبٍ على حبيبه ))
[ ورد في الأثر ]
من طلبات النبي الخاصة لله عزَّ وجل أنه إذا دعا إنسان على حبيبه بالهلاك فالله لا يستجيب له ، إذا دعت أم علي ابنها بدعوة ، وقال لها أحدهم : آمين ، فتجدها قد اغتاظت منه ، إذاً : هي لا تعني ما تقول . (( إني سألت ربي عزَّ وجل أن لا يستجيب دعاء حبيبٍ على حبيبه ))
[ ورد في الأثر ]
إذاً : ﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ ﴾
الخير مُعَجَّل أما الشر فمؤجَّل .. فالإنسان الذي ينوي الشر ، ويطلب الشر فلا يحقق ، بل يؤخَّر ، إلى أن يُصِرَّ عليه ، عندئذٍ يكون إخراجه أفضل من كبته ، أما إذا طلب الخير مباشرةً فيهديه الله إلى طريق الخير ، لذلك الآية الكريمة :
﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾
( سورة العنكبوت : آية " 69 )
(( إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا ، وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا ، وَإِذَا أَتَانِي مَشْيًا أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ))
[ البخاري عن أنس ]
(( فَإِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفُ اللَّيْلِ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا جَلَّ وَعَزَّ ، فَقَالَ : هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأُجِيبَهُ ؟ ))
[ من مسند أحمد عن أبي هريرة ]
﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ ﴾
أي تعجيلهم بالخير ، أي أن الله عزَّ وجل إذا سأله العبد خيراً أجابه سريعاً ، فإذا سأله الشر أخَّره إلا أن يصر عليه ، فإذا أصر عليه أخرج هذه الشهوة من نفسه ، ثم حاسبه عليها ، ولو فعل الله ذلك .. ﴿ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾
الحكمة تقتضي : ﴿ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾
الآية التي تدعمها : ﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى(129)﴾
( سورة طه )
الله عزَّ وجل سبقت منه كلمة أن يعيش الإنسان في هذه الدنيا عمراً محدوداً لا يقلّ ، وسبقت منه كلمة أن تكون الحياة الدنيا تجسيداً لنيات الإنسان ، ولولا هاتان الكلمتان .. ﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا ﴾
لكان إهلاكهم . ﴿ وَأَجَلٌ مُسَمًّى(129)﴾
إن الله سبحانه وتعالى سبقت منه كلمةٌ أن تكون الدنيا تجسيداً لنفس الإنسان ، والأجل المسمى ، لولا هاتان الكلمتان لأهلك الله العصاة ، فالإنسان لا يتدخل في شؤون الله عزَّ وجل ، وإذا كان له صديق فاجرٌ فلا يقل : ألا يقصمه الله ؟ ألا يهلكه ؟ هذا تدخل بشؤون الله عزَّ وجل ، " رحم الله عبداً عرف حده فوقف عنده " .
إن هذا الأمر ليس لك ، فهو له سبحانه ، وهو إله حكيم عليم ، وليس كلما رأيت عاصياً تقول : لماذا لا يهلكه الله ؟ لماذا تركه حياً إلى الآن ؟ أنت ألم تكن جاهلاً سابقاً ، لو أن الله أهلك الإنسان بجهله لكان مصيره لجهنم ، الله حلم عليك ، واهتديت ، وعرفته ، واستقمت ، والآن يحلم على غيرك ، هكذا الأصول ، فالإنسان لا يطلب تعجيل العقاب للأشرار ، لله حكمةٌ بالغة في مدّهم بالحياة .


 

رد مع اقتباس
قديم 10-14-2011, 12:02 PM   #5
كبار الشخصيات


الصورة الرمزية العفريني
العفريني غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Nov 2010
 أخر زيارة : 02-28-2014 (05:05 PM)
 المشاركات : 7,969 [ + ]
 التقييم :  154
 الجنس ~
Male
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Brown
افتراضي رد: التفسير المطول - سورة يونس لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي



﴿ وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾
وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً
1 ـ كلمة ( الإنسان )في القرآن الكريم :
أما كلمة الإنسان تتكرَّر كثيراً ..
﴿ فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي(15)﴾
( سورة الفجر )
﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا(83)﴾
( سورة الإسراء )
﴿ فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ(5)﴾
( سورة الطارق )
﴿ إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ(34)﴾
( سورة إبراهيم )
قال بعض المفسِّرين : " حيثما وردت كلمة الإنسان مُعَرَّفةً بأل فإنها تعني هذا الإنسان المُعْرِض ، هذا الإنسان الغافل ، أما الإنسان إذا عرف الله صار اسمه مؤمناً .. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾
(سورة التحريم : من الآية 8 )
﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ﴾
( سورة غافر : من الآية 28)
﴿ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾
( سورة الحديد : من الآية 12)
تبدَّل اسمه ، إذا كان ساهياً ، لاهياً ، ضائعاً ، تائهاً ، شارداً فهو إنسان ، أما إذا عرف الله صار مؤمناً ، فربنا عزَّ وجل يعطينا نموذجاً من الإنسان المُعرِض .. ﴿ وَإِذَا مَسَّ ﴾
2 ـ وَإِذَا مَسَّ :
انظر إلى كلمة مَسَّ ، أحياناً تمسَّ التيَّار الكهربائي في ثوانٍ تقفز من على الأرض ، فكيف لو وُضِعَت اليدُ على تيارٍ عالٍ ؟ يتفحَّم على الفور ..
﴿ وَإِذَا مَسَّ ﴾
فربنا عزَّ وجل حكيم ، يمسُّ الناس بالضُر مسًّا ؛ آلام ، مغص ، نوبة رمل ، يصيح ويستريح ، تأتي نوبات ، أحياناً تأتي حالات ضيق ، كل المصائب التي يُصاب بها الإنسان تحت قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا مَسَّ ﴾
ومن معاني مسَّ فيها لطف ، وفيها تقدير دقيق ، وفيها عناية بالغة ، لو رفعنا التيَّار يتفحَّم الإنسان ، لكننا نحن يجب أن نكهربه من دون أن يتفحَّم ، نعطيه مسَّاً خفيف .. ﴿ وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ ﴾
3 ـ وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً
قالوا : " هذه اللام بمعنى على " ، أي دعانا على جنبه ، وهو مضطجع يقول : يا رب ..
﴿ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً ﴾
أي أنه دعانا في كل أحواله ، مضَّجعاً أو قاعداً أو قائماً كقوله تعالى : ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الأَلْبَابِ(190)الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ﴾
( سورة آل عمران )
معنى قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم أي في الأحوال كلِّها ، أما هذا الإنسان المُعْرِض ، الشارد، التائه ، الغافل ، الضائع . ﴿ وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً ﴾
كلُّ إنسان يعرف ربَّه في الشدة ، والعاقل يعرفه في الرخاء :
الآن عرفتني يا عبدي ؟ فرعون عرف الله عزَّ وجل حينما أصابه الغرق ، قال :
﴿ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ(90)أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾
( سورة يونس : آية 90 ـ 91)
حينما كنتَ شابَّاً ، حينما كنت غنياً ، حينما كنت قوياً ، حينما كنت تقفز على الأرض قفزاً نسيتنا ، غفلت عن ذكرنا ، لم تبال بكتابنا ، حينما جاء المرض ، حينما جاء العجز ، حينما ألمَّت بك المصيبة قلت : يا رب ، لا بأس ادعني ، ولكن ليتك دعوتني حينما كنت في بحبوحة ، ليتك دعوتني حينما كنت صحيحاً ، ليتك دعوتني حينما كنت قويَّاً ، ليتك دعوتني حينما كنت غنياً ، ليتك دعوتني حينما كنت في الرخاء ، وفي الحديث عن ابن عباس : (( تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ ))
[ أحمد ]
لكنك إذا دعوت الله في الشدَّة دعاء المُضطر لا دعاء العارف ، دعاء الذي تحت وطأة السيف لا الذي تحت وطأة العقل ، العقل يقول لك : اعرف الله في الرخاء ، لذلك النبي الكريم قال (( اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ : شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ ، وَصِحَتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ ))
[ الحاكم عن ابن عباس ]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا : هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا ؟ أَوْ غِنًى مُطْغِيًا ؟ أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا ؟ أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا ؟ أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا ؟ أَوْ الدَّجَّالَ ؟ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ ، أَوْ السَّاعَةَ ؟ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))
[ سنن الترمذي]
أي إلى أن عُطِبَ الجسد تقول : يا رب ، كنت مستعلياً على الناس، كنت لا تنظر إلى أحدٍ دونك ، حينما جاءت الأزمة القلبيَّة صار إلى تواضع ، أخي ادعُ لنا ، أستاذ ادعُ لنا ، الآن تقول : ادعُ لنا ؟! كيف كانت حالك قبل أن تُصاب بهذا المرض ؟ .. ﴿ وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ ﴾
طائرة تطير دخلت في عاصفة مكهربة فاضطربت ، وكادت تسقط ، وهبطت ، وجنحت ، لم يبق في الطائرة واحدٌ إلا ويقول : يا الله ، فلمَّا هبطت على الأرض عُرِفَ أن هذه الطائرة تحمل أناساً لا يؤمنون بالله إطلاقاً ، لكن مسَّهم الضر فدعوا الله مخلصين له .. ﴿ وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ ﴾
أي أن البطولة وأنت في الرخاء ، حيث الصحَّة طيّبة ، الزوجة ممتازة ، الأولاد أبرار ، الدخل وفير ، المكانة جيدة ، وأنت في قمَّتك ، وأنت في قمَّة مجدك ، وأنت في الوظيفة وليس بعد التقاعد ، يجب أن تكون متواضعاً وأنت على رأس عملك ، والناس أمامك ينتظرون .. ﴿ وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً ﴾
الإنسان بالمال يستعلي ، وبالقوَّة يستعلي ، وإذا كانت له وظيفة يستعلي بها ، وإذا كان مقتدراً يستعلي ، وإذا كان معه شهادة عالية والناس بحاجة له يستعلي ، ولا يكلِّم أحداً ، لكن إذا جاءت المصيبة فإنه يتواضع ، ليتك تواضعت قبل المصيبة ، ليتك عرفت الله وأنت في الرخاء ، ليتك عرفت الله وأنت في بحبوحة ، ليتك عرفت الله وأنت قويٌّ نشيط ، لكن متى ؟! بعد فوات الأوان ! بعد أن ضيَّعت ما ضيَّعت ! .. ﴿ وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً ﴾
لكن ربنا عزَّ وجل لإلحاحه بالدعاء ، يا رب ، يا رب ، يا رب ، ما لي سواك ، أنقذني قال : ﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ ﴾
فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ
1 ـ إذا زال الضر عادت حليمة إلى عادتها القديمة :
هذه الأزمة زالت ، هذا المرض انحسر ، هذا القلق تبدَّد ، هذا الخوف تلاشى ..
﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ ﴾
يقول لك : والله هذا الطبيب مستواه عالٍ ، فلان ذهبت إليه وقلت له : أنا قريبك ، تدخَّل وخلَّصني ، أين الله عزَّ وجل ؟ لا يوجد الله عزَّ وجل . ﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ ﴾
2 ـ البلاغة في كلمة ( مَرَّ ):
أما كلمة ( مرَّ ) ففيها بلاغة رائعة ، سيل عارم مندفع وضعت أمامه حاجز ، فلمَّا أزلت الحاجز مرَّ وتابع اندفاعه ، أي أن الإنسان أحياناً تتعقَّد معاملته ، فيأتي إنسان ، ويأخذها منه ، ويوقِّعها من فلان ، وفلان ، وفلان ، ويقول له : تفضَّل ، جاء هذا الإنسان مسك هذه المعاملة نظر وذهب ، قال له : شكراً ، فهذا الذي وقف ، وعاونك ساعة ، وتجاوز الدور ، وكانت المعاملة تحتاج إلى خمسة أيَّام ، وفيها تعقيدات ، وقد يوافقون أو لا يوافقون ، أخذها بنفسه ، ومشَّاها لك ، وناولك إياها ، نظرت فيها فهي مع الموافقة ، التوقيع بالأخضر ، ومشيت من فورك ، أين يا أخانا ؟ مرَّ ، ومرَق ، كما قال عليه الصلاة والسلام :
(( يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ ))
[ متفق عليه عن أبي سعيد الخدري ]
أي أنه يمر .. ﴿ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ ﴾
قل : يا رب لك الحمد ، يا رب لك الشكر ، هذا توفيقك ، هذه عنايتك ، هذا فضلك ، هكذا يقول الإنسان ، منتهى اللؤم ، منتهى الجحود ، منتهى الكفر ، ابنه حرارته واحد وأربعين فحصه الطبيب فقال له : عنده التهاب سحايا ، إنه على وشك الموت ، يا رب ليلاً ونهاراً ، وبعد هذا الحرارة انحسرت والله عزَّ وجل عافاه له ، اسجد سجود الشكر لله عزَّ وجل ، قل له : يا ربي لك الحمد والشكر والنعمة والرضا ، هذا فضلك يا رب ، لا إنه مرَّ شيء مادي وقف في طريقه ثم فتحت له المجال فاندفع ، من دون إحساس ، من دون قِيَم ، من دون شعور ، من دون اعتبارات ..
﴿ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ ﴾
هذا نموذج اللئيم ، إذا وقع تحت الشدَّة قال : يا رب ، فإذا انحسرت الشدَّة نسي الله عزَّ وجل ، ونسي أنه دعاه ، ونسي أنه تذلَّل له ، ونسي التضرٌُّع ، لكنه رأى ما عنده من إنجاز.. ﴿ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾
مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
1 ـ كان النبي عليه الصلاة والسلام يعظِّك النعمة مهما دقَّت :
النبي اللهمَّ صل عليه كانت تعظم عنده النعمة مهما دَقَّت ، لو شرب كأس الماء ، تعظُم عنده النعمة مهما دقَّت ، حينما دخل مكَّة فاتحاً دخلها مطأطئ الرأس تواضعاً لله عزَّ وجل ، هكذا الإنسان ، النبي عليه الصلاة والسلام قدوةٌ لنا ..
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾
( سورة الأحزاب : من الآية 21 )
إنسان لبس ثياباً جديدة ، دخل إلى بيته ، يقول : الحمد لله الذي آواني ، وكم ممن لا مأوى له ، وإذا أكل طعاماً يحبُّه قال : الحمد لله الذي أطعمني وأسقاني ، وإذا وجد أن له زوجة في البيت ، وله أولاد ، بيته نظيف ، له دخل يقول : يا رب لك الحمد .. " الحمد على النعمة أمانٌ من زوالها ".. الحد الأدنى في الشكر أن تعرف أن هذه النعمة من الله ، والحد الأعلى أن تُقابِل على النعمة بخدمة العباد .. ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ(13)﴾
( سورة سبأ )
لكن أنا لا أتصوَّر إنساناً يشكر الله على نعمه ، على حواسِّه الخمس ، على عقله ، على زوجته ، وعندما يتزوَّج الإنسان ..
شُرَيْح القاضي لقيه صديقه قال له : " يا شُرَيح ، كيف حالك في بيتك ؟ " قال له : "والله يا فلان .. اسمه الشَعْبي .. والله منذ عشرين عاماً لم أجد ما ينغِّص حياتي أو يعكِّر صفائي " ، قال له : " وكيف ذلك ؟ " قال له : " خطبت امرأةً من أسرةً صالحة ، فلمَّا دخلت بها وجدت كمالاً وصلاحاً ، أي أنه وجد عقلاً وأدباً وجمالاً ، فقمت وصَلِّيت ركعتين شكراً لله على نعمة الزوجة الصالحة ".. وفي بحث الصلاة في الفقه صلاة الشكر ، إنسان اشترى بيتاً ، يدخل إلى بيته الذي هو ساكن فيه ، أول عمليَّة يتوضَّأ ، ويصلي ركعتي الشكر ، نجح في شهادته الجامعيَّة ، أول عمليَّة صلاة الشكر ، تزوَّج ، اشترى محلاً ، صفقة باعها ، وربح فيها ، صلاة الشكر مشروعة ، ربنا عزَّ وجل قال في الحديث القدسي :
(( إني والإنس والجنُّ في نبأٍ عظيم ، أخلق ويُعْبَد غيري ! وأرزق ويُشكَر سواي ! خيري إلى العباد نازل ، وشرُّهم إليَّ صاعد ! أتحبَّب إليهم بنعمي ، وأنا الغني عنهم ، ويتبغَّضون إليَّ بالمعاصي ، وهم أفقر شيءٍ إليَّ ، من أقبل عليَّ منهم تلقَّيته من بعيد ، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب ))
[ ورد في الأثر ]
هكذا مرَّ ، الصحَّة طيّبة ، والأكل في البيت من كل الأنواع ، لست محروماً من شيء ، نعمة الزوجة موفورة ، نعمة السكن موفورة ، الماء فُرات ، فلا ينقصك شيء .. ﴿ مَرّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ ﴾
شعرت بوضع غير طبيعي فأجريت فحصا فوجدت أنك سليم ، يا رب لك الحمد ، كان الاحتمال ورما خبيثا فظهر أنه ورم عادي .. ﴿ مَرّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ ﴾
اللئيم لا يشكر أحدا :
أهكذا المؤمن ؟ هذا حال الإنسان العادي ، هذا حال الإنسان الكافر، هذا حال الإنسان الجاهل ، المُعْرِض ، المُقَصِّر ، اللئيم ، سيدنا علي قال : " والله والله ، مرَّتين ، لحفر بئرين بإبرتين ، وكنس أرض الحجاز في يومٍ عاصفٍ بريشتين ، ونقل بحرين زاخرين بمنخلين ، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين أهون عليَّ من طلبِ حاجةٍ من لئيمٍ لوفاء دين " ..
أُعلِّمه الرماية كل يومٍ فلمَّا اشتدَّ ساعده رماني
وكم علَّمته نَظْمَ القوافي فلمَّا قال قافيةً هجاني
* * *

هكذا !! تسمع أحياناً أن صانعاً كان عند معلِّمه ، فتح محلاً فتجده فيتكلَّم عليه ، إنه علَّمك المصلحة ، وأكرمك ، ودلَّلك ، وعندما صار معك إمكانيَّات لتفتح محلل لك تقول : هذا معلمي غشَّاش لا تذهبوا إليه ، هكذا اللؤم ؟! والله اللؤم في الأرض الآن كأنه طوفان ، من علامات قيام السَّاعة أن يكون المطر قيظاً ، والولد غيظاً ، ويفيض اللئام فيضاً ، ويغيض الكرام غيضاً ، أول أنواع اللؤم مع الله عزَّ وجل .. ﴿ مَرّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ ﴾
كنت تولول قبل ساعة ، ظهر بالتحليل أنه لا يوجد شيء ، يالله سوف أعمل سهرة اليوم، أي سهرة هذه ؟ كان المصير أسود ، أين السهرة اليوم ؟ .. ﴿ مَرّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ ﴾
ربنا عزَّ وجل قال : ﴿ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾
قليل من يفي بعهد الله :
والله هناك آية قرآنيَّة يقشعر لها البدن ، الله قال :
﴿ وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ ﴾
( سورة الأعراف : من الآية 102 )
يذهب إلى الحج يعاهد ربَّه عند الحجر الأسود ، يا رب لا أُعصيك أبداً ، فيأتي بعد سبعة أيَّام يعصيه ، يا أخي معوَّد ، وقد قال لي أحدهم : تبنا يا أخي ، كنَّا نشرب الخمر فتبنا ، ذهبنا إلى الحج ، وعاهدنا الله ، جلس مع رفاقه فقالوا له : اشرب ، فقال لهم : لا أنا معاهد ، فقالوا له : خذ منا ثمن الحِجة واشرب ، فقال : والله شربت فماذا أفعل ؟ ﴿ وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ(102)﴾
فاسق ..
﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ ﴾
معاني الحروف المقطّعة :
1 ـ الإهلاك بسبب الظلم :
انظر إلى دقَّة القرآن الكريم ، لا يوجد هلاك بلا سبب ، أخي الطبقة الأرضيَّة هشَّة ، على مقياس رختر كانت الدرجة ثماني فتهدَّمت المكسيك ، ما هذا ؟ الموضوع على رختر فقط ، أم هي إهلاك من الله عزَّ وجل ؟ هي إهلاك من الله ، ومن السُخف أن تفسِّر هذه الظواهر الخطيرة في العالَم تفسير أرضي ، مع أن التفسير الأرضي مقبول إذا جمعته مع التفسير الإلهي ..
﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112)﴾
( سورة النحل )
2 ـ الإهلاك بسبب الظلم لا ينافي التفسير العلمي :
يمكن أن تفسِّر أنه عندما أراد ربنا عزَّ وجل إهلاك قرية فاسقة ، فاجرة ، تتاجر بالأفيون ، توزِّع الأفيون لجميع أنحاء العالَم كان يمكن أن تفسِّرها أنها إهلاك من الله عزَّ وجل عن طريق هزَّة أرضيَّة ، قد تجمع التفسير الإلهي مع التفسير العلمي ، والتفسير الإلهي والتفسير العلمي لا يتناقضان إنما يتكاملان ، أما أن تقول : فقط هزَّة أرضيَّة على مقياس رختر فقط ، معنى هذا : " من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظةً فمصيبته في نفسه أكبر " أصبحت نفسه هي المصيبة ..
﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ ﴾
لما ظلموا .. ما دام يوجد ظلم فهناك هلاك ، لذلك حينما يعمُّ الفساد في آخر الزمان .. ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾
( سورة الروم : من الآية 41)
قال الله عزَّ وجل : ﴿ وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا(58)﴾
( سورة الإسراء )
الهلاك نوعان :
لكن العلماء قالوا : " الهلاك نوعان ؛ هلاكٌ مُبرَم وهلاكٌ بطئ " ، أي ضُعف الموارد ، شُحُّ السماء ، قلَّة النبات ، ازدياد الحاجات ، قلَّة الدخل ، الضغط الاجتماعي ، هذا أحد أنواع الهلاك ، هذا يسمونه موتا بطيئا ، إما موت بضربة قاصمة أو موت بطيء ، فالهلاك هلاكان ، عندما يجد الإنسان أن ليس معه مال ، أموره ليست بيده ، الله عزَّ وجل قال :
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ﴾
( سورة النور : من الآية 55 )
أي أنه إذا لم يستخلفنا الله في الأرض ، بل استخلف أعداءنا ، ولم يمكِّن لنا ديننا الذي ارتضى لنا ، ولم يبدِّلنا من بعد خوفٍ أمناً فهذا أحد أنواع الهلاك ، لكن ليس هلاك قاصم ، بل إنه هلاك ببطء ، لكن السبب : ﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾
العبادة لم تحصل ، فلمَّا أخلَّ العباد بما عليهم فالله سبحانه وتعالى في حلٍّ من وعده .. ﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ ﴾
﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا(59)﴾
( سورة مريم )
﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ ﴾
العلماء وقفوا عند هذه الآية ، لماذا .. ﴿ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ ﴾
وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ
1 ـ انتبه إلى قوله : وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ
لأن نفي الإيمان شيء ، ونفي الإمكانيَّة شيءٌ آخر ، مثلاً تقول : فلان لم يسرق ، إنك نفيت عنه حدث السرقة ، لكن تقول : فلان ما كان له أن يسرق ، إنك نفيت عنه إمكانيَّة السرقة ، ورغبة السرقة ، واستعداده للسرقة ، نفيت عنه كل ما يتصل بالسرقة ، هذا يسمُّونه النفي المُبالَغ ، ما كان لي أن أفعل ، ما فعلت شيئاً ، أنا ما أفطرت ، والله أنا صائم يا أخي ولم أفطر ، لكن ما كان لي أن أفطر ، أي مستحيل ، شيء لا يخطر في بالي إطلاقاً ، لا يوجد عندي استعداد أن أفطر ، ولا توجد عندي نيَّة لأفطر ، ولا توجد عندي إمكانيَّة لأن أفطر ، ولا أرضى أن أفطر ، مهما دعوتني فلا أفطر ، ما كان لي أن أفطر ، هذه( ما كان )تفيد نفي الإرادة ، ونفي الإرادة أبلغ من نفي الحدث ، فلان ما كان له أن يسرق أي مستحيل ، لكن لم يسرق أي قد يكون عنده إمكانية لأن يسرق ، ولكن ما سرق ، لكن ما كان له أن يسرق أي مستحيل ، ربنا عزَّ وجل قال :
﴿ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ ﴾
2 ـ لماذا جعل ربنا سبحانه وتعالى إيمانهم مستحيلاً ؟
لماذا جعل ربنا سبحانه وتعالى إيمانهم مستحيلاً ؟ إذا كان هدف إنسانٍ أن يصل إلى حَلَب ، فمشى باتجاه درعا ، فماذا تقول ؟ تقول : ما كان له أن يصل ، إذا كان ذاهباً إلى حلب ، ووقف في حمص ، ولم يُكمِل تقول : لم يصِل بعدُ ، أما إذا كان ماشياً بعكس الاتجاه فتقول : ما كان له أن يصل ، كلَّما مشى بعد عن هدفه ، فعندما يمشي الإنسان في طريق الدنيا ، ويتوغَّل فيها ، ويقع في الظلم والبغي والعدوان ، والدنيا أكبر همِّه ، وينغمس في شهواته ، لا نقول : هذا لا يؤمن بل نقول : هذا ما كان له أن يؤمن بهذا المعنى ، فالطالب الذي لم يداوم إطلاقاً هل تقول : لم ينجح ؟ لا إنك تقول : ما كان له أن ينجح ، أما إذا داوم ولم يجتهد تقول : لم ينجح ، أما إذا لم يداوم ولا يوماً ، ولا فتح كتاباً ، ولا اشترى كتباً تقول : لم ينجح ؟ إنك تقول : ما كان له أن ينجح ، ربنا عزَّ وجل قال :
﴿ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ ﴾
لكن لماذا أهلكهم الله عزَّ وجل ؟ لأنهم ما كانوا ليؤمنوا ، ربنا عزَّ وجل ما دام لهم أمل في الإيمان فلا يوجد هلاك ، ما دام هناك بقيَّة أمل فلا هلاك ، إلى أن يسير الرجل في طريقٍ معاكسٍ للإيمان بزاوية مائة وثمانين درجة ، أي نصف دائرة .. فهو هكذا ، والإيمان هكذا في اتجاه آخر .. عندئذٍ يستحقُّ الهلاك ، لأنه .. ﴿ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ ﴾
الهلاك أمر من الله عزَّ وجل مدروس ، فليس هناك هلاك عشوائي ، أو هلاك من دون مبرِّر، أهلكهم الله عزَّ وجل لأنهم : ﴿ ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ ﴾
جاءتهم الرسل أعرضوا عنهم ، تجاوزا الحدود ، غرقوا في الدنيا ، وقعوا في الظلم فأهلكهم الله عزَّ وجل ، كلام ربنا عزَّ وجل دقيق .. ﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ﴾
كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ
1 ـ القانون المطّرد بوجود سببِه : كَذَلِكَ نَجْزِي
كلمة( كذلك )خذها قانونا ..
﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾
قال : ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(14)﴾
( سورة القصص )
هذا قانون ، تعريف القانون في العلم : علاقةٌ ثابتة بين متحوِّلين ، أي أنك عندما تُحسن يؤتيك الله العلم والحكمة ..
" من أخلص لله أربعين صباحاً تفجَّرت ينابيع الحكمة في قلبه وأجراها الله على لسانه " .
قانون :
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ ﴾
القصَّة انتهت ، القانون :
﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88)﴾
( سورة الأنبياء )
كن مؤمناً ، واستحقَّ النجاة في كل عصر ، في كل عصر كن مؤمناً تستحقَّ على إيمانك أن تنجو من كل شيءٍ تخافه .
قانون :
﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ﴾
﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ ﴾
وقبل ظلمهم ..
﴿ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ﴾
فكذَّبوا بها .. ﴿ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ﴾
2 ـ كلُّ قومٍ أهلكهم الله لا جدوى منهم :
إذاً كلَّما رأيت قوماً أهلكهم الله عزَّ وجل تأكَّد أنهم لا جدوى منهم ، لا أمل منهم ، لو كان فيهم بقيَّة أملٍ في هدايتهم لما أهلكهم الله عزَّ وجل ، قال عليه الصلاة والسلام :
(( وَلَا يَهْلِكُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا هَالِكٌ ))
[ مسلم عن ابن عباس ]
لا يهلك إلا من هلكت نفسه ، وبعدت عن الحق .. ولا يهلك إلا من شرد على الله شرود البعير ، ابتعد وغاص كثيراً في ضلال مبين .
الخمر مثلاً تُذهِب العقل ، وتحطُّ المكانة ، وتُضعف المَلَكَات ، وتُثَبِّط الهمم ، فمن شربها فهو في ضلالٍ مبين ، وفي ضلال بعيد ، الضلال البعيد ؛ واحد ماشي في طريق باتجاه حمص مثلاً ، وجد مفرقاً فمشى فيه ، بعد ما مشى مائتي كيلو متر إذا به بطريق تَدمُر ، وهو يريد حمص ، هذا اسمه ضلال بعيد ، أي أنه ابتعد كثيراً ، لو مشى عشرة كيلو مترات ورجع فهذا ضلال قريب ، فهناك ضلال مبين ، وضلال بعيد ، أحياناً الإنسان يبعد كثيرا ، يعتقد اعتقادات فظيعة ، أنه لا توجد غير الحياة الدنيا ، هذا ضلاله بعيد ، هذه هي الدنيا فهي كل شيء ، من كان فيها غنياً فهو في جنَّة ، ومن كان فيها فقيراً فهو في جهنَّم ، وليس بعد الدنيا شيء ، هذا في ضلال بعيد ، ويوجد ضلال مبين ، فمن كان مجرماً استحقُّ الهلاك..
﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾
ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ
1 ـ لا تعيِّر غيرَك بما فيك :
يكون في المحل ابن يعمل عند أبيه ، وليس راضياً عن أبيه ، يقول لك : بيعه صعب ، أنا أحب أن أبيع بسهولة ، أبي كذا ، أبي كذا ، يتوفَّى الأب ، ويأخذ الابن المحل مكان أبيه ، فيأكل مالا حراما ، ويغش ، كل الذي تنتقد فيه أباك وقعت فيه ، بل في أشدَّ منه ، والله عزَّ وجل يمتحن الإنسان ، فقد يكون موظَّفا في دائرة فينتقد الأعلى منه ، أُزيح فوضعوه مكانه ، فتجده كذلك أغلق بابه عن المراجعين ، كيف كان ينتقده من قبل ، وقع في نفس المرض ، ربنا عزَّ وجل قال : ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾
الإنسان لا ينتقد ، وإذا انتقد ينتبه ، فإن عيون الناس مفتَّحة ، فإذا وقع فيما انتقد غيره فقد وقع في أبشع شيءٍ ، وهو التناقض ، فأبشع صفة في العقل التناقض ، أي أن تقول شيئاً وتفعل عكسه ، أن تقيس الناس بمقياسين : مقياس تقيس به نفسك ، ومقياس تقيس به الآخرين ، هذا تناقض ، هذا تفريق ، هذا خطأ ، وخلل فكري .. ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾
2 ـ الاستخلاف في الأرض سنة الله :
وهكذا ، الآن انظر ترى السوق مشهوراً في الشام ، أما بعد ستين سنة كل هذا الطقم يتغيَّر ، إما أن يتسلَّم المحل ، أو أن يُباع ، أو يأتي الابن مكان أبيه ، تجد وجوهاً جديدة ، ستين سنة أخرى تجد طقماً جديداً ، هذا على مستوى المحلَّات ، أما على مستوى البيوت ؛ هذا البيت يتوفَّى الأب ، فيُباع أو يسكن فيه ابنه ، وُجد وجه جديد ، ومعاملة جديدة ، فربنا عزَّ وجل جعلنا خلائف في الأرض ، الإنسان يخلف أباه ، يخلف شريكه ، يخلف موظَّفا في دائرته ..
﴿ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾
3 ـ الاستخلاف في الأرض تحت المراقبة الإلهية :
أنت تحت المراقبة ، عندما يراقب الإنسانُ إنساناً آخر يربكه ، فكيف وأن الله سبحانه وتعالى يراقبنا جميعاً ؟!
﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1)﴾
( سورة النساء )
حال المراقبة قاله الصوفيّون ، الإنسان دائماً شايف الله ناظر إليه.. اعبد الله كأنَّك تراه فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك ..
اغتسل أحدهم عُريانا عند النبي عليه الصلاة والسلام ، فقال له :
(( خذ أجارتك لا حاجة لنا بك إني أراك لا تستحي من الله ))
[ ورد في الأثر ]
حالة المؤمن أنه تحت المراقبة ، مراقبة إلهيَّة ، مراقبة رحيمة ، مراقبة خَيَّرة ، مراقبة فيها لطف ليس فيها إزعاج .. ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1)﴾
في أثناء البيع ، تقول : الله وكيلك ليس فيها ربح ، الله على رأسك ، هل صحيح أنك لم تربح ؟ تحاكي نفسك بالمائة مائة وأنت رابح ، الله وأذَّن المؤذِّن فتقول : أخي نريد أن نلحق بالصلاة ، أيّ صلاة هذه ؟ حلفت بالله أنه ليس فيها ربح وأنت رابح ، هكذا دين الناس الآن ، يقول لك : كل شيء لحاله ، ولم يعلم أن كل شيء محاسب عنه ..
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93)﴾
( سورة الحجر )
إذاً : ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ{14} وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ ﴾
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ
1 ـ انظرْ كيف يرد الناس القرآن ؟
لم يعجبه القرآن ، منع الربا لم يعجبه ، يقول لك : هذا الربا ، مال تضعه من دون فائدة ، مجنون أنا فأضعه من غير فائدة ؟ غيري يستفيد منه ، ولا أنا أستفيد منه ، هذه الآية يا أخي ليست لهذا الزمن ، بعد هذا الله قال :
﴿ لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ﴾
( سورة آل عمران : من الآية 130 )
انتبه يا أخي النهي ليس عن خمسة بالمائة، النهي عن خمسة وعشرين بالمائة ، هكذا الله قال .. ﴿ لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ﴾
لم تعجبه هذه الآية ، وآية غض البصر لم تعجبه كذلك ، أين أذهب بعيوني يا أخي ؟ أنا شغلي كلَّه مع موظَّفات ، ماذا حصل إذا نظر إليها ، هذه بدّلها لنا يا أخي .. ﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ ﴾
هذا فيه تضييق كبير ، ثقيل . ﴿ أَوْ بَدِّلْهُ ﴾
2 ـ انظرْ كيف وصل الناس إلى المطالبة بتبديل ما في القرآن ؟
أو تعديلات طفيفة ، أي ألغِ لنا آية النظر ، ألغِ لنا آية الربا ، ألغِ لنا آية الاختلاط ، هكذا يكون في مرونة ، يقول لك : هذا شيخ عصري ، مرن ، لا يعقّدها كثيراً على التلاميذ ، فقط قلبك يكون مع الله يا ابني افعل ما شئت ..
﴿ ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي ﴾
لماذا لا تجامل في أمور الدنيا وتجامل في أحكام الله ؟
إذا كنت مهندساً ، وجاءك شخص ، وقال لك أريد مخططاً ، عملت له المخطط ، قال لك : هذا الحديد اثنا عشر ميليمترا هل يستبدل بثمانية مليمترات فقط للسواري ؟ والله لا يجوز ذلك يا أخي ، هنا لا مجاملة ، عوض عن الستة أكياس يمكن أن نضع أربعة ، هنا لا مجاملة ، هذا بناء بثمانية طوابق ، تضع أربعة أكياس يقع البناء ، المهندس مسؤول ، تضع عوضاً عن اثني عشر ميليمترا ثمانية مليمترات يقع البناء ، هنا لا مجاملة ، لأنه توجد قوانين ، هذا البناء مبني على علم ، السنتيمتر مربَّع يتحمَّل مائتي كيلو ، إذا كان هناك أربعة أكياس بدل ستة لا يتحمَّل مائة وخمسين كيلوا ، كلَّه حسابات ، هل توجد مجاملة بالموضوع ؟ لا مجاملة .. ﴿ ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ ﴾
فهذه نفس بشرية ، فإذا سمحنا لها بالاختلاط تعلَّقت بالنساء ، أي صلاة بقيت هذه ؟ انقطعت عن الله عزَّ وجل ، إذا سمحنا لها بالربا وقعت في الحرام ، أصبحت خجولة ، أي أن القضية ليس معها لعبة ، محطَّة وقود مكتوب عليها : ممنوع التدخين ، لا تعقِّدوها كثيرا ، غير معقول ، هذا تعقيد ، التدخين يُذْهِب بالكازيَّة كلها يفجرها ، هذا إعلان مصيري ، وليست قضيَّة سهلة ، فكل شيء الله عزَّ وجل نهى عنه أو أمر فيه ليس فيه مجاملة ، ولا حل وسط ، ولا بالمائة ثلاثين ، هذا دين .. (( ابن عمر دينك دينك ـ أي الزم دينك ـ إنه لحمك ودمك ، خذ عن الذين استقاموا ، ولا تأخذ عن الذين مالوا ))
[ ورد في الأثر ]
كل إنسان يتساهل معك فاعلم أنه لا يفهم شيئاً .. فلو أن إنساناً يريد أن ينشئ معمل غسَّالات ضخماً ، وجد أن موضوع تنشيف الآلة صعب ، قال : هذه سوف أُلغيها ، بدونها أحسن ، ماشي الحال ينشفوا الملابس بأيديهم ، عصر الغسيل كذلك صعب فألغاه ، تسخين الماء صعب فألغى التسخين ، الآن دورانها صعب ألغى الدوران ، هذه أصبحت وعاء غسيل وليست بغسَّالة .. كلَّما ألغيت صعوبة صرت بعد ذلك بلا شيء ، لذلك الدين ليس فيه لعب ، مثل اللعبة مثلاً ، شروط اللعب إذا ألغيتها وقلت : ليس بشرط أن تأتي الكرة في السلَّة ، لم تعد هناك بطولة ، لو جاءت نحوها تعتبر ، هذا لم يعد لعباً ، إذا لم توجد شروط صعبة دقيقة لم تعد هنا بطولة ، فكلَّما ألغيت شيئاً من الدين تهدِّم الدين . (( الصلاة عماد الدين ، من أقامها فقد أقام الدين ، ومن هدمها فقد هدم الدين ))
[ ورد في الأثر ]
أخي أنا قلبي نظيف لا أنوي لأحد شراً ولكن لا أصلي ، لا ينفع هذا لأن (( الصلاة عماد الدين ، من أقامها فقد أقام الدين ، ومن هدمها فقد هدم الدين ))
لذلك : ﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ ﴾
هناك معنى دقيق هو : أن القرآن من عندك إذاً دبِّره ، كأنَّهم يظنَّون أو يتهمون النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا القرآن من عنده لذلك بدِّله لنا، غيّره أو عدّله ، هذه الآية احذفها لنا .. ﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي ﴾
قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي
أنا رسول ، أنا مبلِّغ .
إذا صدر مرسوم من رئيس الوزراء ، وأتى موظَّف من الدائرة يبلغك فتقول له : يا أخي احذف لي هذه المادَّة ، ما الذي أدخلني أنا في الموضوع ؟ أنا مبلِّغ فقط ، تقول لواحد يبلغك مرسوما : احذف لي هذه المادَّة ؟ عدِّلها لي ، هذا بيد رئيس الوزراء ، وليس بيد موظَّف بسيط..

﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾
إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
1 ـ الخوف يتناسب مع الإدراك :
إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام وهو ما هو من الرفعة والعظمة يخاف إن عصى ربَّه عذاب يومٍ عظيم ، فما بال عامَّة الناس ؟! لذلك الخوف يتناسب مع الإدراك ، فإن كان الإدراك ضعيفا كان الخوف ضعيفا ، لأن الخوف يتناسب طرداً مع الإدراك ، فإن لم يكن هناك إدراك فلا خوف .
مرَّة قال لي طالب : أنا لا أخاف من الله عزَّ وجل ، قلت له : معك حق ، عندما قلت له : معك حق ، استغرب ، قلت له : أحياناً يضعون طفلاً صغيراً في الحصيدة فيمر ثعبان فيلمسه الطفل ، لأنه ليس لديه إدراك ، طبعاً لا تخاف من الله عزَّ وجل ، لأنك لا تعرف ما معنى الله عزَّ وجل ..
في بدر قال عليه الصلاة والسلام :

(( لا أمثِّل بهم فيمثِّل الله بي ولو كنت نبيَّاً ))
[ ورد في الأثر ]
2 ـ لا يستخفّ بعدالة الله إلا غبي أحمق :
هذه هي عظمة الأنبياء ، لا محاباة عند الله ، الله عزَّ وجل لا يقرِّب إنساناً على باطل ، لا يُقرِّب معتدياً ، لا يقرِّب ظالماً ، بل إنه يقرِّب إنساناً مستقيماً ، يقرب إنساناً محسناً ، لأن الله كامل ..
(( إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا ))
[ صحيح مسلم عن أبي هريرة ]
فإذا كان رسول الله اللهمَّ صل عليه يقول : ﴿ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾
إذا كان سيدنا عمر قال : << والله لو أن الله أنزل على نبيّه أنه معذِّبٌ واحداً من خلقه لخِفْتُ أن أكون أنا >> ، فإذا كان سيدنا عمر عملاق الإسلام الذي قال : << والله لو تعثَّرت بغلةٌ في الفرات ـ وهو في المدينة ـ لحاسبني الله عنها ، لمَ لمْ تُصْلِح لها الطريق يا عمر ؟ >> ، وإذا كان سيدنا عمر يقول : << ليت أمَّ عمر لم تلد عمر ، ليتها كانت عقيمَاً >> ، ماذا رأى ؟ ماذا رأى من شدَّة الحساب ، ومن عدالة الله سبحانه وتعالى ؟ لا يستخفُّ بعدالته إلا أحمق ، لا يستخفُّ بعدالته إلا غبي .. ﴿ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ{15} قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ ﴾
قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ
1 ـ لماذا لم يتّهموا النبي عيه الصلاة والسلام قبل البعثة :
أربعين سنة لم أتكلَّم ولا كلمة ، معنى هذا أن الكلام ليس من عندي ، لو كان من عندي لكنت أتكلَّمه وأنا بالثلاثينات ، أتكلَّمه بالخامسة والعشرين ، أتكلَّمه بالعشرينات ، أربعين سنة لم أتكلَّم كلمة ، هذه واحد .
الشيء الثاني: هل جرَّبتم عليَّ من قبلُ كذباً قط ؟
يقولون : إن هرقل ملك الروم التقى بأبي سفيان ، وكان على الشرك قبل أن يؤمن ، حدَّثه عن رسول الله ، أن عندنا رجلا ادعى أنه نبي ، ويقول : أنا نبي ، وهكذا ، هرقل كان ذكياً قال : هل كنتم تتهمونه بالكذب ؟ قبل البعثة ؟ قال : " لا والله " ، فقال هرقل : " قد أعرف أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ، ثم يكذب على الله " ، هرقل نفسه قال هذا الكلام ..

﴿ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾
الشيء الثاني : عندما استقبل النجاشي وفد المسلمين ، وقال له : يا جعفر حدِّثنا عن نبيُّكم " قال له : " يا أيها الملك ، كنَّا قوماً أهل جاهليَّة نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الرحِم ، ونسئ الجِوار ، ويأكل القويَّ منَّا الضعيف .. هذه الجاهليَّة الأولى مثل الثانية .. حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته ، وصدقه ، وعفافه ، ونسبه .. أربعة أشياء ، نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه .. فدعانا إلى الله لنعبده ونخلع ما يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، فعدا علينا قومنا ليعذِّبونا ويفتنوننا عن ديننا ، وقد لجأنا إليك " فقال : " أنتم آمنون في بلادي " ، إذاً : ﴿ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾
من معاني عُمُراً من قبله : أنني في هذا العمر لم أتكلَّم كلمة في القرآن ، معناها الآن هو ليس من عندي . 2 ـ الأمين قبل البعثة وبعدها :
المعنى الآخر : أنني كنت عندكم صادقاً وأميناً فهل يُعْقَلُ أن أكذب الآن ؟ ..
﴿ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾
يقولون : إن عمرو بن العاص كان صديقاً لمسيلمة الكذَّاب ، التقى معه قال له : " ماذا يقول الآن نبيُّكم ؟ .. أي قل لنا ما هي آخر الأخبار ؟ ، قال له : " يزعم أنه نزل عليه قوله : ﴿ وَالْعَصْرِ(1)إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3)﴾
( سورة العصر )
فقال له : " أنا كذلك أُنزِل عليّ مثل هذا الكلام " قال له : " ما هذا أسمعنا " قال له : " يا وَبَر يا وبَر إنما أنت أّذنان وصدر ، وسائرك حقرٌ نقر " ، فقال له عمرو بن العاص : " والله إنك لتعلم أني أعلم أنك كذَّاب ".. ﴿ قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾
ثم يقول الله عزَّ وجل : ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ﴾
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُون
1 ـ الافتراء على الله والتكذيب بآياته من أكبر الجرائم :
ربنا عزَّ وجل وصف هذا العمل بأنَّه جريمة ، هناك جريمتان ؛ الأولى أن تفتري على الله كذباً ، أن تزعم أنه قد أوحي إليك ولم يوح إليك ، أن تزعم شيئاً لم يقله الله ، أن تبدِّل في الدين ، أن تغيّر ، أن تزوِّر ، أن تحرِّف هذه جريمة ، والجريمة الثانية هي أن تكذِّب بالحق ، الافتراء على الله بالكذب جريمة ، والتكذيب بالحق جريمة ..
﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ﴾
ليس هناك إنسان أظلم .. ﴿ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ﴾
ابن سلاَّم حينما كان في المدينة المنوَّرة وقَدِمها النبي عليه الصلاة والسلام مهاجراً قال : " انجفل الناس إليه ، فلمَّا رأيته عرفت أن وجهه ليس بوجه كذَّاب .. من رآه بديهةً هابه ومن عامله أحبَّه .. فلمَّا سمعه يقول : (( أيها الناس افشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا الأرحام ، وصلَّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنَّة بسلام ))
[ أحمد ]
انشرح قلبي للإسلام . 2 ـ لابد من معرفة المصير المحتوم :
هناك أمور مصيريَّة في حياة الإنسان ، أخطر موضوع تعالجه موضوع الإيمان بالله عزَّ وجل لأنك بعد الموت سوف تكون مع الله إلى الأبد ، فإذا كنت قد آمنت به من قبل وعرفته ، واستقمت على أمره ، وأطعته وتقرَّبت إليه سعدت إلى الأبد ، وإن كنت قد أعرضت عنه ، ولم تطع أمره ، وأسأت إلى عباده ، ثم كان منقلبك إليه ، ورجعت إليه ، فرأيت العمل السيئ ، هذا العمل أشقاك إلى الأبد ، هذا موضوع خطير جداً ، أن تعرف أين المصير ، الناس في غفلة عن هذا ، النبي عليه الصلاة والسلام قال :
(( والذي نفس محمدٍ بيده لو تعلمون ما أنتم عليه بعد الموت ما أكلتم طعاماً عن شهوةٍ ـ تختفي قابليتكم نهائياً ـ ولا شربتم شراباً ، ولذهبتم إلى الصعُدات تلدمون أنفسكم وتبكون عليها))
[ ورد في الأثر ]
الإنسان يوم القيامة حينما يأتيه الموت يصرخ صرخةً لو سمعها أهل الأرض لصُعِقوا بها ، الآن قبل فوات الأوان ونحن أصحَّاء ، ونحن في قوَّتنا ، وصحَّتنا ، اِعرف الله في الرخاء قبل أن تضطر إلى معرفته في الشدَّة .


 

رد مع اقتباس
قديم 10-14-2011, 12:03 PM   #6
كبار الشخصيات


الصورة الرمزية العفريني
العفريني غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Nov 2010
 أخر زيارة : 02-28-2014 (05:05 PM)
 المشاركات : 7,969 [ + ]
 التقييم :  154
 الجنس ~
Male
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Brown
افتراضي رد: التفسير المطول - سورة يونس لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي



أيها الإخوة المؤمنون ... وصلنا في الدرس الماضي في سورة يونس إلى قوله تعالى : ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ﴾
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُون
1 ـ لا أشد ظلما ممّن يفتري الكذب على الله :
كلمة أظلم اسم تفضيل ، أي الأشد ظُلْمَاً ، أي أن هناك ظالمٌ وهناك أظلم ؟ من هو الأظلم ؟ من هو الأشد ظلماً ؟ من هو الأكبر ظلماً ؟ من هو الأكثر ظلماً ؟ هو الذي يفتري على الله الكذب ، الذي يشرِّع من تلقاء نفسه ، الذي يقول : قال الله ، ولم يقل الله ، الذي يحرِّف ، الذي يزوِّر ، الذي يؤوِّل تأويلات تغطي انحرافاته ، هذا الذي يفتري على الله الكذب ، هذا الذي يضع حديثاً لا أصل له ، أو هذا الذي يأتي بتأويل لا أصل له ، أو هذا الذي يجر الآيات كي تتوافق مع انحرافاته هذا الذي يفتري على الله الكذب ، إنه الأشد ظلماً ، والأعظم ظلماً ، ظَلَم لمن ؟ ظَلَم نفسه أولاً ، والناس ثانياً .
﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ﴾
أي : هل في الأرض إنسان أشد ظلماً من هذا ؟ هذه : ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ﴾
هل في الأرض كلها إنسانٌ أشد ظلماً من هذا الذي يفتري على الله الكذب ، من هذا الذي يقول : رأيت في المنام كذا وكذا ، رأيت النبي عليه الصلاة والسلام في المنام وقال لي : كذا وكذا ، ولم يقل له كذا وكذا ، والافتراء على الله عزَّ وجل سواء بتأويل آياته تأويلاً غير صحيح ، أو الافتراء على النبي عليه الصلاة والسلام بأنه قال ولم يقل ، أو بتوجيه الآيات والأحاديث توجيهاً مغايراً للحقيقة ، هذا الذي يفتري على الله الكذب هو الأشد ظلماً . ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ﴾
هناك ظالمان ، أو هناك مجرمان ، بدليل قوله تعالى : ﴿ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ﴾
2 ـ المفتري على الله مجرمٌ غير مفلح :
فهذا الذي يفتري على الله الكذب ظالمٌ مجرم ، وهذا الذي يكذب بالحق ظالمٌ مجرم ، ظالمٌ بحق نفسه ، مجرمٌ بحق الآخرين ، هذا الذي يصد الناس عن سبيل الله ، هذا الذي يستخف بآيات الله ، يكذبها ، يريد أن يطفئ نور الله عزَّ وجل ، هذا أشد ظلماً لنفسه ومجرمٌ في حق الناس .
﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ{17} وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ ﴾
وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ
1 ـ من العجب أن تتعلق بمخلوق وتترك الخالق :
أي أن من العجب العُجاب أن تتجه إلى مخلوقٍ وتدع الخالق ، أن تعلِّق آمالك على إنسان وتيأس من روح الله ، من العجب العجاب أن تخشى فلاناً ولا تخشى الله ، أن ترجو ما عنده ولا ترجو ما عند الله .
﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ ﴾
وفي الأثر عن علي : (( ما من مخلوقٍ يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته ، فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً ، وما من مخلوقٍ يعتصم بمخلوقٍ دوني أعرف ذلك من نيته إلا أهويت الأرض من تحت قدميه ، وقطعْت السماء بين يديه ))
[ كنز العمال ]
﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ ﴾
هذا القرآن ليس للسماع بل للتطبيق ، راقب نفسك ، هل تعبد أحداً من دون الله ؟ هذا الذي يطيع زوجته ويعصي ربه تنطبق عليه هذه الآية يعبدها من دون الله ، هذا الذي يطيع شريكه ، ويأكل الربا ، ويعصي الله عزَّ وجل يعبده من دون الله ، هذا الذي يأمر بمعصية ويعصي الله إرضاءً لهذا الذي أمره هذا يعبده من دون الله . ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ ﴾
سيدنا هود قال :
﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي(55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56)﴾
( سورة هود )
2 ـ كمالُ التوحيد أن لا ترى مع الله أحدًا :
كمال التوحيد أن لا ترى مع الله أحداً .
﴿ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ(41)﴾
( سورة الرعد )
﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا(26)﴾
( سورة الكهف )
﴿ وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(20)﴾
( سورة غافر )
هذا هو التوحيد أن لا ترى مع الله أحداً .. ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾
( سورة الفتح : من الآية 10 )
﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾
( سورة الأنفال : من الآية 17 )
﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ﴾
( سورة محمد : من الآية 19 )
﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ﴾
( سورة فاطر : من الآية 2 )
(( وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ، رُفِعَتِ الأَقْلامُ ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ ))
[ سنن الترمذي عن ابن عباس ]
إذا تيقَّنْتَ أن أمورك كلها بيد الله فأنت موحِّد ، أنا أقول : كلها ، أمورك كلها لا بعضٌ منها ، لقوله تعالى : ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾
( سورة هود: من الآية 123 )
ما أسخف هؤلاء ، ما أحمقهم ، ما أشد غباءهم ، ما أضلهم ، ما أبعدهم عن الصواب .. ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ ﴾
يروي التاريخ أن أحد التابعين عاصر أحد الولاة من قبل يزيد بن عبد الملك ، فجاء هذا الواليَ أمرٌ لا يرضي الله عزَّ وجل ، فاستشار هذا التابعي فقال له كلمة ، قال له : " إن الله عزَّ وجل يمنعك من يزيد ، ولكن يزيد لا يمنعك من الله " .
أحد الولاة في عهد سيدنا عمر كتب إلى عمر بن الخطاب : " أن أُناساً قد اغتصبوا مالاً ليس لهم ، لست أقدر على استخراجه منهم إلا أن أمسَّهم بالعذاب ، فإن أذنت لي فعلت " ، فأجابه سيدنا عمر : " سبحان الله !! .. متعجباً .. أتستأذني في تعذيب بشر ؟ وهل أنا لك حصنٌ من عذاب الله ؟! وهل رضائي عنك ينجيك من سخط الله ؟ أقم عليهم البيِّنة ، فإن قامت فخذهم بالبينة ، ثم ادعهم إلى الإقرار ، فإن أقروا فخذهم بإقرارهم ، فإن أنكروا فأدعوهم لحلف اليمين ، فإن حلفوا فأطلق سراحهم ، وايم الله لأن يلقوا الله بخياناتهم أهون من أن ألقى الله بدمائهم " .
يروي التاريخ أن في عهد عمرو بن العاص رضي الله عنه في مصر جفَّت مياه النيل ، والمصريون القدامى كان إذا جَفَّ نهر النيل ألقوا فيه فتاةً في ريعان الصبا حتى يرضى ، ويفيض عليهم بمائه ، فلما جف تكلَّم الناس في موضوع إلقاء فتاةٍ فيه بحسب تقاليدهم السابقة ، سيدنا عمرو بن العاص رأى هذا مخالفاً للشرع ، وتحت ضغطٍ شديد قال : " سأستشير أمير المؤمنين " ، فلما استشاره بعث إليه سيدنا عمر بالرسالة التالية قال : " من عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى نيل مصر ، يا نيل ، إن كنت أنت تجري فلا تجري ، وإذا كان الله يجريك فسوف تفيض " ، وبعد هذه الرقعة فاض النيل ، بعد أيام هطلت الأمطار الشديدة ، وفاض نهر النيل ، فالدين كله توحيد ..
﴿ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾
( سورة الأعراف : من الآية 59 )
لذلك : " إني والإنس والجن في نبأٍ عظيم أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر سواي " . ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ ﴾
وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ
منطق الحمقى والمغفَّلين :
كذلك أهل الفسق والفجور ، وأهل النفاق عندهم شيء من المنطق حسب رأيهم ، نحن معاذ الله لا نعبدهم إيَّاهم ولكننا نتخذهم شُفَعَاء ، فيا سبحان الله ! إن كانوا لا يملكون نفعاً ولا ضراً في الحال ، فهل يملكون الشفاعة في المآل ؟ إن كان الآن لا يملك نفعاً ولا ضراً فهل يملكها في المستقبل ، يوم يقوم الناس لرب العالمين ؟
شيء آخر .. رد عليهم الله سبحانه وتعالى :

﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ ﴾
قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ
إذا كان الله لا يعلم هؤلاء الشفعاء فهم عدمٌ :
أي أن إذا كان الله لا يعلمهم فهم غير موجودين ، الإنسان قد لا يعلم وجود هذا الشيء ، والشيء موجود ، قد تُمْسِك كأس ماء فتراه صافياً ، مع أن فيه ملايين الأحياء الدقيقة ، فعدم رؤيتك لهذه الأحياء لا ينفي وجودها ، وعدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود .. هذه قاعدة في الفلسفة .. لأن الإنسان محدود ، لكن الله سبحانه وتعالى الذي أحاط بكل شيءٍ علماً ، الذي وسع كرسيه السماوات والأرض أي علمه ، الذي يعلم السر وأخفى ، إذا كان الله لا يعلم هؤلاء الشفعاء فهم بالتأكيد غير موجودين .
﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ ﴾
هؤلاء الشفعاء : ﴿ إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ﴾
( سورة النجم : من الآية 23 )
هذا اختلاقٌ من عندكم ، هذا افتراءٌ على الله سبحانه وتعالى : ﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾
معنى : وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً
1 ـ المعنى الأول :
هذه آية مهمةٌ ، الناس أمةٌ واحدة ، بمعنى أن فطرتهم واحدة ، إمكاناتهم واحدة ، إمكانات الناس كلِّهم واحدة ، أي أن كل الناس عندهم استعداد أن يؤمنوا بالله عزَّ وجل ..
﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى(43)فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى(44)﴾
( سورة طه )
لولا أن فرعون يملك إمكانية الهدى لما أرسل الله له موسى ، هل أرسل موسى تمثيلاً ؟ حاشا لله ، أرسله لأن فرعون يملك إمكانية الهدى ، الناس جميعاً أمةً واحدة ، بمعنى أن بنيتهم النفسية واحدة ، استعداداتهم واحدة ، إمكاناتهم واحدة ، فطرتهم واحدة ، قوانينهم النفسية واحدة ، وقد جُبِلت النفوس على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها . هذا ممّا جُبِل عليه الإنسان :
المعنى الأول:
﴿ إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا(20)وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا(21)إِلا الْمُصَلِّينَ(22)﴾
( سورة المعارج )
﴿ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا(28)﴾
( سورة النساء )
وَ .. ﴿ خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ ﴾
( سورة الأنبياء : 37 )
هذه بنيته ، يخاف ، يقلق ، يحب الخير ، يحب السلامة ، يحب المحسن ، يحب العدالة ، وإن لم يكن عادلاً ، يحب الطهارة ، وإن لم يكن طاهراً ، حتى المنحرفون ، حتى اللصوص إذا اقتسموا الغنائم يقتسمونها فيما بينهم بالعدل ، لأن فطرتهم هكذا ، فربنا عزَّ وجل قال : ﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾
هذه من معاني أمة واحدة ، أي بلا خلاف ، فلو أحضرت إنسانا من الألسكا ، من جنوب إفريقيا ، من جنوب استراليا ، من كندا ، من سيبيريا ، من اليابان ، من القطب الشمالي ، الإنسان هو الإنسان ، يحب السلامة ، يحب المحسن ، يحب الخير لنفسه ، في قلبه محبةٌ لأولاده ، منطقي ، واقعي ، هذا هو الإنسان ، خلق الله عزَّ وجل الناس على فطرةٍ سليمة .. ﴿ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾
( سورة الروم : من الآية 30 )
لذلك لا يوجد فواصل بين الأمم والشعوب .. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(13)﴾
(سورة الحجرات )
هذا المعنى الأول من معاني : ﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾
المعنى الثاني :
أن الناس جميعاً مدعوُّون للإيمان بالله عزَّ وجل ، قال :
﴿ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾
( سورة الأعراف : من الآية 156)
﴿ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
( سورة هود: من الآية 119 )
خلقهم ليرحمهم ، ورحمة الله مبذولةٌ لكل الناس ، بقي علينا أن نكون أهلاً لها ، اللهم إني أسألك موجبات رحمتك .. ﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾
أي يجب أن تكون البشرية أمةً واحدة ، لما بين كل إنسان من تواصل ، لأن كل إنسان فُطِرَ فطرةً سليمة .
وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ
اختلاف الناسِ سببُه اتباع الأهواء :
لكن ما الذي فرَّق الناس شيعاً ؟ وفرَّقهم أحزاباً ، وفرقهم قبائل ، وفرقهم تجمُّعات ؛ تجمعات عرقية ، وتجمعات إقليمية ، وتجمعات مذهبية ، وتجمعات بحسب العمل والمِهَن والطبقية ، من الذي فرقهم ؟ قال :
﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ ﴾
الأهواء فرَّقتهم .. ﴿ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾
( سورة الأنفال : 63 )
﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ﴾
( سورة الحشر : من الآية 14 )
ما الذي فرق بينهم ؟ الأهواء ، هؤلاء انغمسوا في الخمور ، هؤلاء انغمسوا في كسب المال الحرام ، هؤلاء انغمسوا في مباهج الدنيا الرخيصة ، والانغماس في الدنيا جعلهم هكذا . ﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾
وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
1 ـ الدنيا للعمل والآخرة للجزاء :
إن الله سبحانه وتعالى قال كلمةً ؛ أن يوم الدين هو يوم الجزاء ، وأن الحياة الدنيا دار عمل ودار امتحان ، وأن يوم الدين هو يوم الجزاء ، لولا أن الله سبحانه وتعالى وعدنا بيوم الجزاء لحاسب المسيء في الدنيا وقضى عليه ..
﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾
2 ـ كلّ إنسان يزعم أن السعادة في الجهة التي يراها :
أحياناً يكون عشرة أشخاص على وشك الموت عطشاً ، وأحدهم توهَّم النبع في هذا المكان ، وآخر توهمه في هذا المكان ، وثالث توهمه في هذا المكان ، ورابع أنكر وجود النبع ، وهناك نبعٌ واحد في مكان محدد ، الذي تطابق اعتقاده مع الحقيقة هو الذي ينجو ، وما سوى ذلك يهلك ، وفي وقتٍ محدود تعرف صدق هؤلاء العشرة ، هذا الذي ادعى أنْ ليس هناك نبع ، وكان هناك نبع خسر حياته ، وهذا الذي ادعى أن النبع في هذه الجهة ، ولم يكن في هذه الجهة خسر حياته وخسر آخرته ، وهذا حال الناس اليوم ، كلٌ يزعم أن السعادة في هذه الجهة ، بعضهم يراها في المال ، يكتشف بعد فوات الأوان أن المال شيء ، ولكنه ليس كل شيء ، وبعضهم يرى السعادة في العلو في الأرض ، يكتشف بعد فوات الأوان أن العلو في الأرض شيء ولكنه وليس كل شيء .

(( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ ))
[ سنن الترمذي عن أنس بن مالك ]
إذاً : ﴿ فَاخْتَلَفُواْ ﴾
فإذا اختلفت مع أخ لك في المذهب ، في المشرب ، في الأسلوب ، في الطريق ، في الهدف ، وكنت أنت على حق فهنيئاً لك أولاً ، ونرجو أن يهتدي أخوك ثانياً ، لكن القضية قضية خطيرة ، قال النبي عليه الصلاة لابن عمر :
(( ابن عمر ، دِينك دينك ، إنه لحمك ودمك ، خذ عن الذي استقاموا ، ولا تأخذ عن الذين مالوا ))
[ كنز العمال ]
وكلٌ يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقِرُّ لهم بذاكا
فالواحد ينظر إلى قيمه ومعتقداته ، عقيدته صحيحة أم لا ، هل يعتقد أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق ، شقيهم شقي من الأزل ، وسعيدهم سعيد من الأزل ، وانتهى الأمر ، تقول : فيم العمل إذاً ؟ العمل صار تضييع وقت ، هذه عقيدة خطيرة جداً ، هل تعتقد أن الله خلق الكافر كافراً ، وليس هناك أي تعديل ؟ لماذا أرسل موسى إلى فرعون ؟ أرسله تمثيلاً ؟ فالإنسان يمتحن عقيدته ، الخطأ في العقيدة خطير جداً .
﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾
( سورة الأنعام : من آية 148 )
يمتحن ظنه بالله عزَّ وجل ، وربنا عزَّ وجل قال : ﴿ وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ﴾
( سورة الأعراف : من الآية 180)
فهل يقينك بأن أسماء الله حسنى كلها ؟ أين الدليل ؟ ماذا تعرف عن أسماء الله عزَّ وجل ؟ ماذا تعرف عن رحمته ؟ ماذا تعرف عن حكمته ؟ عن لطفه ؟ عن غناه ؟ عن قوته ؟ ﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾
أي أن البشر جميعاً أبيضهم وأسودهم ، أحمرهم وأصفرهم مدعوُّون إلى معرفة الله سبحانه وتعالى ، وبُنْيَتُهم واحدة ، وإمكاناتهم واحدة ، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها ، لا يوجد عذر ، أن تقول : لا أستطيع ، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ، النفس تستطيع أن تطبِّق أمر الله عزَّ وجل في كل زمانٍ وفي كل مكان .. ﴿ وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ﴾
وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ
1 ـ الكونُ كلُّه آياتٌ :
الكون كله آيات ، ربنا عزَّ وجل قال :
﴿ وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ(20)﴾
( سورة الذارايات)
جسمك كله آيات ، شعرك آيات ، مائتان وخمسون ألف شعرة ، في كل شعرة شريان ، ووريد ، وعصب ، وعضلة ، وغدة دهنية ، وغدة صبغية، لكل شعرة .
الدماغ آية ، فيه مائة وأربعون مليار خلية سمراء لم تعرف وظيفتها بعد ، أربعة عشر مليار خلية قشرية تجري فيها المحاكمة ، والتخيل ، والتذكُّر ، وكل النشاط العقلي في هذه الخلايا .
في العين مائة وثلاثون مليون عصية ومخروط في الشبكية ، العصب البصري أربعمائة ألف عصب ، الأذن ، اللسان ، المعدة في كل سنتيمتر مربع ثمانمائة عصارة هاضمة ، مجموع هذه العصارات تفرز لتراً ونصفاً من العصارة الهاضمة في كل وجبة طعام ، والمعدة لا تهضم نفسها ، وحتى هذا التاريخ هناك سؤال كبير : كيف لا تهضم المعدة نفسها ؟ فأنت تأكل اللحم وتهضمها وهي من لحم ، الجهاز الهضمي ، البنكرياس ، الكبد .
بعضهم قال : الكبد خمسة آلاف وظيفة ، لا يستطيع الإنسان أن يعيش من دون كبد أكثر من ثلاث ساعات ، والكبد يستطيع ترميم أي جزءٍ يقتطع منه في أسابيع ، الكبد آية ، ومخبر كيماوي ، مخزن ، الكبد في عنده إمكانات يحول الدسم إلى سكر والسكر إلى دسم ، الكبد آية .
الكلية مصفاة عاقلة ، الدم يمر فيها في اليوم الواحد مائة وثمانون لتراً من الدم ، أي برميل بكاملة يمر بالكلوة كل يوم ، فيها طريق طوله عشرون كيلو متراً ، يمر فيه الدم بالنهار خمسة مرات ، أي أن الدم يمشي في الكلية كل يوم مائة كيلو متر ، تصفي الدم من السموم والسوائل الزائدة ، وتفرز ثلاث هرمونات ، هرمون مضاد لفقر الدم ، وهرمون ينظم ضغط القلب ، وهرمون ثالث ، فالذين يصابون بالتهاب في الكلوي يرتفع ضغطهم فجأةً ، والكلية وحدها لو توقفت عن العمل لانقلبت حياة الإنسان جحيماً .
أثر الأسيد أوريك أو البولة في الدم مخيف ، هذا السم إذا زادت نسبته في الدم يشل النشاط العقلي ، ويوتر الأعصاب ، ويخرج الإنسان عن طوره ، بتراكم السموم ، فلما يفرِّغ الإنسان المثانة يجب أن يشكر الله عزَّ وجل شكراً كبيراً ، ويقول : الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني ، وابقى لي ما ينفعني .
﴿ وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ(20)﴾
( سورة الذاريات )
الآيات موجودة ، الشمس آية ، القمر آية ، الجبال آية ، المياه العذبة آية ، الأمطار آية ، البحار آية ، أنواع النباتات آية ، أنواع الأطيار آية ، أنواع الأسماك آية .
ابنك آية ، ابنتك آية ، البنت تمسك بالمخدة ، وتضعها على صدرها وهي صغيرة ، بنيتها النفسية أُمّ ، والطفل يركب عصاه ، كأنها حصان يركبه ، بنيته النفسية رجل ، عندما يكبرون تجد أن الصفات قد اختلفت ، خشن صوته ، وبقي صوتها ناعما ، فصفات الذكور عندما تظهر عند البلوغ آية من آيات الله عزَّ وجل ، وصفات الأنوثة حينما تظهر آية من آيات الله ، لذلك :
﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾
(سورة الروم : من الآية 21)
لم ينظر لخلقه ، لم ينظر لابنه ، لم ينظر لطعامه ، لم ينظر لشرابه لم ينظر إلى السماء والأرض ، ويطلب آيةً فيها خرقٌ للقوانين الأرضية ‍! ﴿ وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ ﴾
2 ـ الله وحده يعلم أي الآيات تفيد العباد :
أي أن الله سبحانه وتعالى يعلم وحده ما إذا كانت هذه الآية تفيدكم أو لا ، لو أنها تفيدكم لأنزلها عليكم ، ولكن الذي لا يؤمن بهذا الحشد للآيات لم يؤمن بآية فيها خرقٌ لقوانين الكون..
﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمْ الْملائِكَةَ وَكَلَّمَهُمْ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾
(سورة الأنعام : من آية " 111 " )
أي حتى يسلكوا الطريق التي رسمها الله عزَّ وجل ، وما لم يسلكوا الطريق التي رسمها الله عزَّ وجل فلن يستطيعوا أن يؤمنوا بآيات الله ، فهؤلاء مع كثرة الآيات التي بثَّها الله سبحانه وتعالى لم يؤمنوا .. ﴿ أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ(17)﴾
( سورة الغاشية )
3 ـ ألم ينظروا إلى مخلوقات الله فإنها أعظم آيةٍ ؟
الإبل :
الإبل تعيش في الصحراء ، عندها جفن إذا أطبقته ترى طريقها ، ويمنع الجفن رمال الصحراء الدقيقة من أن تؤذي عينيها ، ولها مستودعٌ يكفيها شهراً ، لو أنها لم تأكل ثلاثين يوماً بأكملها لكان مستودع الغذاء الذي وضعه الله في سنامها يكفيها عن الطعام شهراً ، وعندها خزَّانات للمياه تكفيها عشرة أيام ، تستطيع الناقة أن تمتنع عن شرب الماء عشرة أيام بكاملها ، وجعل لها خفاً لا يغوص في الرمال ، يتناسب مع الرمال ، وجعل لها جلوساً نظامياً كي يسهل تحميلها ، جعل لها ثفينات ، ثفنة في بطنها ، وثفينات في أرجلها وأيديها ، إذا جلست يستطيع صاحبها أن يحمِّلها ، لو أنها تجلس كما يجلس الحصان على جنبه كيف يحملها ؟
إذاً :
﴿ أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ(17)وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ(18)وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ(19)وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ(20)﴾
( سورة الغاشية )
النحل :
ألم ينظروا إلى النحل ؟ هذا المخلوق الضعيف الذي يصنع لك شراباً لذيذاً ، شافياً ، مفيداً ، من منا يصدق أن كيلو العسل محصلة طيران أربعمائة ألف كيلو متر .. لو كلفنا نحلةً واحدة أن تصنع كيلوا من العسل لكلفها أن تطير أربعمائة ألف كيلو متر .. أي حول قطر الأرض عشرة مرات ، كيف تختار النحلة رحيق الأزهار ؟ لذلك المؤمن كالنحلة إذا وقعت لا تؤذي ولا تكسر ، وإذا رحلت عن هذه الزهرة تركت رسالةً لأختها ، هذه الزهرة قد مصصتُ رحيقها فلا تتعبي نفسكِ بها ، من أعطى هذه المملكة نظامها ؟ عاملات حارسات يقفن على أبواب الخلايا ، فإذا جاءت نحلةٌ من غير هذه الخلية قتلنها ، إلا أن تقول كلمة السر ، فإذا قالت كلمة السر دخلت ، من علَّمها هذا ؟ نحلاتٌ منظِّفات ينظفن الخلية ، فإذا عثرن على جسمٍ أو على حشرةٍ كبيرةٍ لا يستطعن نقلها غلَّفنها بمادةٍ شمعية ، لئلا تفوح منها رائحتها النتنة ، من علم النحل ذلك ؟ الله سبحانه وتعالى ، نحلاتٌ مهمتهن تهوية الخلية ، فإذا كان الوقت شتاءً أغلقن أبواب الخلية بأجنحتها ، وإذا كان الوقت صيفاً فعلن بالأجنحة .. هكذا .. فنشأ تيارٌ في جو الخلية رطّب الجو .
من علَّم النحلة أن ترقص لأخواتها رقصةً تعبِّر بها عن بعد الزهر عن الخلية ؟ هناك رقصة تشعر أن الزهر قريب ، هناك رقصة كأنها تقول للنحلات : استعدوا لسفرٍ طويل ، إذا كان عشرين كيلو مترا فما فوق فلها رقصة دائرية ، وإذا كان ربع دورة معنى ذلك أن الزهر قريب من الخلية ، من علَّم هذه النحلات ؟ من علم النحلات صنع البيوت السداسية المنتظمة التي يعجز المهندسون عن رسمها ؟ فكيف عن صنعها ؟ هناك نحلات وصيفات مهمتها تأمين طعام الملكة ، هناك ملكة ، فإذا جاءت الخلية ملكةٌ أخرى قتلت لأن القيادة يجب أن تكون بيد واحد ، فأشياء وأشياء عن النحل ، النحل آية من آيات الله .
النمل :
النمل .. النمل إذا خرج من وكره ، وسار ورأى في الطريق طعاماً يبث رسائل كيميائية في الطريق ، أي أنه يضع نقطة فيها رائحة بحيث أن النملات الأخريات خلال دقائق يسرن على الخط نفسه ، هناك رائحة تجذب النملات إلى الطعام ، وهناك رائحة تنفِّر النملات من المجيء ، إذا وجدت خطرا أو ماء ، أو شيئا مخيفا تعطي إشارات كيمائية معاكسة ، من علم النملة ذلك ؟ ﴿ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ﴾
( سورة النور : من الآية 41 )
النمل آية ، النحل آية ، الفراش آية . دود القزّ :
دود القز وحده آية ، تصنع خيطاً لا تستطيع الآلات الحديثة حتى الآن صنع خيوط بهذه النعومة ، وبهذا القطر الرفيع ، حرير .
كأس الحليب آية ، البيضة آية ، الدجاج ، البقر ، الجمل ، أنت محاط بالآيات ، ومع ذلك :
﴿ وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ ﴾
كل هذه الآيات لا تكفي ؟ حسبكم الكون معجزة ، الكون وحده معجزة . ﴿ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ ﴾
فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ
المعنى الأول :
لا يعلم الغيب إلا الله ، هذا المعنى الأول .
المعنى الثاني :
أنه إذا أنزل الله عليكم آية ، الله وحده يعرف ما إذا كنتم تؤمنون أو لا تؤمنون .. " علم ما كان ، وعلم ما يكون ، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون " ، لم تنزَّل عليهم آية ، الله وحده يعلم لو أنزلها عليهم ماذا يفعلون .
﴿ فَانْتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ{20} وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا ﴾
وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا
انقلاب الإنسان بعد الشدة :
الإنسان يكون ضعيفاً ، يكون مريضاً ، يكون فقيراً ، يكون مستضعفا ، يقول : يا الله ، يا الله ، فإذا أزال الله عنه كربه ومصيبته عاد يفكر في صد الناس عن سبيل الله .
﴿ قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْراً ﴾
وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا
حدثني أخ كريم ، رجل عنده محل تجاري له ولإخوته الثلاثة ، لكنه أكبرهم ، وقد وضع يده على هذا المحل ، جاءه مرض عضال ، نوبةٌ قلبيةٌ حادة كان على مشارف الموت ، ماذا فعل ؟ طلب آلة تسجيل ، وقال ، وهو يظن أنه يلفظ أنفاسه الأخيرة : إن هذا المحل ليس لي ، إنه لأخي فلان وأخي فلان ، وأخي فلان ، خاف ، فلما زالت عنه هذه النوبة ، طلب هذا الشريط وأخفاه ، وتابع العمل في المحل ، ثم طوَّب المحل لنفسه ، ووافته المنية بعد ثمانية أشهر ، مات مغتصباً ، فالإنسان أحياناً إذا شعر بدنو أجله يخاف ، فإذا رفع الله عنه الخوف عاد لينكر ، عاد ليظلم ، عاد ليأخذ ما ليس له .
﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْراً ﴾
لأن الله عزَّ وجل بيده كل شيء ، أنت تريد ، وأنا أريد ، والله يفعل ما يريد . ﴿ قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْراً ﴾
إذا شخص قال : أنا غداً أفعل بفلان كذا وكذا ، قلبك بيد الله عزَّ وجل قد يوقفه ليلاً .
مرة قاضٍ أراد أن يحكم لفلان ظلماً على فلان ، وصار الشيء بحكم المقرر ، وقف على قوس القضاء ، فإذا بألمٍ في المعدة شديد أخذ على إثره إلى المستشفى ، أين الحكم ؟ الدعوة تأجَّلت ، جاء قاض آخر فحكم بالعدل .
إذاً :
﴿ قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْراً ﴾
من عد غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت . ﴿ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ﴾
إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ
كلُّ شيء مسجَّل صغيرُه وكبيرُه :
كله مسجل ، إذا شعر الإنسان أن صوته مسجل ، ينتقي أدق الكلمات ، وإذا شعر أن صورته مسجلة أيضاً ، من حين إلى حين يحسّن وضعه ، لأنهم يقومون بتصويره ، فإذا كان مسجلاً بصورة وصوت فهو تحت المراقبة ، فإذا تيقَّن الإنسان أن الله سبحانه وتعالى يحصي عليه أنفاسه ، وحركاته ، وسكناته ، وأقواله ، ونظراته ..
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ(19)﴾
( سورة غافر )
ماذا يفعل ؟ هو الفرق فرق علم وجهل فقط ، إما أن تعلم فتنضبط ، وإما أن لا تعلم وسوف تعلم بعد فوات الأوان . ﴿ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
كلُّ شيء يسير بتقدير الله :
الإنسان يتحرك وفق خواطر ، الله عزَّ وجل يلهمه أن يسافر ، يكون قد استحق العقاب ، يحدث له حادث فيفقد أحد أعضائه .
﴿ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ{22} فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
1 ـ صورة حيةٌ للرجل اللئيم :
انظر إلى الموقف اللئيم ، وهو على ظهر السفينة ، والسفينة كريشةٍ في مهبِّ الريح ، والأمواج تتلاعب بها ، والحياة أصبحت على وشك النهاية ، يا رب ، يا رب ..
﴿ فَلَمَّا أَنجَاهُمْ ﴾
إلى البر .. ﴿ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾
2 ـ احذر أن يصل بك الكِبرُ إلى كوقف كهذا :
الإنسان في اليابسة يطغى ، أما في الجو ، طائرةٌ دخلت في غيمة مكهربة فاضطربت ، وتعطَّلت بعض أجهزتها ، وكادت تحترق ، فقال ربان الطائرة لبعض المضيفين : أن بلِّغ الركاب كذا وكذا ، خرج ليبلغهم ، لا أحد من الركاب عنده استعداد أن يسمع شيئاً ، وهو يبتهل إلى الله ، هذا يصرخ ، هذا يولول ، هذا يبكي ، هذا يلطم وجهه ، فتوسَّم في الركاب لعله يرى واحداً يبلِّغهم ، فنظر إلى واحدٍ هادئ ، فتوجه إليه ليبلغه أن يبلغهم ، فإذا هو مغمى عليه ، في الأرض هو قوي ، يقول : سأفعل كذا وكذا ، من أنت ؟ الخطر القائم في الجو ، أو الخطر القائم في البحر نفسه في البر ، لو علمت أن الله على كل شيءٍ قدير ، قلبك بيده ، حياتك كلها بيدك، لذلك :
﴿ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ﴾
هذه هي الباخرة التي زعموا أن القدر لا يغرقها !!!
صنعوا في عام 1912 باخرة من أضخم بواخر العالم اسمها ( التيتانيك )، هذه الباخرة طبعت نشرةٌ وزِّعت على ركابها كُب فيها : " إن القدر لا يستطيع إغراق هذه الباخرة " ، كتبت هكذا ، كانت مصنوعة بشكل مزدوج ، وبقواطع بين هذا الازدواج ، فأيّ مكان ثُقب تغلق الجدران المحيطة به ، فكأن شيئا لم يحصل ، وفي أول رحلة لها من لندن إلى بوسطن ركب في هذه الباخرة أثرياء أوروبا ، وكانت قد أثِّثت بأثاثٍ يزيد على أثاث القصور ، وفيها ما لذ وطاب ، كل أنواع المتع المتوافرة في الأرض في هذه الباخرة ، من مسابح ، إلى قاعات رقص ، إلى مطاعم ، إلى ، إلى .. أثرياء العالم ركبوا في هذه الرحلة الأولى .. وهي في عرض البحر ، في المحيط الأطلسي ، ارتطمت بجبلٍ ثلجي شطرها شطرين ، كانت ترسل إشارات استغاثة من حولها ، ما حولها ظنَّها تحتفل بتدشينها ، ولم يستجب إليها أحد ، ومات ركابها كلهم غرقاً ، قدَّروا أن الحلي التي على صدور النساء بألوف الملايين ، فقال بعض القساوسة وقتها : " إن غرق هذه الباخرة درسٌ من السماء لأهل الأرض " ، فما قولكم هذا : إن القدر لا يستطيع إغراق هذه الباخرة ؟ ربنا عزَّ وجل قال :
﴿ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ{22} فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم ﴾
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم
البغي يعود على صاحبه وبالاً :
ومما يقترب من هذا التشبيه أن الإنسان أحياناً يمرض ابنه ، تجده يصلي ، زوجته على وشك الولادة ، يخاف أن يأتي المخلوق مشوَّهاً ، يخاف أن تكون الولادة عسرة ، تحتاج إلى ولادة قيصرية ، ومستشفى ، تموت الزوجة أيضاً ، يا رب ، وصار يصلي ، قرأ قرآن الآن فقط ، بعد ما ولدت وجاءت له بالصبي ، أقام حفلة مباركة ودعا رجالاً ونساء في اختلاط ، أين كنت ؟ ماذا كنت تفعل ؟ .
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم ﴾
فأجمل ما في هذه الآية أن بغيكم ليس على من تظلمونه ، هذا قد عالجه الله على يدكم ، وانتهى ، أما البغي واقعٌ عليكم .. ﴿ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
ثمار البغي متاع قليل :
أما هنا كلمة متاع منصوبة ، أي أن كل هذه الثمار التي تقطفونها من بغيكم إنما تستمتعون بها في الحياة الدنيا فقط ، فإذا جاء الموت انتهى كل شيء ، فلو أن إنساناً اغتصب بيتاً ، متى يستمتع به ؟ يستمتع في حياته فقط ، بعد الحياة يؤخذ منه ..
الآية الأخيرة :
﴿ فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
لو أن أخاً كبيراً اغتصب من أخيه الصغير بيتاً ، إلى متى يستمتع بهذا البيت ؟ في الحياة الدنيا فقط ، لابدَّ من أن يموت ويتركه .
إذاً :
﴿ مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
أي أن ثمرات البغي لن تستهلكوها إلا في الحياة الدنيا فقط ، وبعد الحياة الدنيا هناك الحساب الدقيق وهناك العذاب .. ﴿ ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
إذاً : مهما كان الشيء ثميناً عند الإنسان ، مهما كان المكسب كبيراً ، ما دام يستهلكه في الحياة الدنيا فقط ، وسوف يموت فهو متاع قليل ، وسيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كلما دخل إلى مجلسه .. مجلس الخلافة .. كان يتلو هذه الآية :
﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ(205)ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ(206)مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ(207)﴾
( سورة الشعراء )
يتلو هذه الآية ويجلس .. ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ(205)ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ(206)مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ(207)﴾
إذاً : متاع الحياة الدنيا ، لذلك :
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك .


 

رد مع اقتباس
قديم 10-14-2011, 12:04 PM   #7
كبار الشخصيات


الصورة الرمزية العفريني
العفريني غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Nov 2010
 أخر زيارة : 02-28-2014 (05:05 PM)
 المشاركات : 7,969 [ + ]
 التقييم :  154
 الجنس ~
Male
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Brown
افتراضي رد: التفسير المطول - سورة يونس لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي



﴿ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ ﴾
1 ـ لا ينجي من الشدائد إلا الله تعالى :
أي في سفينةٍ ..
﴿ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمْ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ(22)فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ﴾
2 ـ ما هو البغي ؟
هنا الآية :
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ﴾
البغي : التجاوز ، العدوان ، الاغتصاب ، الإسراف ، هذا البغي عائدٌ عليكم ، حجم البغي منصبٌ عليكم .. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ﴾
انتهى المعنى ، الآن جاءت فقرة أخرى ، وهي : ﴿ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
3 ـ إنْ كان للبغي ثمار فلا تعدو أن تكون دنيويةً زائلةً :
أي إن ثمار البغي إن كانت له ثمار ، ثمار البغي لا تستفيدون منه إلا في الحياة الدنيا ، والحياة الدنيا موقَّتة ، لو أن إنساناً اغتصب أرضاً ، يزرعها ، ويفلحها ، ويجني ثمارها ويبيع الثمار فلا يستفيد منها إلا في الحياة الدنيا ، فإذا جاء الموت انقطعت عنه وحُوسِبَ عليها ..
﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
أتستأهل هذه الدنيا أن تأخذ ما ليس لك ، ثم تُعَذَّب إلى الأبد ؟
سألت مرَّة رجلاً قلت له : أجبني وأنصِف ، لو أعطيناك مبلغاً من المال كبيراً جداً إلى درجة أنه يصعب إحصاؤه ، وقلنا لك : تمتَّع فيه خلال خمسة أعوام في أي مكانٍ تشاء ، وانغمس في كل الملذَّات والشهوات ، ولا تدع مكاناً إلا وترِدُه ، ولا ملهىً إلا وتسكنه ، ثم لابدَّ من عذابٍ أليمٍ بئيسٍ لأسبوعٍ فوق طاقة التحمُّل ، هل ترضى ؟ قال : لا والله ولا ساعة ، ولكن كيف ترضى العكس ، أن تكون الحياة الدنيا محدودة ، ومتعتها محدودة ، والعذاب الذي تسبِّبه أبدي ؟ لذلك ربنا عزَّ وجل قال :
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ﴾
4 ـ البغي يعود على صاحبه بالوبال :
البغي كلُّه عليك ، عائدٌ عليك .. أحد الناس كان في حالة سُكْرْ شديد .. هكذا قرأت قصَّة في جريدة .. وهو سكران ذبح امرأته وخمسة من أولاده ، أنا تصوَّرت أن أحداً لم يدر به ، وأن أحداً لن يحاسبه ، وأن أحداً لن يقبض عليه ، بعد أن ذهب السُكْرُ وصحا ، ورأى هذه الزوجة المخلصة الأمينة الوفيَّة ، الطيّبة الطاهرة ، وهؤلاء الأولاد كالملائكة كلُّهم غارقون في دمائهم ، تصوروا حالته عندئذٍ مثل هذا السكير لو أن أحداً لم يحاسبه ، فإنّ نفسه تحاسبه عندما يصحو
اعتدى إنسان على قريبته ذات يوم ، فأخذوه إلى السجن ، فذبح نفسه داخل السجن ، قطع الوريد ، ومات منتحراً لشدَّة ألمه النفسي .

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ﴾
إيّاكم والظلم :
الإنسان أحياناً يفعل أفعالاً لا تحتملها نفسه لو صحا ، الآن هو في غيبوبة ، الآن في سُكْر ، الآن هو في نوم وغفلة ، والناس نيامٌ ، إذا ماتوا انتبهوا .. يفعل ، ويترك ، ويأكل ما ليس له ، ويعتدي ، ويؤذي ، ويسبِّب تعاسة فتاة إلى ما شاء الله من أجل لذَّةٍ طارئة ، حينما يصحو ضميره ، حينما تنقطع عنه الدنيا ، حينما يواجه الحقيقة ، حينما يصبح بصره حديداً وثاقباً عندئذٍ لا تحتمل نفسه تبعات عمله ، نفسه وحدها تحاسبه ، ويحكم على نفسه بالانتحار كما رأيتم مع الذي اعتدى على قريبةٍ ، لذلك : " إن العار ليلزم المرء يوم القيامة حتى يقول : يا رب لإرسالك بي إلى النار أهون عليّ مما ألقى ، وإنه ليعلم ما فيها من شدَّة العذاب " .
هذا فضلاً عن عذاب النار المُحرِق ، وعن العذاب الجسدي الذي أكَّدته الآيات ، هذا الذي قتل زوجته وأولاده الخمسة لو لم يُحاسَب ، لو لم يُقبَض عليه ، لو لم يُسَق إلى السجن ماذا تفعل فيه نفسه ؟ إنها تُهلِكه ..

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ﴾
يجب على الإنسان ألا يكون مسرفاً ، ومن الممكن أن يتمنى في ساعة الغفلة وغمرة الشهوة أن يأخذ ما ليس له ، فإذا صحا وعرف حجم بغيه وعدوانه عندئذٍ يذوب ألماً قبل أن يعذِّبه الله عزَّ وجل .. ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ﴾
فهذا البغي متى تستفيد منه ؟ في الدنيا فقط ، كما قلت قبل قليل : لو أخذت أرضاً ليست لك ، فإذا جاء الموت ، انقطعت منفعتها ، وجاءت تبعتها ، فذاق ويلاتها ، ولو أن إنساناً سرق مبلغاً كبيراً ، وصرف جزءاً منه ، صرف مثلاً واحد بالمائة منه ، ثم ألقي القبض عليه ، وسيق للمحاكمة ، وصدر القرار بإعدامه ، وهو يصعد درجات المشنقة تكون المنفعة قد انقطعت ، وبدأت التبعة ، هذه هي المسؤوليَّة ، وهذا هو الجزاء .. ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ﴾
يجب على الإنسان ألا يطغي على زوجته ، ولا على جيرانه ، ولا على صانع عنده في المحل ، ولا على إنسان أدنى منه ، ولا على إنسان أضعف منه ، ولا على صغير لا يقوى على مناقشته . ﴿ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ﴾
علامة النضج الخوف من الله .. ﴿ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
أي أن هذا البغي لن تستفيدوا منه إلا في الحياة الدنيا فقط ، وحصراً .. ﴿ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
5 ـ هذه هي حقيقة الحياة الدنيا في التمثيل القرآني :
الآيات القرآنيَّة مترابطة يأخذ بعضها برقاب بعض كأنَّها عِقْدٌ نفيس ، فما هي هذه الحياة الدنيا ؟ الله سبحانه وتعالى ساق لنا صورةً عن الحياة الدنيا فقال :
﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ ﴾
هذا النبات له جذور روّاها الماء ، فانتعشت ، نمت ، أزهر النبات فلبست الأرض حلَّةً قشيبة ، فانظروا إلى بستان في الربيع إنه مثل الجنَّة .. ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ ﴾
بعضهم قال : ﴿ كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ ﴾
أي اختلط الماء بالأرض ثم .. الاستئناف وتتمة الآية .. ﴿ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ ﴾
أي أن نبات الأرض بسببه ، أو اختلط الماء بالنبات اختلاطاً ، أي أن المواد الموجودة في التربة ذابت في الماء ودخلت إلى الجذر عن طريقه.. ﴿ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ ﴾
أي أن شجرة التفَّاح أزهرت ، وشجرة المشمش أزهرت ، والقمح نما ، وبسقت أسواقه ، والشعير مثله ، والحمُّص والعدس كذلك ، والفول ظهرت بوادره ، وجميع أنواع الخضراوات ، وأنواع الفواكه ، والثمار ، والبرسيم طعام الأنعام أيضاً كلها آتت أكلها ، والحشائش الخضراء ، وأنواع الأزهار تفتحت والأعشاب تطاولت وارتفعت .. ﴿ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ ﴾
ففرح بها صاحبها .. وصار بستانه كالجَّنة ، أرضه خضراء ، أشجاره مورقة مثمرة ، مياهه عذبة ، أزهاره فوَّاحة نضرة.. ﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا ﴾
أي أن الزخرف هو تمام الكمال .. ﴿ وَازَّيَّنَتْ ﴾
أي أن البستان أصبح مزَّيَّناً بالأزهار ، وغدا بهجة للناظرين ، مخضوضراً بالحشائش وتنوعت فيه الثمار وتنافت فيه طعومها .. ﴿ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا ﴾
أي قادرون على جنيها ، وعلى قطافها ، وعلى توضيبها .. كما يقولون .. وعلى تسويقها ، وعلى بيعها ، وعلى قبض ثمنها .. ﴿ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ﴾
هذه الأمور كلُّها : كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ
هذه الآية من الآيات البليغة ، أي أن الحياة الدنيا كأرضٌ يأتيها ماءٌ المطر فتنبت الحشائش والأزهار والثمار ، ويصبح البستان مزداناً قشيب الحلة يأخذ بالألباب ، يفرح صاحبة ، تغمره النشوة ، يتخيَّل كيف سيبيع محصوله بأغلى الأسعار ، ويقبض ثمنه ، ويشتري بثمنه .. مثلاً .. قطعة أرضٍ ثانية ، أو بيتاً في الحي الفلاني ، أو سيارةً فارهة ، وهو في أحلامه ، وهو في خواطره المسعدة ..
﴿ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ﴾
وكمثال آخر : قد يشتري إنسان محلاً يزيِّنه ، يُدَوكره ، يعتني فيه ، يفتتح المحل فترسل إليه باقات الورد تعبيراً عن التهنئة ، يداوم فيه شهراً أو شهرين ، يُلصق النعي على المحل ، ومازالت أول ميزانيَّة لم تظهر عنده بعد ، ما عرف أرباحه هذه السنة ، ما عرف حجم أرباحه ، ما قبض المسحوبات ، جاءته المنيَّة فعاجلته ، فالحياة الدنيا هذا شأنها ومثلها.. هذه الآية متعلِّقة بمتاع الحياة الدنيا .. ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
أي أن محصِّلة هذا البغي لن تستطيعوا أن تستفيدوا منها إلا في الحياة الدنيا ، وهذه هي الحياة الدنيا ، أمطارٌ ، أعشابٌ ، أزهارٌ ، رياحين، أشجار مثمرة ، فرح ثم يأتي أمر الله عزَّ وجل فيجعل عاليها سافلها ، ويقبض صاحبها فلا يستطيع الاستفادة منها بل يدفع ثمن عتوه وانحرافه فيها غالياً ، وكأن الله سبحانه في هذه الآية نفسها قد أنبأنا عن ظروف الدنيا آخر الزمان فقال : ﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ ﴾
أي المدن مزيَّنة ، مزدانة ، شوارع ، حدائق ، ناطحات سحاب ، جسور معلَّقة ، أنفاق تحت الأرض ، أبنية فخمة ، مطاعم من الدرجة الأولى ، فنادق من الدرجة الأولى ، متنزَّهات ، حدائق حيوان ، حدائق للإنسان ، أي أن الأرض فيها البهارج الجميلة جداً تأسر القلوب وتستبد بالعواطف الإنسانية .. ﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا ﴾
كل شيء جميل ، كل شيء مزيَّن ، كل شيء مزخرف يتلألأ ، لم يعد أحد يرضى أن يسكن في بيت من دون جبصين ، لا يُسْكَن فيه ، وتنقبض قسمات وجهه ، وتتغضض جبهته علامة كبرى على رفضه .. ﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا ﴾
هؤلاء كبراء العالَم الذين يملكون الأسلحة الذرِّيَّة ، النَّوويَّة .. ﴿ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا ﴾
أي أن بيدهم مصير العالَم ، إن قامت حربٌ نوويَّةٌ انتهى العالَم .. ﴿ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا ﴾
عندئذٍ جاءتهم الساعة .. ﴿ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا ﴾
فليلاً أو نهاراً هذه متعلِّقة بكرويًّة الأرض ، إذا كان أمر الله عامَّاً على مستوى الكرة الأرضيَّة فلابدَّ من أن يأتي قوماً ليلاً وقوماً نهاراً ، الآن في ساعة واحدة نكون نحن في الليل وفي أوروبا وأمريكا في النهار.. ﴿ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ﴾
إنّ ربنا عزَّ وجل يُطلعنا على نماذج مصغَّرة ، هذه الزلازل ، مدينة فخمة ، ناطحات سحاب ، أبنية من أجمل الأبنية ، وفترة زلزال قد تكون ثلاث ثوان ، وقد تطول إلى ثلاثين ثانية ، وهذا طويل جداً ، وأنت تتابع بناية تُعَمَّر عندك ، تصوَّر عندما حفروا الأساسات ، عندما وضعوا العضادات ، عندما صبَّوا الخليط الإسمنتي ، تصوَّر كم سنة لكي ترتفع البناية على العظم ويُفرغ من بنائها ؟ وكم سنة كسوتها ؟ وكم سنة زخرفتها ؟ وكم سنة فرشها ؟ والله تحتاج إلى عشرات السنين ، أطول زلزال لمدَّة ثلاثين ثانية ، وبعض الزلازل ثلاث ثوان كالذي جاء في أغادير .. ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾
فهذه الآية لها تفسير آخر .. ﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا ﴾
الرفاهية المبنية على البغي مآلها الاندثار :
أي أن كل شيء صار جميلاً جداً ، كل شيء علته الزخارف وأنواع الزينات وألوانها الأخاذة ، كل شيء مريح للعين ، ألوان جميلة ، حاجات متقنة ، وسائل رفاه منقطعة النظير ، حياتنا كلِّها أزرار ، فإذا لم يكن لدى أحدهم في سيَّارته زر ليرفع البلور ينزعج ، هكذا سيبذل جهداً كبيراً ، لا يستطيع أن يرفع زجاج أبواب السيارة بيده هذا تخلف صناعي يورث مشقة لصاحب السيارة ..
﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا ﴾
لأن هذا الرفاه على حساب الآخرين ، لأن هذا الرفاه مبنيٌّ على جوع الإنسان وعلى ظلمه .. ﴿ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ﴾
قد يقول الإنسان بعد قيام الساعة : هنا كانت لندن ، هنا في هذا المكان .. ﴿ فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا ﴾
هذه الأبنية الشاهقة ، وهذه العمارات الفخمة ، وهذه الفنادق الرائعة ، وهذه المتنزَّهات .. ﴿ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ﴾
لأنه .. ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾
( سورة الروم : من الآية 41 )
أي أن الفساد في العالَم تفشى بشكل منقطع النظير ، أي أن كل شيء صار مسخَّراً لشهوة الإنسان ولانحرافه ، على كلٍ الآية وحدها إذا نزعتها من بين أخواتها فهي صورة من صور نهاية العالم ، مشهد أخَّاذ من مشاهد قيام السَّاعة، إن نزعتها وحدها ، وإذا قرأتها مع أخواتها فلها معنى آخر ، أي أن هذا البغي الذي يبغيه الإنسان من أجل قطعة أرضٍ ، من أجل بيتٍ ، من أجل متجرٍ، من أجل شيءٍ تافهٍ فإنه لا يستفيد منه إلا في الحياة الدنيا فقط ، ومصيره في الحياة الدنيا إلى زوال محتم .. ﴿ فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ(17)صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ(18)﴾
( سورة البقرة )
انظر الآن إلى الناس ، أحدهم يشتغل في عمل مضنٍ لكي يجمِّع دريهمات فيشتري بها هذا البيت ، ويزيِّنه ، يجعل نوافذه كلُّها من الألمنيوم وزجاجه من البلور العاكس ، وكله تركيبات ، ثم تجده لم يتمتَّع فيه إلا قليلاً ، فيذوي عوده ، ويموت
لي قريب جاره يسكن في منزل فوقه له محل تجاري ، راجت بضاعته كثيراً ، فزيَّن بيته إلى درجة متناهية في التزيين ، بعد أن انتهت زينة البيت بشهرين وافته المنيَّة .. وآخر قال لجيرانه في البناية : مدخل البناء غير لائق ، وقد يكون عند أحد سكان البناء عزاء مثلاً ، أو فرح ، فدعا إلى اجتماعين أو ثلاثة لسكان البناء ، وجمعوا مبلغاً معيناً من كل بيت ، دهَّنوه ووضعوا باب حديدٍ فخمٍ ، ووضعوا أنترفون ، بعدما انتهت العمليَّة بأسبوعين صاحب المشروع توفي .. طبعاً هو يعرف ماذا أمامه ، جاء الناس فوجدوا المدخل فخماً ودهانات وأنترفون ورخامات ، لكنه قد فاته القطف ، وهكذا الحياة الدنيا ، هكذا نهايتها ، لذلك :
﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ﴾
إن قرأناها مع أخواتها .. ﴿ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا ﴾
أي قادرون على جني الثمار ، وعلى بيعها ، وعلى استثمار مالها في مجالات أخرى هذا معنىً ، وإن أخذناها وحدها .. ﴿ وَظَنَّ ﴾
أكابر الأرض وقتها أنهم قادرون عليها ، عندئذٍ .. ﴿ أَتَاهَا أَمْرُنَا ﴾
أمرنا لا أمرهم ، أمرنا نحن .. ﴿ فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ﴾
﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾
6 ـ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَام
الله يدعو جميع الناس إلى دار السلام
يدعو مَنْ ؟ سؤال ، يدعو فعل مضارع ، والله سبحانه وتعالى هو الفاعل ، ولكن المفعول به مَنْ ؟ يدعو مَن ؟ لأن الله عزَّ وجل أغفل المفعول به فالدعوة عامَّة ، يدعو كل خلقه إلى دار السلام ، أي أنه خلقهم لدار السلام ، أي أنه خلقهم للجنَّة ، أي أنه خلقهم ليرحمهم فقط ..
﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو ﴾
الإنسن ، والجنَّ ، جميع بني البشر ، أسودهم ، وأبيضهم ، وأحمرهم ، وأصفرهم ، غنيُّهم وفقيرهم ، قويهم وضعيفهم ، مدنيُّهم وقرويُّهم.. ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾
لكن الذي يطلب دار السلام وحده يهديه إلى صراطٍ مستقيم ، قال المفسِّرون : " الصراط المستقيم هو القرآن الكريم " . وقال بعضهم : "الصراط المستقيم هو دين الإسلام " .. ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
ادعُ الله أن يهديك إلى صراطه المستقيم :
وهذا واقع ، أقول لك : تضرع إلى الله قائلاً : يا رب اهدني إلى طريق الحق ، قلها بصدق تر أن الله سبحانه وتعالى جمعك مع أهل الحق ، وانشرح صدرك لكلامهم ، ويسَّر لك تطبيق الحق ، وتجلَّى على قلبك بعض من تجليَّاته ، فسعدت بهذا التجلي وكنت من قبل شقيَّاً ، كل هذا جمعك مع أهل الحق ، وأسمعك كلامهم ، وانشرح صدرك لهم ، وطبَّقت دلالتهم ، وسعدت بتطبيقك ، كل هذا بفضل سؤالك لربِّك : يا رب دلني عليك ، دلني عليك ، ودلني على من يدلَّني عليك ، اللهمَّ ارزقنا حبَّك ، وحبَّ من يحبُّك ، وحبَّ عملٍ صالحٍ يقرِّبنا إلى حبِّك ..
﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾
يقول بعضهم : أنا مكتوب عليَّ في الأزل أنني شقي ، هذا كلام فارغ ، هذا كلام الشيطان .. ﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾
( سورة الأنعام : من الآية 148 )
أما نحن فنقول له : أنت مخيَّر .. ﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ﴾
( سورة يونس : من الآية 19 )
أي أنه خلقهم وفق فطرةٍ واحدة ، ووفق بنيةٍ واحدة ، وفق استعداداتٍ واحدة ، ووفق حقيقةٍ واحدة ولهدفٍ واحد ، أي أن الإنسان خُلِق ليسعد ، أي إنسان ، فربنا عزَّ وجل قال : ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾
شتَّان بين الدنيا ودار السلام :
فشتَّان بين الدنيا ودار السلام ، أحد الناس لديه مبلغ اشترى به سيَّارة ، وآخر مثله اشترى أرضاً ، الذي اشترى السيَّارة بهذا المبلغ الضخم بحادث واحد أصبحت أثراً بعد عين ، لكن الأرض تضاعفت خمسين ضعفاً ، باع جزءاً منها بسيطاً ، وعمَّر بجزء منها بيتا فخمًا ، ثم باع جزءاً ثانياً ، واشترى بالثمن سيَّارة .. مثلاً .. فهذا الإنسان الأول لم يوفَّق في اختياره ، لكن الثاني وفِّق في اختياره ، فعندما يختار الإنسان الدنيا فالدنيا كلها تنتهي إذا توقَّف القلب ، يقول أحدهم : هذه البناية كلها لي ، مؤلفة من ثلاثين طابقاً ، ما دام القلب يدق ضع السمَّاعة عليه ، مادام يخفق إذاً هي لك ، وإذا وقَّف القلب لم تعُد لك ، فمتى لك ؟ ما دام هذا القلب ينبض ، فإذا توقَّف عن النبض ليست لك .
إذا اختار الإنسان الدنيا هناك احتمال أن تتركها بعد ثانية واحدة ، وهناك احتمالٌ آخر أن تتركك هي ، عنده مال صُودِرَ ، عنده محل احترق ، له مصلحة وُقَّفت ، له زوجة توفِّيت ، له شأن اجتماعي فعزل من مكانه ، كل ذلك ممكن ، فإما أن تتركك ، وإما أن تتركها ، على كلٍ هي مغامرة ، بثوانٍ تنتهي الحياة كلّها ، ولا سيما في هذه الأيَّام حيث إن ضغط الحياة لا يحتمله القلب ، تجد الأب في السابعة والأربعين جاءته جلطة ، وذاك سكتة قلبيَّة ، وثالث انفجار بالدماغ ، هذا تضخُّم في القلب ، هذا عدم تروية للعضلة القلبيَّة ، أمراض كثيرة في سن الأربعينيات ، فهذه الحياة الدنيا سريعة الزوال ، قال عليه الصلاة والسلام :
(( إن أكيسكم أكثركم للموت ذكراً ، وأحزمكم أشدُّكم استعداداً لها ، ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والتزوِّد لسكنى القبور ، والتأهُّب ليوم النشور ))
[ ورد في الأثر ]
إذا فكَّر الإنسان في اليوم خمس دقائق في الموت بعد صلاة الفجر ، أو بعد السُّنة وبين السنَّة والفرض وقت قصير ، فكَّر هل نبقى في هذا البيت ؟ الله أعلم ، هل أدرك السنة الثانية ، الآن نحن في الخامسة والثمانين هل نلحق إلى التسعين ؟ لا أعرف ، هل سأكتب ألف وتسعمائة وتسعين ؟ يمكن ألا أكتبها ، يمكن إلى التاسعة والثمانين ، يمكن بالسادسة والثمانين ألا نعيش لوقتها ، الإنسان يفكِّر في النهاية لكي يهون عليه الإقبال على طاعة الله عزَّ وجل ، ويهون عليه ترك البغي والعدوان .. ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
الله تعالى لا يهدي إلى صراطه المستقيم إلاّ المستقيمَ الصادقَ :
الصراط هو القرآن الكريم ، فلماذا لم يشأ الله ؟ لأن الله سبحانه وتعالى لا يهدي الإنسان إلى الصراط المستقيم إلا إذا كان صادقاً في طلبه ، وإلا إذا دفع الثمن ، لابدَّ من أن تكون صادقاً في هذا الطلب السامي ، ولابدَّ من دفع الثمن ، ودفع الثمن الاستقامة على أمر الله، فمن كان صادقاً وعلامة الصدق الاستقامة يأخذ الله بيده ، ويهديه إلى الصراط المستقيم ، أي أنه يفتِّح قلبه لمعاني كتابه ، يفهمها ، يتفاعل معها ، يطبِّقها ، يسعد بها ، يقول لك : أنا أسعد الناس .. ﴿ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
لا مقارنة بين دار الدنيا ودار السلام :
فإذا أجريت موازنةً بين دار السلام ، لماذا سمَّاها الله دار السلام ؟ لأن في الجنَّة سلامٌ في سلام ، لا نغص ، ولا همَّ ، لا يمكن أن تخلو حياة الإنسان من منغصات ، فإذا مرض ابنه تجد أنه شعر بضيق ، وكذلك إذا كان له تعويض في دائرة عمله ، وصدر قرار بإلغائه ، أو إذا كان يدخل عليه ألف ليرة فوق راتبه وتوقف صرف الألف له ، وصعب عليه أن يدبِّر معيشته بالراتب فقط ، شعر بضيق ، وكذلك إذا كان في منصب مرموق فشعر بمن ينافسه عليه ، ولن يتركوه في المنصب فإنه يحس بضيق يملأ عليه نفسه ، عَمِلَ تخطيطاً لقلبه فوجد فيه تسرُّعاً ، فإنه يشعر بضيق كذلك إذا عمل فحص دم فوجد أن هناك مادَّة مرتفعة عن حد المعدل فيشعر بالضيق ، إذا كان ساكنا في بيت فظهر أنه مُعرّض للاستيلاء عليه من قِبَل المحافظة فهذه مشكلة تملأ حياته كدراً وهمّاً ، أي أن الحياة كلها متاعب ، إما من طرف البيت ، و إما من طرف الصحَّة ، وإما من طرف الزوجة ، وإما من طرف الأولاد ، وإذا كان له قريب يمدَّه ببعض الحاجات فتوفي هذا القريب ، وانقطع رفد ذلك القريب إنها مشكلة ، وهكذا الحياة كلها ضيق وتعب ، ورحم الله القائل :
تعبٌ كلها الحياة فما أعجب إلا من راغبٍ في ازدياد

(( إن هذه الدنيا دار التواءٍ لا دار استواء ، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ))
ـ لأن الرخاء مؤقَّت .. إذا ركب رجلٌ أفخر سيَّارة لينقلوه إلى المشنقة فهل يفرح بمقاعدها ؟ يقول : انظروا إلى المقعد ما أجمله ! أي مقعد هذا ؟! يكون أحمق إذا فرح فيها .. (( لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشقاء ـ كذلك الشقاء مؤقَّت ـ هذه الدنيا قد جعلها الله دار بلوى ، وجعل الآخرة دار عُقبى ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً ، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي ))
[ ورد في الأثر ]
إذاً : معنى دار السلام أي أنه ليس في هذه الدار لا نغص ، ولا قلق ، ولا حزنٌ ، ولا غمَّ ، ولا همَّ ، ولا خوف ، ولا اضطراب ، ولا حسرة ، ولا ندم ، جميع المتاعب التي تنتاب الإنسان في الدنيا معافى منها في الجنَّة، جميع المُقْلِقات ، جميع المنغِّصات ، جميع المخاوف ، جميع الأحزان التي تنتاب الإنسان في الدنيا فالله سبحانه وتعالى عافى أهل الجنَّة منها .. ﴿ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ(48)﴾
( سورة الحجر )
جاء البرد يحتاج إلى وقود ، والوقود ارتفع سعره ، يشعر بضيق ، جاء الحر ، موجة حر شديدة ولا يوجد عنده أجهزة تكييف في البيت ، بيته آخر طابق ، يشعر بانقباض ، لا حر، ولا قر ، ولا خوف ، ولا مرض ، ولا أثر لأي بلاء فيه ، ولكن ظهر بعض من الشعر الشائب في رأسه ، وبعد هذا بصره ضعُف ، وانحنى ظهره ، كذلك شعر بالضيق ، معنى هذا أنه قربت أسباب المنيّة ، هناك في الجنة لا شيء يدعو للقلق أو الهلع ، شبابٌ دائم ، صحَّةٌ دائمة ، حيويةٌ دائمة ، الفواكه لا مقطوعةٌ ولا ممنوعة ، نهر من لبن ، ما الذي يزعجك من اللبن في الدنيا ؟ إنه يحمِّض ، قال : ﴿ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ﴾
( سورة محمد : من الآية 15 )
ما الذي يحبِّبك في العسل ؟ أن يكون مصفَّى رائقاً ، شفَّافاً ، له سيولة معيَّنة ، قال : ﴿ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ﴾
﴿ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ﴾
( سورة محمد : من الآية 15 )
في الخمر لذَّة ولا أثر للحرقة ، لا تغتال العقول ، الفاكهة ما الذي يزعجك في الدنيا منها ؟ أنها غير متوافرة أحياناً ، فلو أن أحداً ذا يسر وغنى لكن الموسم انتهى وانقضى ، كالعنب مثلاً .. فإنه يستطيع أن يبتاعه مهما غلا الثمن حتى ولو كان من بلد آخر ، أما في الجنة فهي : ﴿ لاَ مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (33)﴾
( سورة الواقعة )
﴿ فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ(42)﴾
( سورة الصافات )
فهذه الجنَّة التي قال الله عزَّ وجل عنها في الحديث القدسي الذي رواه أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ اللَّهُ : (( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ))
[ متفق عليه ]
أهذه الجنَّة يزهد فيها ؟ أتضعها وراء ظهرك ؟ لا تلتفت إليها ؟ بل تلتفت للدنيا ؟! هذا من تعاسة الإنسان أن يرضى بالدنيا ، ويُعْرِض عن الدار الآخرة . ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾
الله تعالى مصدر السلام :
السلام اسمٌ من أسماء الله عزَّ وجل ، أي أن هذه الجنَّة داره..
﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾
الله عزَّ وجل مصدر السلام في الكون ، إذا كنت معه ، وهذا المعنى لا يعرفه إلا من ذاقه ، إذا كنت مُقْبِلاً عليه ، ولائذاً بحماه ، ومعتزاً به تشعر بسلام في نفسك عجيب ، لا يخيفك إنسان في الأرض ، ولا تخيفك كلمة تسمعها ، ولا تهديد يُلقى عليك أبداً ، أنت عبد السلام ، الله هو السلام ، مصدر السلام ..
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إِلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ :
(( اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ ، وَمِنْكَ السَّلَامُ ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ))
[ مسلم ]
أول معنى أنها دارٌ لا قلق فيها ، دار السلام .
والمعنى الثاني : أنها دارٌ الله سبحانه وتعالى الذي هو السلام ، ويتجلَّى فيها على عباده المؤمنين فيسعدون به .
والمعنى الثالث : السلام هو التحيَّة ، أي أن الإكرام في الجنة منقطع النظير ، أحياناً الإنسان يأتيه ضيف فيقول له كل دقيقتين : يا أهلاً وسهلاً ، هذه مبالغة بالإكرام ، قلتها له أول مرَّة ، والثانية ، والثالثة ، بعد ربع ساعة يا أهلاً ، يرحِّب فيه بألوان الترحيب ، إذاً هذا من الإكرام .
المؤمنون في الجنة في موضع ترحيب وإكرام :
المعنى الثالث أن هؤلاء المؤمنين في الآخرة ، وهم في الجنَّة يتلقَّون تحيَّاتٍ من ربِّهم بشكلٍ مستمر ، هنيئاً لكم ..
﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِي(19)إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِي(20)فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ(21)فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ(22)قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ(23)كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ(24)﴾
( سورة الحاقة )
هنيئاً لكم .. ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ(15)آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ(16)كَانُوا قَلِيلًا مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17)وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(18)وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ(19)﴾
( سورة الذاريات )
إلى آخر الآيات ، فالمؤمن يوم القيامة موضع كل تكريم .. وإذا وضع أحد لك طعاماً شهياً نفيساً ، ولم يرحِّب بك فإنك تنزعج ، ولعل الترحيب عندك أغلى من الأكل ، قال لك : تفضل كل ، أأنت جئت لتأكل ؟ أم جئت لتزوره .. لكن إذا رحَّب بك إنسان آخر ، وقال : آنستنا ، هذه الكلمات يمكن أن تدغدغ لك عواطفك ، تشعر بنشوة عجيبة جداً ، سيدنا إبراهيم عندما قرَّب الطعام للضيف قال : ﴿ أَلا تَأْكُلُونَ(27)﴾
( سورة الذاريات : من الآية 27 )
تفضَّلوا ، هذه من آداب الضيافة ، إن أول آداب الضيافة البِشر و الاستعداد .. ﴿ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ(69)﴾
( سورة هود )
فهيَّأ حاله ، والكرماء يهيِّؤون حالهم ، عنده كمية من الخبز احتياطاً ، عنده حاجات مدخرة للضيافة ، وإذا طرأ ضيف فيجب أن يقدم له وجبة عشاء مع الاحتفاء والترحيب .. ﴿ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ(69)﴾
﴿ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ ﴾
(سورة الذاريات : من الآية 27 )
كذلك تقريب الطعام للضيف من السُنَّة ، إذا كان الصحن بعيداً فإنه يستحي أن يقول لك : أريد أن آكل من الصحن الفلاني ، إنه جالس ينظر إليه ، وهو مستحٍ ، وجعله منه قريباً .. ﴿ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ ﴾
بعد هذا قال : تفضَّلوا وكلوا .. ﴿ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ(27)﴾
الاستعداد ، وتقريب الطعام للضيف ، ودعوته للطعام هذا من آداب الضيافة .
إذاً :

﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾
عرفنا أن دار السلام هي الجنَّة ، والعباد كلُّهم مدعوَّون ، أحياناً يقول لك : الدعوة عامَّة كل من يحب يشرِّفنا حضوره ، أحياناً توجد بطاقة بيضاء ، البيضاء أي أول صف ، الحمراء ثاني صف ، الخضراء ثالث صف ، توجد درجات ، لكن أحياناً يقول لك : الدعوة عامَّة ، أي كلكم مدعوَّون لدار السلام ، لكن لا بد من الثمن ، الثمن أن تكون صادقاً في طلب دار السلام ، وأن تدفع الثمن وهو الاستقامة على أمر الله ، فإذا فعلت هذين الشرطين عندها يأخذ الله بيدك ، ويهديك إلى صراطٍ مستقيم ، ويجمعك مع أهل الحق ، يشرح صدرك لكلامهم ، ويهدوك لتطبيق كلام الله ، ويمسِّكوك بالكتاب ، تطبِّقه ، تسعدُ به ، لذلك : هم الأحبَّة إن جاروا وإن عدلوا فليس لي عنهم معدلُ وإن عدلوا
والله إن فتتوا في حبهم كبدي باقٍ على حبِّهم راضٍ بما فعلوا
***

إذا صار للإنسان مع الله عزَّ وجل مودَّة ، وانعقدت أواصرها فلابد من أن يذوب محبَّة في الله عزَّ وجل ، ففي قلب المؤمن سعادة لا يعرفها إلا من ذاقها .. " لو يعلم المُلُوك ما نحن فيه لقاتلونا عليه بالسيوف " ، هكذا قال إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه ، هو مع الله ، وكل شيءٍ بيد الله ، هو الجميل ، هو الغني ، هو الحميد ، هو القوي ، هو العزيز ، (( وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ ))
[ أبو داود عن الحسن بن علي ]
﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾
وإليك معنى آخر : يهدي من يشاء هو سبحانه ، ومشيئته مرتبطة بصدق العبد وباستقامته .
والمعنى الآخر : ويهدي من يشاء منكم حسب اختياره للهدى أيها العباد جميعاً ..
﴿ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
والدعوة أيضاً عامَّة ، لك أن تفهم هذه الآية بأن تعزو المشيئة إلى الله عزَّ وجل بمعنى : أن الله سبحانه وتعالى لا يهدي هذا الإنسان إلى صراطٍ مستقيمٍ إلا إذا دفع الثمن ، والثمن استقامته على أمره .
والمعنى الآخر : ويهدي من يشاء من العباد كلِّهم بمعنى أن العباد مخيَّرون ..
﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ﴾
( سورة فصلت : من الآية 17 )
﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾
( سورة البقرة : من الآية 148 )
هذا المعنى الآخر .. ﴿ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(25)لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾
7 ـ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ
الحسنى هي الجنة ، والزيادة هي النظر إلى وجه الله تعالى :
أحسنوا بماذا ؟ قال : هذا من إعجاز القرآن الكريم ، قال : الذين أحسنوا النظر ، فكَّر فرأى أن الدنيا موقَّتة والآخرة أبديَّة ، فكَّر فرأى أنه إذا أطاع فلاناً ، وفلان عبد مثله ضعيف لا ينفعه ، لكنَّه إذا أطاع الله عزَّ وجل فإن الله عزَّ وجل الله حيٌّ لا يموت ، قال :
﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا ﴾
أي أنهم أحسنوا النظر في العاقبة ، أو أحسنوا النظر في أمر الآخرة ، أي أحسنوا التفكير . ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا ﴾
بعضهم قال : للذين أحسنوا في العمل ، والذين أحسنوا في الدعوة إلى الله ، الآية مطلقة ، فعل مطلق في إشارته للإحسان ودلالته عليه .. ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا ﴾
في تفكيرهم ، وفي تعبيرهم ، وفي محاكمتهم ، وفي نظرهم ، وفي قولهم ، وفي عملهم ، وفي دعوتهم .. ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى ﴾
هي الجنَّة .. ﴿ وَزِيَادَةٌ ﴾
ما هي الزيادة ؟ هي النظر إلى وجه الله عزَّ وجل ، فإن المؤمنين ينظرون إلى وجه الله عزَّ وجل نظرةً يغيبون معها خمسين ألف سنةٍ من نشوة النظر ، والدليل على ذلك قوله تعالى : ﴿ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ ﴾
لا هَمّ للمؤمنين في الجنة :
أي أنَّ هذا الوجه الذي نظر إلى الله عزَّ وجل فسعِد بهذه النظرة لا يرهقه قترٌ ، القتر هو الغم ، أحياناً يقول لك أحدهم : ما بك ؟ وجهك غير طبيعي ؟ كأنك في همٍّ وقلق ، والإنسان حينما يتألَّم يظهر ألمه القلبي على صفحة وجهه .
نتابع الآية الأخيرة :
﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ﴾
في الحياة الدنيا كل آلامه النفسيَّة تنعكس على صفحة وجهه ، تنعكس قلقاً ، يقول لك : علائم وجهه حزينة ، يوحي وجهه بانقباض ، نفسه كما يوحي بخوفٍ يؤرقه ، هذا هو القتر ، وأحياناً الإنسان يخون شريكه ، وحينما يكتشف شريكه خيانته يُحِسُ بالذلِّ والعار ، وأحياناً طالب صغير يأخذ قلماً ليس له ، فيظهر أن القلم في جيبه ، فالمعلِّم قبل أن يعنّفه ، أو قبل أن يُحاسبه فإن هذا الطفل يُحسُّ بالخزي والعار ، يترجم هذا الإحساس علائم ذلَّة مسحت وجهه ، أما أهل الجنَّة في الجنَّة فلا قتر يعلو الوجوه ، ولا ذلَّة .. ﴿ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ﴾
لماذا لا توجد الذلَّة ؟ أطاعوا الله في الدنيا واعتزُّوا به ، وها هو قد كافأهم على طاعتهم بجنِّةٍ عرضها السماوات والأرض ، لماذا القلق والحزن ؟ هم آمنون من كل شيء ، في طمأنينة ما بعدها طمأنينة .. ﴿ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾
إلى الأبد ، اجعل موازنة بين دار السلام والحياة الدنيا ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام : (( من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً ، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً ))
[ ورد في الأثر ]
﴿ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(26)وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ ﴾
8 ـ عدل الله المطلق : جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا
وبالمُقَابِل ، لا عقاب فوق طاقتكم ، مائة ضعف ، لا ..
﴿ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ﴾
الطاعة عزٌّ والمعصية ذلٌّ :
وإليك على عز الطاعة : أحد التابعين كان يمشي مشيةً فيها اعتزاز ، فظنَّها بعضهم أنها كِبْر ، فقالوا : " يا فلان أَكِبْرٌ ؟ " قال : لا هذا عزُّ الطاعة " ، الشاب المطيع لله عزَّ وجل يشعر بعزَّة وبمكانة لا يعلمها إلا الله ، يحس أنه في رعاية الله ، فإنك بأعيننا ، يحس أن الله معه ، أن الله آخذٌ بيده كلَّما عثر ، أن الله يدافع عنه ، أن الله يسدد خُطاه ، يسدِّد أقواله وأفعاله ، هذا عزُّ الطاعة ..
﴿ وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ﴾
والنظر إلى ذلَّة المعصيَّة ، سيدنا يوسف خرج في موكبه بعد أن صار عزيز مصر ، وكانت قد رأت الموكب امرأة العزيز بعد أن شاخت ، وخارت قواها ، وتبدل حالها فقالت هذه الكلمة الشهيرة : " سبحان من جعل العبيد ملوكاً بطاعته ـ تعني أن يوسف كان عبداً فصار عزيزاً ـ ومن جعل الملوك عبيداً بمعصيته " ، تعني نفسها .
إذاً إن كان أحد يريد عزاً لا يفنى فليطع الله عزَّ وجل ، إذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتق الله ، وإذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكَّل على الله ، وإذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يديِ الله أوثق منك بما في يديك ..
﴿ مَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ﴾
9 ـ لا عاصم إلا الله :
أي لا مجال للالتجاء لأحد أيا كان ، فإن هؤلاء الذين عبدتموهم من دون الله عبادٌ أمثالكم، ضعاف ، مثلاً : عصابة سرقةٍ لها زعيم له سلطة على أفراد العصابة وهيمنة وشأن ، فلمَّا أُلقي القبض عليهم جميعاً صار زعيمهم واحداً مثلهم ، اقعد يقعد ، ازحف يزحف ، هرول يهرول الخ .... هذا الذي كان ذا هيمنة عليهم ، صار كأحدهم هكذا الشركاء في الدنيا ..
﴿ مَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنْ اللَّيْلِ مُظْلِمًا ﴾
لهم وجوه أسود من الليل لشدَّة بعدهم ومعصيتهم وطغيانهم وما اقترفوه في حقِّ العباد .. ﴿ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾
خاتمة :
درسنا آيتين ، فيهما موازنة بين الحياة الدنيا التي تذهب في لمحة البصر وتتلاشى..
﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا ﴾
والآيتان معلَّقتان بوشائج محسوسة مع الآية السابقة عليهما :
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
أي أن ثمار البغي لن تفيدكم إلا في الحياة الدنيا ، والحياة الدنيا موقَّتة ، وسريعة الزوال ، وشيكة التحوُّل ، أما دار السلام ، من اسمها دار السلام .. ﴿ سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ(73)﴾
( سورة الزمر )
إلى أبد الآبدين ، ولنجر موازنة بين الحياة الدنيا ودار السلام ، إن دار السلام الدعوة لها عامَّة ، وإذا كان أحد يريد تفصيلات ، فأحياناً يحوّل إلى دفتر شروط ، هذه المناقصة لكل المواطنين ، ودفتر الشروط يؤخذ من المكان الفلاني من الساعة كذا إلى كذا ، فدار السلام دعوة عامَّة ، وبعد هذا : ﴿ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
القرآن الكريم ، أو الإسلام هما أو أحدهما الصراط المستقيم .


 

رد مع اقتباس
قديم 10-14-2011, 12:06 PM   #8
كبار الشخصيات


الصورة الرمزية العفريني
العفريني غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Nov 2010
 أخر زيارة : 02-28-2014 (05:05 PM)
 المشاركات : 7,969 [ + ]
 التقييم :  154
 الجنس ~
Male
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Brown
افتراضي رد: التفسير المطول - سورة يونس لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي



﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ
من دلائل ألوهية الله تعالى :
الله مالكُ كل شيء فاطلبوا الرزق مِن عنده :
في هذه الآية مجموعة أدلة قاطعة على ألوهية الله سبحانه وتعالى وعلى ربوبيته ، من هذه الأدلة الرزق ، وكل إنسانٍ متعلقٌ برزقه ، فهذا الرزق من السماء والأرض ، فإذا كان الرجل يملك ثمن الطعام فهل يملك خلقه ؟ هل يملك صُنْعَهُ ، من جعل أشعة الشمس المسلَّطة على البحار منذ خمسة آلاف مليون سنة ؟ من جعل هذه البحار التي تزيد مساحتها على سبعين بالمائة من مساحة الأرض ؟ من جعل هذا الماء المالح يتبخر ماءً عذباً فراتاً ؟ من جعل الماء يعلق في الهواء على شكل بخار ماء ؟ من جعل الفروق الكبيرة في درجات الحرارة بين القطبين ، بين القطب الشمالي وخط الاستواء ؟ من خلال هذه الفروق الشاسعة تحرَّك الهواء ، إذا كان هناك حرٌ تمدد الهواء فتعرض المكان لضغط منخفض ، وإذا كان هناك بردٌ انكمش الهواء فصار هناك ضغطٌ مرتفع ، وبين الضغط المرتفع والمنخفض يتحرك الهواء ، من حرك الهواء ؟ من حركه حتى ساق هذا السحاب ؟ من جعله ينقلب إلى أمطار تنزل في الأماكن المناسبة ، وفي الأوقات المناسبة ، وفي الكميات المناسبة ، وفي الأنواع المناسبة ؟
قد تأتي الأمطار في أول العام فلا يستفاد منها الفائدة المطلوبة ، وقد تأتي في آخره بكمياتٍ قليلة فلا يستفاد منه ، وقد تقل الثلوج فلا تمتلئ الينابيع ، أمطارٌ غزيرة في مطلع العام ، في أواخر العام توقَّفت الأمطار ، نسبة الثلوج قليلةٌ جداً ، الينابيع معظمها جفَّ ، من يملك إنزال الأمطار من السماء ؟
ربنا عزَّ وجل لحكمةٍ بالغة ووفق عدالةٍ مطلقة يمنع الأمطار عن بعض الشعوب ، عن بعض البلاد ماذا يحصل ؟
في إفريقيا سبع سنواتٍ عجاف ماذا نتج عنها ؟ كاد الناس يموتون جوعاً ، استنجدوا بأمم الأرض ، يبس النبات ، ومات الحيوان ، وكنت أرى في بعض الصور كيف أن مئات ألوف الأبقار ملقاةً على الأرض وهي ميَّتة عطشاً ، رأيت صورةً في أستراليا الأغنام تذبح وتلقى في الوديان لعدم وجود الكلأ ، من يملك هذا الماء من السماء ؟ من يملك الأمطار ؟ الثلوج ؟ من يبخِّر ؟ من يحرِّك ؟
﴿ وَأَنزَلْنَا مِنْ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا(14)لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا(15)﴾
( سورة النبأ )
نزل الماء من السماء بقدرة من ؟ من خلق هذه الأرض وما فيها من معادن ؟ الأرض فيها كالسيوم ، وفيها فوسفور ، وفيها مغنزيوم ، وفيها حديد ، وفيها مواد آزوت ، وفيها كربون ، ومعادن وأشباه معادن ، ومواد لازمة لإنبات النبات ، من جعل هذه التربة أنواعاً ، هذه تربة زراعية ، وتلك تربة كلسية ، وأخرى تربة غضارية ، هذه تربة لحقية ، من جعل أنواع التُرَب ؟ كل هذه المواد التي نحتاجها كامنةٌ في هذه التربة إنها نعمة من رب السماء والأرض وهذا هو الإمداد .
من خلق أنواع البذور ؟ بذور الأشجار المثمرة ، بذور المحاصيل ، القمح ، الشعير ، العدس، الحمص ، بذور الخضروات ، الكوسا ، الباذنجان ، اللوبياء ، الفاصولياء ، أنواع النباتات، الخضروات ، الخضروات الصيفية ، والشتوية ، والمحاصيل ، والأشجار المثمرة ، هذه البذرة الصغيرة ، من أعطاها هذه القدرة الكامنة ؟ لتكون شجرة لها شكلٌ خاص ، لها وظائف خاصَّة ، لها إثمارٌ في وقت خاص ، لثمرتها شكلٌ خاص ، وطعمٌ خاص ، ولونٌ خاص ، من خلق هذه البذور وأودع فيها خصائصها المتعددة ؟ من جعل الرشيم وهو الكائن الحي في البذرة ؟ من ؟ أإله مع الله ؟
خلق البحار ، وخلق الشمس ، وخلق القطب ، وخط الاستواء ، وخلق قانون التبخر ، من الذي جعل الماء يزداد حجمه إذا برد على خلاف عناصر الأرض كلها ، ولولا هذه الظاهرة لمات الإنسان والحيوان ولانعدم التبخُّر ؟
﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾
إذا كنت يا أخي الكريم تملك ثمن الفاكهة فتذكَّر أنك لا تملك خلقها ، ولا تملك صنعها ، أنواع منوَّعة ، ليس هناك مجالٌ واسع للحديث عن أنواع الخضراوات ، هذه فيها فيتامين ( سي ) ، وتلك فيها مواد مقوية ، هذه فيها ألياف سيلولوزية ، وأخرى فيها مادة مخاطية ترمم الجهاز الهضمي .. كل غذاء ، كل نبات ، هذه فيها فوسفور تفيد أصحاب الأعمال الفكرية ، فأنواع الخضراوات ، والنباتات ، والفواكه ، والثمار ، القمح ثلاثة آلاف وستمائة نوع ، فالله عزَّ وجل الذي خلقه ونوّعه وجعله ، ينبت في كل أماكن الأرض ، ينبت في الجبال ، وفي السهول ، وفي الأغوار ، وفي الصحارى ، وفي المناطق الحارة ، والباردة ، والمعتدلة ، والجافة ، والرطبة ، من ؟ أإله مع الله ؟ ﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾
والأرض أودع فيها هذه المواد الأساسية ، أودع فيها المعادن ، أودع فيها أشباه المعادن ،
أودع فيها هذه البكتريات ، حينما ألقيت القنبلة الذريّة على كل من هروشيما ونكازاكي تعقَّمت التربة ، بمعنى أن الأحياء الدقيقة ماتت ، فلم تنبت شيئاً ، من خلق الكائنات الدقيقة ؟
انظر إلى طعامك :
من خلق ديدان الأرض ؟ قرأت عن ديدان الأرض مقالةً رهيبة ، لو أن ديدان الأرض ماتت لمات معها الإنسان ، لأنها عنصرٌ أساسيٌ في إنبات النبات ، ديدان الأرض ، من ؟ أإله مع الله ؟
﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾
فحينما تأكل هل ترى الله من خلال طعامك ؟ ﴿ قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾
( سورة يونس : من الآية 101 )
﴿ فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ(24)أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا(25)ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا(26)فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا(27)وَعِنَبًا وَقَضْبًا(28)وَزَيْتُونًا وَنَخْلا(29)وَحَدَائِقَ غُلْبًا(30)وَفَاكِهَةً وَأَبًّا(31)مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ(32)﴾
( سورة عبس )
﴿ قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾
بدءاً من الشمس والقمر ، والرياح ، والحرارة ، والبرودة ، وتبدُّل الطقس ، والبحار ، واليابسة ، وهطول الأمطار ، من جعل الجبال مستودعاتٍ للأمطار ؟ من جعل الثلوج مغذِّياتٍ لهذه المستودعات ؟ من خلق أنواع النباتات ؟ من خلق البذور ؟ أإلهٌ مع الله ؟! هذا الإله ألاَ يستحق العبادة ؟
هذا الذي يرزقنا ألا يقتضي أن نعبده ، هذه الذي يمدنا بالطعام والشراب ، هذا الذي ينزل علينا الأمطار ألا يستحق العبادة ؟ نعبد من دونه أُناساً مثلنا لا يملكون ضراً ولا نفعاً ، ولا حياةً ولا موتاً ولا نشورا ؟ من اعتز بمن يموت فإن عزَّه ميت ، لأن هذا الذي تعتز به إذا مات مات عِزُّك ، لكنك إذا اعتززت بالله الحي القيوم فإنك عزيزٌ كريم .
﴿ قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾
فموضوع الرزق ، موضوع الطعام والشراب موضوع كبير جداً ، وهذا ما نتعامل معه كل يوم ثلاث مرات ، إذا جلست إلى مائدة الصباح تفكَّر فيما على المائدة صنفاً صنفاً ، صحناً صحناً، الجبن ، البيض ، اللبن ، الزيت ، من أين جاء الزيت ؟ من هذه الشجرة المباركة ، من الزيتون ، تفكَّر في الخبز ، في كأس الماء ، في كأس الحليب ، في لعقة العسل ، في كل شيءٍ تأكله آيةٌ على أنه هو الخالق ، هو المربي ، هو المسيِّر ، هذه فقرةٌ أولى في الآية . ﴿ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ ﴾
أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ
1 ـ إعجاز الله ظاهر في السمع :
من شق لنا السمع والبصر ؟ فهذه الأذن ، لماذا جعل الله لنا أذنين ولم يجعل لنا أذناً واحدة ؟ سؤال ، لنا أنفٌ واحد ، ولنا أذنان ، لأنه لولا الأذنان لما عرفت مصدر الصوت ، بوجود أذنين والصوت من خلفك أودع الله سبحانه وتعالى جهازاً دقيقاً دقيقاً معقداً في المخ يحسب تفاضل وصول الصوتين إلى الأذنين ، فإذا وصل الصوت إلى هذه الأذن قبل هذه الأذن بواحد على ألف وستمائة وخمسين جزءا من الثانية ، يحكم الدماغ البشري على أن جهة الصوت من اليمين ، من جعل هذا الصيوان ؟ هذا الصيوان يُجَمِّع الأصوات ، ولو تصورنا إنساناً بلا صيوان لكان سمعه ضعيفاً جداً ، إذاً : بهذا الصيوان يقوى السمع .
أؤكد لكم هذه الحقيقة ، إذا وضع أحدكم يده هكذا يصله الصوت بشكلٍ أضخم ، وأقوى ، فهذا الصيوان من خلقه ؟ من خلقه بهذه التجاعيد ، هذه التجاعيد أي صوتٍ جاء من أي جهةٍ لابدَّ من أن يلقى سطحاً يعكسه إلى الداخل ، هذه التجاعيد من صنعٍ حكيمٍ عليم ، إن جاء الصوت بزاوية ثلاثين ، يجد سطحاً يعكسه إلى الداخل ، وعلى الزاوية ستين هناك سطح يتعاكس معه ، إن لهذا الصيوان سطوحاً من كل الاتجاهات ، فأي صوتٍ جاء إلى الأذن لابدَّ من أن يجد سطحاً يعكسه إلى الداخل ، فلو جعلنا هذا الصيوان أملس لضاع علينا صوتٌ كثير ، وضعف سمعنا .
من جعل ممرّ الأذن ضيِّقاً ؟ ولو كان أوسع من أحد أصابعنا لفقد الأطفال سمعهم لأتفه سبب ، لكن الله سبحانه وتعالى لحكمةٍ بالغة جعل قناة السمع أضيق منفذاً من أصغر إصبع في الإنسان ، ثم جعلها مِعْوَجَّة ، لو جعل غشاء الطبل في صدرها والخط مستقيم ، فقلم أو عود يفقد الإنسان سمعه ، لكن الله سبحانه وتعالى جعلها ضيقةً وجعلها معوَجَّةً ، وجعلها تنتهي بغشاء الطبل ، ما هذا الغشاء الذي يتجاوب مع أي صوت ؟ ويهتز اهتزازاتٍ قدرها العلماء بأرقام مائة وثلاثين اهتزازة بالثانية أو أكثر .. الرقم لا أذكره ، لكن هناك عتبات للسمع دقيقة جداً .. يهتز ثم يستعيد استقراره ليتلقى صوتاً جديداً ، مَن ربط هذا الغشاء بعظامٍ سمعيةٍ أربع تضخم الأصوات إلى أن يصل الصوت إلى الأذن الداخلية حيث العصب السمعي الذي يلتقط الأصوات ويرسلها إلى الدماغ ليدرك الإنسان فحوى الكلام ؟
يرن جهاز الهاتف ترفع السماعة يقول لك : هل عرفتني ؟ تقول له : أنت فلان ، كيف ؟ من زودك بذاكرةً للأصوات ؟ في مخ الإنسان ذاكرةٌ صوتية ، لاشك أن كل واحدٍ منا في حياته أكثر من مائة شخص يعرف أصواتهم واحداً واحداً ، من ؟
لا يزال علماء الجسم البشري في حيرةٍ من أن هناك صوتاً يسبب انزعاجاً سموه الضَجيج ، وأن هناك صوتاً يسبب ارتياحاً سموه النَغَم ، وما الفرق بين النغم والضجيج ؟ لا أحد يعرف سر هذا ، لماذا خلق الله سبحانه وتعالى الأذن مفتوحةً دائماً ، الإنسان بإمكانه أن يغلق عينيه ، الإنسان يغضُّ بصره عن المحارم ، لكنه لا يستطيع أن يغلق أذنه عن الأصوات ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( من استمع إلى صوت قينةٍ صب في أذنيه الآنك قيل : وما الآنك يا رسول الله ؟ قال : الرصاص المذاب ))
[ الجامع الصغير عن أنس ، وفي سنده مقال كبير ]
من استمع ، لم يقل من سمع ، أي جلست إلى جهاز اللهو ، واستمعت إلى الغناء ، وأنت تقصِدُ ذلك ، لكن إذا طرق سمعك نغمٌ لا يرضي الله وأنت لا ترضى عنه ، أغلب الظن أن هذا معفوٌ عنه ، والله وحده يعلم إن كنت راغباً في سماع هذا الصوت أو لست راغباً فيه ، ربنا عزَّ وجل قال : ﴿ فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا(11)﴾
( سورة الكهف )
لماذا قال على آذانهم ؟ لأن الأذن مفتوحة ، مفتوحةٌ دائماً ، ولماذا جعلها مفتوحةً دائماً ؟ لأنها دائرة أمنٍ للإنسان ، والإنسان إذا أغمض عينيه قد يأتيه الخطر من أقرب الناس إليه ، من أقرب شيءٍ إليه ، لكن الصوت يحذِّرُهُ ، فسائق السيارة قد لا يرى ماذا يحدث ، لكن صوتاً غريباً يجعله يقف ، فالأذن مفتوحةٌ دائماً ، رأيت مرةً جهازاً للهاتف له ضوء ، فبدل الجُلْجُل يتألَّق الضوء ، أي أن هناك مخابرة ، فقال صاحب هذا الجهاز : لو أنني لفتُّ وجهي هكذا أحدث إنساناً وجاءت مخابرة لا أدري ، لكن الصوت له وظيفة أخرى ، كيفما كنت يأتيك الصوت ، وهذا من حكمة الله عزَّ وجل . ﴿ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ ﴾
2 ـ إعجاز الله ظاهر في البصر :
وهذه العين ، المَحْجَر ، الحاجب ، كرة العين ، عضلات أنسيةٌ ، عضلاتٌ وحشيةٌ ، عضلاتٌ علويةٌ ، عضلاتٌ سفليةٌ ، عضلات مائلةٌ تحرِّكها في كل الاتجاهات ، هذه هي العين ، ثم القَرنية ذلك الجسم الشفَّاف شفافيةً تامة ، كيف تتغذى القرنية ؟ أين الشعريَّات ؟ أين الشرايين ؟
هذه القرنية لها سمةٌ خاصة تتغذى عن طريق الحلول ، أول خليةٍ تأخذ غذاءها وغذاء جارتها ، وينتقل الغذاء من خليةٍ إلى أخرى عَبْرَ الجدار الخلوي من دون أن يكون هناك شبكة شرايين وأوردة تعيق الرؤية وتحجبها ، هذه هي القرنية .
من جعل بعد القرنية القزحية ، عين فلان زرقاء اللون ، وتلك سوداء ، وأخرى عسلية ، هذه القُزَحية ؟

ظاهرة المطابقة في العينين :
من جعل فيها هذه العضلات تتسع وتضيق من دون أن تشعر ؟ إذا جاءها الضوء الكثيف ضاقت ، وأخذت من الضوء حاجتها ، وإذا قلّ الضوء اتسعت ، وأخذت من الضوء حاجتها ، فإذا نظرت إلى شيءٍ بعيد اتسعت أيضاً حتى تنضِح الرؤية وأنت في غفلةٍ عن هذا ، من جعل هذه العين ؟ من جعل هذا الجسم البلوري عدسة لكنها ذات حياة ؟ عدسةٌ مرنة يزداد إحديدابها ، أو يزداد انبساطها حيث يقع خيالها في الشبكية دائماً ، وهذا من الأشياء المعجزة ، كيف ترى الأشياء المتحرِّكة ، وتأتي جميع أخيلتها على الشبكية تماماً ؟ سمى العلماء هذه الظاهرة المطابقة ، وهي من أعقد ما يجري في العين ، هذا يعجز عنه أكبر علماء الأرض ، لأنك لو كنت تشاهد كرةً تتحرك في كل ثانيةٍ لها بعدٌ عن العين ، من يقيس هذا البعد ؟ ومن يضغط على الجسم البلوري ضغطاً يجعل خيال هذه الكرة تقع على الشبكية تماماً ؟ الله سبحانه وتعالى وهو معكم أينما كنتم .
إن ظاهرة المطابقة لا يمكن أن تشرح في مسجد لأنها تحتاج إلى صور ورسومات ، إلى توضيحات .
من جعلك ترى الأشياء المتحركة وأنت مرتاح ؟ لو أنك ترى الشيء بعد أربعين سنتيمترا فقط ما قيمة هذه العين ؟ بعد الأربعين لا تراه ، قبل الأربعين لا تراه ، لكن هذه العين تنظر إلى كل شيء ، وترى كل شيء وهي مرتاحة ، من جعل هذه الشبكية فيها مائة وثلاثون مليون عصية ومخروط ، الذي أحصى مخاريط العين ، وعصيَّاتها مُنِحَ جائزة نوبل في عام سبعة وستين وتسعمائة وألف للميلاد ، في عام سبعة وستين هناك عالمٌ توصَّل إلى أن في شبكية العين مائة وثلاثين مليون من المخاريط ومن العصيات ، يستقبل بعضها الألوان كلها ، وبعضها يستقبل اللون الأبيض والأسود فقط ، ثم من جمع هذه الشبكية في عصبٍ بصريٍ قوامه أربعمائة ألف عصب ، تذهب إلى الدماغ ؟ من جعل لك عينين من أجل أن ترى بهما البعد الثالث ؟ أن ترى الأشياء مجسَّمة ؟ أن ترى طولاً وعرضاً وعمقاً ، من ؟ إنك لن تستطيع بعينٍ واحدة أن ترى المسافات العُمقِية ، لن تستطيع أن ترى البعد الثالث في عينٍ واحدة ، ولكن العينين تريانك الأشياء مجسمةً ، لا يزال هذا سر ، إنك إذا صورت شيئاً بآلة تصوير فالصورة حجمها صغير ، ولكنك ترى الشيء بحجمه الحقيقي ، وعينك صغيرةٌ جداً ، كرةٌ صغيرة ، ترى الجبل جبلاً ، والجمل جملاً ، والإبرة إبرةً ، والنملة نملةً ، ترى الشيء بحجمه ، ولونه ، وبعده ، من خلق هذا ؟
﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ ﴾
ومن زوَّدك بذاكرةٍ للبصريات ؟ .. هناك ذاكرة للمسموعات ، وذاكرة للمشاهد ، تقول هذا المنظر رأيته من قبل ، هذا الوجه أعرفه ، هذا الكتاب قرأته ، هذا الطفل شاهدته من قبل مع أبيه ، من زودك بهذه الذاكرة ؟ ألا يستحق منك العبادة ؟ ألا يستحق منك الطاعة ؟ ألا يستحق أن تكون محباً له ؟ . ﴿ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ ﴾
وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ
المعنى الأول :
فبحسب تفكير الناس البدائي الشيء الساكن ميِّت ، فالبيضة ميتة ، من أخرج منها الدجاجة ، افتح بيضة الآن ، اقلها أو اسلقها ، وانظر ما فيها ؟ بياض وصفار ، هل من السهل أن تنقلب هاتان المادَّتان إلى صوص ؟ له سمع ، وله بصر ، وله شم ، وله فم ، وله لسان ، وله مريء ، وله حُوَيصلة ، وله أمعاء ، وله قلب ، وله كبد ، وله بنكرياس ، وله كليتان ، وله عضلات ، وله عظام ، وله أعصاب ، من ؟ .
﴿ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ ﴾
الحيوان المنوي إذا لقَّح بويضةً يصبح إنساناً سوياً ، من أودع في هذا الحيوان المنوي وفي تلك البويضة خمسة آلاف مليون صفة ؟ سموها تعليمات ، وسموها أوامر ، والعلماء قالوا : لو أن هذه التعليمات ، وهذه الأوامر كُتِبَت في كتب لكان حجمها كحجم أكبر موسوعةٍ مؤلفةٍ حديثاً .
الآن عندنا موسوعات ، دائرة معارف ، مؤلفة من أربعين أو خمسين جزءاً ، كل جزء ثلاثة آلاف صفحة ، لو أن هذه الأوامر التي أودعها الله في الحيوان المنوي ، وفي البويضة ، أردنا أن نكتبها بكتب لاستغرقت أكبر الموسوعات العلمية .
إنسان له شعر ، وهناك أنواعٌ منوَّعَةٌ من الشعر ، هناك شعرٌ جَعِد ، وهناك شعر أملس ، وهناك شعر أسود ، وهناك شعر أشقر ، وهناك شعر خشن ، وهناك شعر حريري ، أنواع منوَّعة من الشعر ، في هذا الحيوان المنوي يكمن شكل الوجه ، أهو كروي أم مستطيل أم كمثري الشكل ، في هذا الحيوان المنوي يكمن نوع العينين ، لونهما ، حجمهما ، نوع الحاجبين، أزجّين ، مفترقين ، نوع الأنف أقنى ، طويل ، قصير ، نوع الشفتين ، نوع الخدين، أملسين ، أسيلين ، قصيرين ، نوع العنق ، نوع اليدين ، لون الجلد ، طبيعة الدم ، كيمياء الدم كلها كامنة في هذا الحيوان المنوي .
﴿ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ ﴾
ثمرة واحدة زيتونةٌ من خشب ترميها في الأرض ، فتصبح شجرةً لها جذور، ولها جذع ، ولها أغصان ، ولها أوراق ، تزرعها بعلاً تعطيك زيتوناً ، ممتلئاً زيتاً ، تأكله ، وتستفيد منه . ﴿ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ ﴾
وكلما تقدم العلم فُسِّرَت هذه الآية بحسب التقدم العلمي كيف تموت الخلايا وكيف تولد الخلايا ؟ خلايا الأمعاء عمرها ثمانيةٌ وأربعون ساعة ، خلايا القلب والدماغ عمرها يوازي عمر الإنسان ، خلايا الشعر تبقى ثلاث سنوات حيّة ، الشعرة تعيش ثلاث سنوات ثم تسقط ، ينبت مكانها شعرةٌ جديدة . ﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ ﴾
المعنى الثاني :
وقد تفهم هذه الآية بشكلٍ آخر ، قد يلد الكافر مؤمناً ، وقد يلد المؤمن كافراً .
﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ ﴾
هذا بعلم الله . ﴿ وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ(45)قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ﴾
( سورة هود )
عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه أبوه أبو جهل . ﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ ﴾
البيئة ليست حُجةً :
لا تقل : بيئتي صعبة ..
﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ ﴾
قد يخرج عالمٌ من بيئةٍ جاهلة ، وقد يخلق أخلاقيٌ كبير من بيئةٍ منحطة ، وقد يخرج رجلٌ فاسقٌ من بيئةٍ صالحة ، لأن لكل إنسان اختيار.. ﴿ إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(56)﴾
( سورة القصص )
مدلول إخراج الحي من الميت والميت من الحي عامٌّ في جميع المخلوقات :
والمجال يطول ، هذه آيةٌ دلالاتها واسعةٌ جداً ، يطبق مضمونها على الإنسان ، كما يطبق على الحيوان ، وعلى النبات ، وبعد ذلك فهناك بحوث حديثة مفادها أن هناك مجَرَّات تخلق ، ومجرات تتلاشى على شكل غازات ، حتى في الكون هناك خلقٌ متجدد ، هناك خلقٌ جديد ، وهناك موتٌ لبعض الكواكب ، وهناك مناطق سوداء في الفضاء الخارجي إذا دخلتها الأرض أصبحت بحجم البيضة ، هناك كواكب غازية ، زحل غازي ، غازات متجمعة ، طبعاً كثافته قليلة ، من يحوِّل الصلب إلى سائل والسائل إلى غاز والغاز إلى صلب ؟ ثم هناك نظرية تقول : إن هناك أجراماً غازيةً تدخل في ثقوبٍ سوداء فتصبح كتلاً متراصَّة .
﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ﴾
وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
1 ـ الله يدبِّر أمرَ المخلوقات كلها :
فأحياناً تجد أن الجو ارتفعت حرارته بشكلٍ غير طبيعي ، هذا من أجل أن يتفتَّح الزهر ، يسميه العوام : ( عبوء الزهر ) ، من يدبِّر الأمر ؟ أحياناً تأتي رياحٌ عاتية في أيام الربيع ، هذه رياحٌ لواقح من أجل إلقاح النباتات ، من يدبِّر الأمر ؟ يأتي بردٌ شديد فيهلك كل الكائنات الضارة في التربة ، يأتي حرٌ شديد فتكسب الفواكه طعمها الحلو المذاق ، من يدبِّر الأمر ؟ مِن إشراق الشمس إلى غروبها ، القمر ، الأرض ، يقول لك : منخفضات ، من يدبِّر الأمر ؟ منخفضات ، منخفض وراء منخفض ، هنا صقيع ، هنا برد ، هنا حر ، هنا جو رطب ، هنا رياح شديدة ، يقول لك: رياح شرقية لها فوائد ، رياح غربية لها فوائد ، الشرقية باردة ، الغربية دافئة ، الغربية يأتي معها أمطار ، الشرقية يرافقها صقيع ، هذا مفيد وهذا مفيد ، ومن يدبِّر الأمر ؟ 2 ـ الله يدبِّر أمرَ الإنسان كلَّه :
شيء آخر : أمر الإنسان من يدبِّره ؟ إلى هنا تناولنا في شرحنا أمر الكون الذي تحدثت عنه الآية الكريمة ، لكن الآية مطلقة ..
﴿ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ﴾
شاب يطلب الزواج ، يطلب العفة مثلاً ، فالله عزَّ وجل يجمعه مع إنسان يلهمه أن يسأله عن وضعه العائلي ، فيقول له الشاب : لست متزوجاً فيؤمّن له بيتاً ، فدّبر لهذا الشاب ، من يدبر الأمر ؟
أحد الناس يريد أن يشتغل في عمل يدرّ عليه أسباب معيشية وعائلته ، يلهمه مصلحة يشتغل فيها ، يأتيه الزبائن ، يبعثهم ربنا إلى متجره ، يبيع يشتري ويربح ، ويشتري طعاماً لأولاده ، يدخل بيته معه قوت عياله ، من يدبِّر الأمر ؟ الله سبحانه وتعالى ، هذه أدلةٌ قاطعة على ربوبية الله ، وعلى ألوهيته ، وعلى حكمته ، وعلى تسييره .
﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾
أمر عجيب .. ﴿ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾
إنه اعتراف لكن بغير تطبيق : فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ
قال أعرابيٌ للنبي عليه الصلاة والسلام : جئتك لتعلمني من غرائب العلم ، فقال النبي الكريم: فماذا صنعت في أصل العلم ؟ قال : وما أصل العلم ؟ قال : هل عرفت الرب ؟ قال : ما شاء الله ؟ قال : فماذا صنعت في حقه ؟ قال : هل عرفت الموت ؟ قال : ما شاء الله ؟ قال : فماذا أعددت له ؟ فأدق نقطة بهذه الآية هذه الكلمة ، إذا كنت تعرف هذا تماماً فلماذا لم تأخذ حتى الآن موقف يتناسب مع هذا الإيمان ؟ إن كنت تقول : الله يرزقني ، والله جعل لي السمع والأبصار ، والله يدبِّر أمري ، فلمَ لا تطيعه ؟ ماذا تنتظر ؟
تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمرك في المقال بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعتـه إن المحب لمن يحب مطيع
***

فإذا لم تأخذ موقفاً عملياً تجاه ربك ، وإذا لم تتقصَّ سُبُلَ طاعة الله عزَّ وجل ، إذا ما اجتنبت نواهيه ، فهذه المعرفة لا قيمة لها . ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾
( سورة الأنفال : من الآية 72 )
إذا لم يأخذ الإنسان موقفاً عملياً ، ويسمع الحق ، ويعمل به ، فإيمانه إدعاء ليس أكثر فلماذا هذه المعصية في البيت ؟ ماذا تنتظر ؟ ألا تحس بالتناقض ؟ هل تقول : هي حرام ، تجيبني : نعم حرام ؟ إذاً : لمَ لا تزيلها فوراً ؟ كيف يرضى الإنسان أن تركن نفسه ، وهناك خلل بين ما يعتقده وما يفعله ؟ كيف يرضى عن نفسه وهو لا يتِّبع ما يقتنع به من سبيل الإيمان ؟ ﴿ أَفَلَا تَتَّقُونَ(31)فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ ﴾
فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَال
أما هذه الآية ، والله الذي لا إله إلا هو لو عرفنا دلالاتها حق المعرفة ، لو فهمنا أبعادها لعقدنا التوبة من توِّنا دون تباطؤ أو تراخٍ ..
﴿ فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾
1 ـ لا يمرُّ بين نقطتين إلا خطّ مستقيمٌ واحدٌ :
إذا كان الخط المستقيم يمر بين نقطتين فهل يمكن أن يمر بين هاتين النقطتين خطٌ آخر لا ينطبق عليه ، ويكون مستقيماً ؟ مستحيل ، بين نقطتين لا يمر إلا مستقيمٌ واحد ، فإذا قال ربنا عزَّ وجل :
﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
(سورة الأحزاب : من الآية 33)
فلو أن المرأة لم تفعل هذا وتستجب لدعوة ربها وأمره لكانت في الضلال ، هذا هو الحق . 2 ـ الحق هو الشيء الثابت :
معنى الحق الشيء الثابت ، حق الشيء أي استقر ، فإذا بنيت جداراً على الشاقول تقول : هذا جدار حق ، أي يستمر ، يبقى ، فإذا بنيته من غير شاقول ، وكان مائلاً هذا سوف يقع ، فتعريف الحق أنه يثبت والباطل يزول .
﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ﴾
( سورة الإسراء : من الآية 81 )
الحق الشيء الذي رسمه الله سبحانه وتعالى منهجاً للبشر ، فأي منهجٍ آخر فهو باطل ، إن لم تعتقد بالله رباً فعقيدتك باطلة ، إن لم تعتقد بالله إلهاً فعقيدتك باطلة ، إن لم تصل فأنت مبطل ، ولو تفلسف الإنسان ، وزعم أنه ذو فكرٍ مُنْفَتِح ، وأنه يقرأ ، وأنه يطالع ، ما دمت لا تصلي فأنت مبطل . ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾
3 ـ إمّا الحق وإما الباطل :
العلماء قالوا : " ليس في الأرض منزلةٌ ثالثة بين الحق والباطل ، إما أنك على حق ، وإما أنك مبطل " ، إن لم يكن اسمك في قائمة الناجحين فماذا يعني هذا ؟ أنك راسبٌ ، فهل هناك قائمة ثالثة ؟ لا توجد قائمة ثالثة ، إما أن يكون اسمك في قائمة الناجحين ، وإما أنك راسب ، ولا توجد حالة ثالثة ، في بلد فيها جامعة واحدة ، إما أن تكون من طلاَّب هذه الجامعة ، أو خارجها ، لا توجد حالة ثالثة ، فالإنسان إن لم يعتقد بالله رباً ، إن لم يعتقد به خالقاً ، إن لم يعتقد به إلهاً يعبد ، فعقيدته باطلة ، فالأرباب الذين يزعمهم من دون الله مبطلون ، فالآلهة الذين يعتقدهم مبطلون .
﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾
أي إذا لم ينطبق سيرك على الخط المستقيم فشيء قطعي أنك مُبطل ، ولا توجد حالة ثالثة ، وهنا لا مجال للمجاملة ، قضية مصيرية ، قضية سعادة أبدية أو شقاء أبدي ، لا يوجد عندنا أنصاف حلول ، الإسلام إما أن تأخذه كله أو تدعه ، أما أن تأخذ منه ما شئت ، فأخذك منه ما شئت كأنَّك تركته كله ، فالأمر ليس هوىً يتبع . ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾
الحق هو الذي حقَّه الله ، إنما الحق هذا القرآن ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ : (( ... أَنْتَ الْحَقُّ ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ ، وَالنَّارُ حَقٌّ ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ ، وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقٌّ ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ ... ))
[ البخاري ومسلم ]
4 ـ النشاط الإنساني إما حقٌّ وإما باطل :
هذه بعض مناجاته ربه في جوف الليل ، أي إن لم تؤمن بهذا النبي فإيمانك باطل ، إن لم تؤمن بهذا القرآن فعقيدتك باطلة ، ليس هناك شيء وضعي آخر يحل محله ، هذا هو الحق ، فلو أن التشريع الوضعي كان كالقرآن ، وانطبق عليه لكان حقاً ، بل وكان قرآناً ، وإن خالفه فهو باطل ، وهذا هو الحق ، ليس من حالة ثالثة ، غض البصر هو الحق ، العلاقة بالمرأة لها حق واحد وهو الزواج ، وأي علاقة أخرى باطلة .
﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾
وبالنسبة لكسب المال ، فإن الشرع حدد سبل كسبه ، فالهبة جائزة ، والإنسان يتملَّك المال حلالاً بالهبة ، وبالإرث ، وبالتجارة ، وبالكسب الحلال ، أي طريق آخر فهو باطل . ﴿ فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾
والله قضية مصيرية وخطيرة ، الإنسان يتفحَّص سلوكه اليومي ، يتفحَّص قِيَمَه ، لماذا يؤمن ؟ ماذا يفعل في اليوم ؟ هل يفعل شيئاً خلاف القرآن ؟ إذاً هو مبطل . 5 ـ الحقُّ يقابل الضلالَ أيضًا :
ربنا عزَّ وجل مرة قابل الحق بالباطل ، ومرة أخرى قابله بالضلال ، إذا انطلق أحد باتجاه حمص مثلاً ، ولكنه سلك طريقاً لا يؤدي إلى حمص ، بل يؤدي إلى بغداد مثلاً ، فإننا نقول : ضل الطريق ، الضلال أن تسير في جهةٍ لا توصلك إلى هدفك ، فما هو الهدف الكبير ؟ السعادة ، فالضلال أي سلوكٍ يؤدي إلى الشقاء فهو الضلال .
﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾
( سورة الإسراء : من آية 9 )
بالزواج تسعد ، وبغير الزواج تشقى ، بكسب المال الحلال تسعد ، وبكسبه حراماً تشقى ، باتصالك بالله تسعد ، وبانقطاعك عنه تشقى ، إذاً صار معنى الضلال هو الطريق الذي لا يوصلك إلى هدفك ، ولو عرف الضَّالون أنهم سائرون في طريق شقائهم لما ساروا . 6 ـ لابد من معرفة طريق السلامة حتى نسلكه :
إذاً ما هي الأزمة ؟ أزمة مَعْرفةٍ ، إما أن تعرف ، وإما ألا تعرف ، لو عرفت حُلَّت القضية ، ليس على وجه الأرض رجلٌ واحد يتمنَّى الشر لنفسه ، أو يتمنى الشقاء لنفسه ، فحب السلامة فطرةٌ في الإنسان ، إذاً : بقي عليك أن تعرف أين طريق السلامة ، إنه طريق الحق ، وغيره باطل ، باطل ، شيء آخر ربنا عزَّ وجل قابل الحق بالضلال وقابله بالباطل ، الحق من خصائصه الثبات والديمومة ، والباطل من خصائصه الإزهاق .
﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا(81)﴾
( سورة الإسراء )
الإنسان المبطل يتلاشى هو ومبدؤه ، لكن من دعا إلى الله عزَّ وجل ، من تمسك بكتاب الله فهو خالدٌ خلود الحق ، إذاً من تعلق بالباطل زهق مع الباطل ، ومن تعلّق بالحق خَلُدَ في جنةٍ عرضها السماوات والأرض مع الحق . ﴿ فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾
تذكَّروا مثل الناجحين ، هناك قائمة واحدة للناجحين ، إن لم يكن اسمك في هذه القائمة فهذا الطالب راسبٌ حتماً ، إذا لم ينطبق سلوكك على القرآن فالحكم القطعي أن هذا الإنسان مُبْطِل ، وفي طريق الهاوية والشقاء ، والسعيد من عرف الحقيقة قبل فوات الأوان ، لكن جميع بني البشر سيعرفونها ، ولكن بعد فوات الأوان . ﴿ يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24)فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ(25)وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ(26)﴾
( سورة الفجر )
﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا(27)يَاوَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا(28)﴾
( سورة الفرقان )
لكن متى ؟ بعد فوات الأوان . ﴿ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾
( سورة يونس : من الآية 90)
فقال له : أي لفرعون . ﴿ أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾
( سورة يونس : من الآية 91)
7 ـ البطولة أن تعرف الحق في الوقت المناسب :
البطولة أن تعرف الحق في الوقت المناسب ، أن تعرفه وأنت شاب ، وأنت في مقتبل العمر ، أن تبني مستقبلك وفق الحق ، أن تبني زواجك على الحق ، أن تبني عملك على الحق ، فإذا عرف الإنسان الحق متأخراً وله أربٌ و مصلحة في أمرٍ ما ، ولا يستطيع أن يتخلى عن مأربه ، فالباطل يفترسه ، قال لي أحدهم : دعوت صاحبي للجامع مرتين وثلاثا وأربعا وخمسا ، فيقول لي : مصلحتي لا تتناسب مع الجامع ، أتناقض مع نفسي ، قلت له : غيِّرها ، قال لي : والله من الصعب أن أغيرها ، إذا عرفت الله عزَّ وجل في وقتٍ مبكِّر تبني زواجك وكل مصالحك على أساسه .
قال لي أخ آخر : إنه خطب امرأة أعجبه جمالها ، فلما اهتدى إلى الله أبت أن تهتدي معه ، وظلت على طريقتها التي لا ترضي الله ، الآن هو يشقى بها ، يشقى بهذه الزوجة ، فإذا عرفت الحق في وقتٍ مبكر تبني زواجك على أساسه ، وتبني عملك على أساسه ، فتسعد بزواج وبعملك .

﴿ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾
في إعادة الحق إحقاقٌ للحق وإبطالٌ للباطل :
هل بين الشركاء المزعومين من يبدأ الخلق ، أي أنه يخلق ؟ فمن خلق الشمس ، والقمر ، والأرض ؟ من يعيد خلق الإنسان ؟ هذه الآية دقيقة جداً ، لو أن الله عزَّ وجل بدأ الخلق ولم يعده لكان في مبدأ الخلق نقص ، المحسن لم يأخذ جزاءه ، والمسيء لم ينل عقابه ، لكن الله عزَّ وجل بدأ الخلق ، وسوف يعيده لينال كل إنسان جزاء عمله ، هذا يوم الدين ، بدأنا خلقاً وسوف يعيدنا مرةً ثانية ليلقى كلٌ منا جزاء عمله .
﴿ وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴾
( سورة النساء )
﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ(47)﴾
( سورة الأنبياء )
﴿ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾
هذه الآية جميلة الدلالة جداً .. ﴿ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾
في إعادة للخلق إحقاق للحق وإنصاف للعباد يتبعه تكريم للمؤمنين ، إذ يخلدون في جنة عرضها السماوات والأرض فأنت خُلقت ، وأعطيت سمعا وبصرا ، ودماغا ، وتفكيراً ، وحريةَ اختيار ، وشهوات أودعها الله فيك ، وقال لك : تصرف ، وسوف أحاسبك على كل حركةٍ وسكنة في يوم الدين ، مالك يوم الدين ، فهنيئاً لمن عرف الله في الحياة ، المشكلة ليست الآن ، لكن المشكلة في الخلق الثاني ، الطلاب جميعاً في العام الدراسي متساوون ، لكن المشكلة بعد الامتحان ، بالامتحان ينفرز الطُلاَّب إلى ناجحين وراسبين ، إلى أعزَّة وإلى أذلة ، إلى متفوقين يعلو وجوههم البشر ، وإلى مهزومين يعلو وجوههم القنوط . ﴿ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلْ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ ﴾
إذاً نستدل على الله عزَّ وجل بخلقه .
الآن هناك دليل آخر ، لا يقلّ عنه :
﴿ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ﴾
الله خلَق الخلق وهداه إرشادًا إلى الحق :
للتقريب مثلاً : تجد الدولة شقت طريقاً عريضاً ، بعد فترة وضعت عليه لافتات ، من هنا للمكان الفلاني ، هنا ممنوع المرور ، هنا مسموح ، هناك منعطف خطر ، أنت إذاً إزاء شيئين ، عملية بناء ، و عملية إرشاد ، باللافتات عملية إرشاد ، والدولة حريصة على أن يسلك الناس هذا الطريق ، وحريصةٌ على سلامتهم ، وعلى وصولهم إلى أهدافهم ، فشقت لهم هذا الطريق ، وأقامت لهم العلامات على جوانبه ، فدائماً بالنسبة لخلق الإنسان شيئان خلق وهدى ..
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾
( سورة فاطر : من الآية 1 )
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا(1)﴾
( سورة الكهف )
خلق وهدى .. ﴿ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى(1)الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى(2)وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى(3)﴾
( سورة الأعلى )
﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ(62)﴾
( سورة الزمر )
فهنا : ﴿ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلْ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ ﴾
أين أنت ذاهب ؟ فإذا كان الفحص غداً الساعة الثامنة ، وغرفتك جاهزة ، والكتاب مفتوح ، يقول الأب لابنه : أين أنت ذاهب ؟ لابد من أن تجتهد يا بني وتذاكر ، أنت في مرحلة إعداد ، والوقت ثمين جداً ، أين ذاهب ؟ ﴿ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ ﴾
فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ
ما دام الله عزَّ وجل خلق الخلق ، وينتظر منك أن تطيعه ، فأنى تصرف عنه ؟ إلى أين تلتفت ؟
﴿ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلْ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى ﴾
هذا الصنم ليس فيه ما يهديك ، لا يستطيع أن يتحرك من دون أن تحركه ، هل يتحرك بذاته ؟ معنى يَهِدِّي يتحرك ، لا يستطيع أن يتحرك إلا أن تحركه أنت ، هذا يهديك ؟ ﴿ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(35)وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا ﴾
وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا
أي أن عقائد معظم الناس ، وتفكيرها ، وتصوراتها ، وثقافتها ، معارفها ، معلوماتها من نوع الظن ، والظن لا يغني من الحق شيئاً .
قال عليه الصلاة والسلام :

(( قيدوا العلم بالكتابة ))
[ ورد في الأثر ]
أحدهم قرأ مقالة خلاصتها أن الدواء الفلاني يطيل العمر ، هذا باطل ، لأن ربنا عزَّ وجل قال : ﴿ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ(34)﴾
( سورة الأعراف )
أيُّ شيء يخالف كلام الله فهو باطل :
انتهى الأمر ، فهذه المقالة باطلة ضع عليها إشارة ضرب ، كلام فارغ جزاف ، أحدهم قال لك : أنا رأيت الجن ، كلام لا أصل له ، بل هراء .
﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ﴾
( سورة الأعراف : من الآية 27 )
يمكنك أن تلغي مائة قصة بهذا الموضوع ، مائتي قصة ، مليون قصة، كله كذب ، صار باطلاً ، فأيّ علم ، أي قصة ، أي حادثة ، أي مقالة قرأتها وفق كتاب الله حق ، خلافه باطل ، فربنا عزَّ وجل سماه باسم ثالث ظن ، ليس مؤكداً ، فإذا بنى إنسان مصيره على أشياء غير صحيحة أو غير ثابتة ، فهو من أهل الظن والريب ، فإن مات وهو مسلم بالهوية ، أيريد بعد ذلك من رسول الله أن يشفع له ؟ هذا ظن .. بل وَهم . ﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ(19)﴾
( سورة الزمر )
الشفاعة حق ، ولكن لمن دخل الجامعة مثلاً ، فإذا دخل للجامعة فإنه يجد من يعاونه ، ويقدم له الكتب ، ويهيئ له قاعة مطالعة ، ومكتبة عامرة ، وقد يُعطى راتباً ، وغرفة بالمدينة الجامعية ، كلها لمن ؟ لمن دخل الجامعة ، أما إذا كنت خارج الجامعة الشفاعة ليست لك ، إذا ظن بعضهم أن الشفاعة لكل واحد انتمى انتماء شكلياً للنبي عليه الصلاة والسلام ، انتماؤه شكلي ، فهذا ظن ، والظن خطر ، يأكل مال حرام ، يغش الناس ، يختلس النظر ، يصافح النساء ، يتغزَّل ، يجلس جلسات منكرة ، وظنه أن رسول الله يشفع له يوم القيامة ، معنى ذلك أنه خرب بيته ، وعاقبته البوار لا محالة . ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾
أي أن الأمر خطير جداً ، تحقق من كل فكرة تعرفها ، من كل قصة تسمعها ، هناك قصص غير صحيحة ، اجعل القرآن إمامك ، قيدوا العلم بالكتاب ، فأي قصةٍ أو فكرةٍ أو عقيدةٍ ، وافقت كتاب الله فهي حق وإلا فهي باطل .


 

رد مع اقتباس
قديم 10-14-2011, 12:07 PM   #9
كبار الشخصيات


الصورة الرمزية العفريني
العفريني غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Nov 2010
 أخر زيارة : 02-28-2014 (05:05 PM)
 المشاركات : 7,969 [ + ]
 التقييم :  154
 الجنس ~
Male
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Brown
افتراضي رد: التفسير المطول - سورة يونس لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي



﴿ فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّا تُصْرَفُونَ ﴾
فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّا تُصْرَفُونَ
1 ـ حقٌّ أو باطل ، ولا ثالث لهما :
ليس في الحياة إلا شيئان : حقٌّ وباطلٌ ، فإن لم يكن المرء على الحق فهو في الباطل ، في طعامه ، وفي شرابه ، وفي كسبه ، وفي زواجه، وفي عقيدته إن لم يكن مع الحق فهو مع الباطل ، ليس هناكٌ مرتبةٌ ثالثة ، وليس في الآخرة مرتبةٌ ثالثة ، << فو الذي بعث محمداً بالحق ما بعد الدنيا من دار إلا الجنَّة أو النار >> ، أي أن الموقف حاسم ، يجب أن تتخذ قراراً مصيرياً ، إما أن تكون مع الحق ، وإن لم تكن كذلك فلابدَّ من أن تكون مع الباطل ، إما أن تحبَّ المؤمنين ، وإن لم تكن كذلك فسوف تحبُّ الفاسقين ، إما أن تكون سعيداً ، وإن لم تكن كذلك فلابدَّ من أن تكون شقيَّاً ..

(( الناس رجلان : برٌّ تقيٌّ كريمٌ على الله ، وفاجرٌ شقيٌّ هيّنٌ على الله ))
[ ورد في الأثر ]
﴿ فَأَنَّا تُصْرَفُونَ ﴾
2 ـ فَأَنَّا تُصْرَفُون
إلى أين أنتم ذاهبون ؟ ماذا في الدنيا ؟ هل فيها غناءٌ عن الآخرة ؟ هل وحدها تسعد الإنسان ؟
﴿ فَأَنَّا تُصْرَفُونَ ﴾
عندما يسير الإنسان في طريقٍ مسدود ، أو طريق مهلِك يقول له صاحبه المشفق عليه : إلى أين أنت ذاهب ؟ هذا طريق الشقاء . ﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
1 ـ الفاسق لا يؤمن :
هناك علاقةٌ ترابطيَّةٌ كما يقولون ، الفاسق لا يؤمن ، وإن لم يكن الرجل مؤمناً فلابدَّ من أن يفسق ، أي أن كلا الطرفين يكون سبباً للآخر ونتيجةً له .
﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا ﴾
2 ـ معنى : فَسَقُوا
معنى فسقوا أي خرجوا عن أمر الله ، كل إنسانٍ خرج عن أمر الله لن يؤمن ، لماذا ؟ لأنك إذا ناقشته سوف يدافع عن انحرافه ، لن يناقش الأمر مناقشةً موضوعيَّة ، لن يتجرَّد عن هواه ، متلبِّسٌ بالهوى ، غارقٌ في شهوته ، غارقٌ في انحرافه ، إذا ما ناقشته فسوف يدافع عن انحرافه ، هذه فكرةٌ أساسيَّة ..
﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
3 ـ المتلبِّس بالمعصية لا يقرّ بالحقيقة :
الفاسق لا يؤمن ، لو أنَّ إنساناً تلبَّس بالربا ، وحضر مجلس علمٍ ذُكِرَ فيه الربا وتحريمه قد يقول : هذا الأستاذ لا يعرف الحقيقة ، الربا الآن لابدَّ منه ، لماذا يرفض هذا المستمع هذه الحقيقة ؟ لأنه متلبِّسٌ بها .
﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ(1)فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ(2)﴾
( سورة الماعون )
﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾
( سورة القصص : من الآية 50 )
لذلك : ﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
أي أنه من القوانين الثابتة ، من سنن الله في خلقه أن العاصي لا يؤمن ، والمنحرف فاسق ، وأن الذي لا يؤمن لابدَّ من أن يحمله عدم إيمانه على الفسق ، والعلماء قالوا : " بين الفسق والإيمان علاقةٌ ترابطيَّة " ، أي أن الفسق يؤدِّي إلى عدم الإيمان ، وعدم الإيمان يؤدي إلى الفسق ، فحيثما تلبَّس الإنسان بإحدى الخصلتين قادته إلى الثانية ، فإذا كان فيه فسق تجده يردُّ الحق ، إذا كان يؤثر الاختلاط في المجالس ، وذكرت له أن الاختلاط حرام يقول لك : لا هذا كلامٌ غير صحيح .. رجل متلبِّسٌ بشرب الخمر فتعلَّق بكلمةٍ موضوعةٍ في الإنجيل " أن قليلاً منه ينعش الروح " ، وتعلَّق بآيةٍ زعم أن الله عندما قال : ﴿ فَاجْتَنِبُوهُ ﴾
أن الخمر ليست حراماً ، ولو كانت حراماً حسب زعمه لقال سبحانه : حُرِّم عليكم ، لماذا يردُّ الحق ؟ لماذا يتعلَّق بالباطل ؟ لأنَّه متلبِّسٌ بشرب الخمر .. ﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
4 ـ لمعرفة الحقيقة لابد من التجرد من الهوى :
لن تستطيع أن تعرف الحق إلا إذا تجرَّدت عن هواك ، إذا تجرَّدت عن الهوى فهذا ثمن الحقيقة ، ثمن الحقيقة كي تعرفها أن تكون حيادياً ، أن تقبل الحق ولو كان على نفسك ، هذا الذي يأتي إلى مجلس العلم ، ويصغي للحق ، وإذا ذكر في مجلس العلم شيءٌ يدينه فإنه يقول : أنا مقصِّرٌ فيه : والله الحق عليَّ ، إن شاء الله سأتوب من هذا الذنب ، إذاً : هذا صادق ، وهذا مؤهَّل أن يعرف الحقيقة ، ثمن الحقيقة التجرُّد عن الهوى ، أما من كان متلبِّساً بهواه فلن يؤمن ، بل يكابر ..
﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
فكل واحد منَّا يحاسب نفسه ، لو كان متلبِّساً بمعصية ، وحضر جلسة معيَّنة من جلسات العلم والإيمان ، ورأى نفسه يرد الحق فليعرف السبب ، فتلبُّسه بهذه المعصية حمله على ردِّ الحق ، ولو أنه لم يؤمن ، واكتفى بالاعتقاد ، وحضر مجلس العلم ولم يَعِ ما يُقال فيه ، ولم يتبنّ ما يُقال فيه ، ولم يفكَّر ، ولم يدقِّق ، ولم يحقِّق ، ولم يبحث بحثاً ذاتياً ، هذا التقليد الأعمى لابدَّ من أن يحمله على الفسق .
إذاً : هذه آيةٌ خطيرة من أمَّهات الآيات :
﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
علاقةٌ ترابطيَّة ، الفسق سبب عدم الإيمان ، وعدم الإيمان سبب الفسق ، وحيثما تلبَّس الإنسان بإحداهما قادته إلى الأخرى .
الآن :
﴿ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾
قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
1 ـ الله وحده بدأ الخلقَ :
قلنا في الدرس الماضي : إن الله سبحانه وتعالى بدأ الخلق ، أي أنه خلق الأرض ، وخلق السماوات ، وخلق المجرَّات ، وخلق الشمس والقمر، وخلق الإنسان ، وخلق الحيوان ، وخلق النبات ، حينما بدأ الخلق تجسَّدت عظمته في الخلق ، تجسَّد علمه في الخلق ، حينما بدأ الخلق ظهرت أسماؤه الحسنى من خلال الخلق ، ظهر عطفه ، ورحمته ، وجماله ، وعلمه ، وقدرته ، وغناه ، لكن :
﴿ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾
2 ـ إعادة الخلق لإظهار عدل الله تعالى :
لماذا يعيد الله الخلق مرَّةً ثانية ؟ لتظهر عدالته ، نحن في دار عمل وسوف نأتي إلى دار جزاء ..
﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ﴾
( سورة فصلت : من الآية 40 )
افعل ما شئت ، كلُّه مسجَّلٌ عليك ، كل من أموال الناس ما شئت أو ترفَّع عنها ، انظر إلى الحرام ما شئت أو غُضَّ بصرك ، قل الصدق أو اكذب ، افعل ما شئت ، كلُّه مسجَّلٌ عليك ، أنت في دار عمل ، وسوف تَرِدُ دار الحساب والشقاء ، وسوف ترد دار الجزاء ، لذلك قالوا : " الدنيا دار تكليف والآخرة دار تشريف " ، تشريف للمؤمن ، ودار عذابٍ لغير المؤمن.. ﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ﴾
( سورة فصلت : من الآية 40 )
﴿ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلْ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾
بدأه وسوف يعيده ، بدأه وتجلَّت من خلاله أسماؤه الحسنى ، وسوف يعيده ليتجلَّى عدله المُطْلَق ، في الدنيا تجد فقيراً وتجد غنياً ، هناك قوي وهناك ضعيف ، فيها صحيح وفيها مريض ، تجد إنساناً له زوجة مطيعة ، وتجد إنساناً له زوجة مشاكسة ، إذا انتهت الحياة بالموت ، ولا شيء بعد الموت يقول هذا الفقير : يا رب لماذا خلقتني فقيراً ؟ ولماذا أغنيت فلانًا ؟ ما ذنبي ؟ وما ميزته ؟ ويقول هذا الضعيف : لماذا خلقتني ضعيفاً ؟ ﴿ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾
نحن في دار امتحان ، نحن في دار ابتلاء :
(( إنَّ هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح ، من عرفها لم يفرح لرخاء ـ لأنه مؤقَّت ـ ولم يحزن لشقاء ))
[ ورد في الأثر ]
لأنه مؤقَّت .
إذا دخل إنسان إلى بيت فخم جداً ربع ساعة ، هل يشعر أن هذا البيت له ؟ لا ، إنه جميل ، ولكن ليس له ، نحن في دارٍ مؤقَّتة ، نحن مثلُنا كمثل راكب ناقةٍ جلس في ظل شجرةٍ فاستراح قليلاً ، ثم عاد وركب .. ومشَى .. كن في الدنيا كأنَّك مسافر أو عابر سبيل ، كن في الدنيا كأنك غريب .
إذاً : إعادة الخلق من أجل تحقيق العدالة ..
(( ألا يا ربَّ نفسٍ طاعمةٍ ناعمةٍ في الدنيا جائعةٍ عاريةٍ يوم القيامة ، ألا يا ربَّ نفسٍ جائعةٍ عاريةٍ في الدنيا طاعمةٍ ناعمةٍ يوم القيامة ، ألا يا ربَّ مكرمٍ لنفسه وهو لها مهين ، ألا يا ربَّ مهيناً لنفسه وهو لها مكرِم ))
[ ورد في الأثر ]
وكما قال الإمام عليٌّ كرَّم الله وجهه : << الغنى والفقر بعد العرض على الله >> . ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ(185)﴾
( سورة آل عمران )
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾
( سورة الأنفال : من الآية 24 )
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ(38)﴾
( سورة التوبة )
إذاً : الله يبدأ الخلق ثم يعيده ، بدأه ، وعرفنا من خلال بدئه أسماءَه الحسنى ، وسوف يعيده ، وسيتحقَّق من إعادة الخلق عدالته المطلقة .
ثم يقول الله عزَّ وجل :
﴿ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلْ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾
قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلْ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ
1 ـ الله خَلَق وهدى :
اتضح من الآيتين أن الله سبحانه وتعالى في أكثر من آية في القرآن الكريم بيَّن أنه :
﴿ خَلَقَ فَسَوَّى(2)وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى(3)﴾
( سورة الأعلى )
﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(8)﴾
( سورة الشمس )
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾
( سورة فاطر : من الآية 1 )
﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ ﴾
( سورة الفرقان : من الآية 1 )
فكأن الذي ظهر أن هذا القرآن الكريم يعدل الكون .. ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ(75)وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ(76)إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ(77)﴾
( سورة الواقعة )
صار عندنا كما قال بعض المصلحين : " إن لله في خلقه كتابين الكون والقرآن " ، الله سبحانه وتعالى خلق وهدى .. ﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى(49)قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى(50)﴾
( سورة طه )
مرَّ معي في بعض الأبحاث أن سمكاً اسمه سمك السلمون ، يتوالد في أعالي الأنهار في أمريكا الشماليَّة والجنوبيَّة ، وينتقل برحلةٍ شاقَّةٍ شاقة إلى المحيط الأطلسي ، إلى سواحل فرنسا ، ثم يعود أدراجه إلى مسقط رأسه هناك ، وضع مركزُ بحوث لبعض الأسماك أو لأعدادٍ وفيرة منها قِطعاً معدنيَّة مسجل عليها تاريخ اليوم والشهر والسنة ، هذه الأسماك بعد أشهر عادت إلى مسقط رأسها ، الشيء الذي يُحَيّر العقل أن هذه الأسماك وهي في المحيط الأطلسي كيف عرفت طريق العودة إلى مسقط رأسها ؟ لو أنها انحرفت درجة واحدة لجاءت في مصبِّ نهرٍ آخر ، لو أنَّها انحرفت درجتين لجاءت في أمريكا الجنوبيَّة بدل الشماليَّة ، هل معها بوصلة ؟ معها خرائط ؟ معها إحداثيَّات ؟ هل معها اتصال لاسلكي مع مراكب للتوجيه البحري ؟ كيف عرفت طريقها ؟ بعض العلماء أخذوا بعض الأسماك ، وحملوها إلى مصبِّ بعض الأنهار في أوروبا وهي صغيرة ، حينما كبرت سارت إلى الأطلسي ، وعادت إلى أمريكا ، لا يزال هذا سرَّاً ، ما الذي يسيِّر هذه السمكة ؟ شيء يعجز عن تفسيره وتعليله علماء البحار ، يعجز عنه المتخصِّصون ، يعجز عنه ربابنة السفن ، وأنت على سواحل فرنسا تشاهدها تتجه تحت البحر لا ترى شيئاً ، تتجه إلى مصبِّ الأمازون وتبلغ غايتها ؟!! هذا من هداية الله عزَّ وجل ، هذه الظاهرة لا تُفَسَّر إلا بالقرآن .. ﴿ الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى(50)﴾
( سورة طه )
الحيوان هداه إلى طعامه ، هداه إلى شرابه ، هداه إلى دوائه ، قد يُصاب الحيوان بمرض ، يذهب إلى البستان يبحث عن حشيشةٍ بعينها فيأكلها فيشفى ، هداه إلى طعامه ، هداه إلى شرابه ، هداه إلى طريقة توالده ، هداه إلى أنثاه ، هداه إلى كل شيء ، لكن الإنسان أعطاه الفكر وبالفكر ارتقى الإنسان ، وهدى الله الإنسان إليه ليعرفه فيعبده ، الحيوان هداه إلى طعامه وشرابه ، لكن الإنسان هداه إليه عن طريق ماذا ؟ عن طريق الكون ، ثم عن طريق ماذا ؟ عن طريق الأنبياء ، وعن طريق الكتب ، وعن طريق ورثة الأنبياء .. الدعاة إلى الله .. وعن طريق المصائب ، وعن طريق الضيق ، وعن طريق الغنى ، وعن طريق الفقر ، وعن طريق المرض ، وعن طريق الصحَّة .. ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ(7)﴾
( سورة الرعد )
والله شديد المحال ، إذاً : ﴿ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلْ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ(34)قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلْ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى ﴾
أي أن هذا الصنم الذي لا يستطيع الحركة من تلقاء نفسه أهذا يهديكم .
﴿ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾
2 ـ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
خطر في بالي أن طالباً علاماته لا تؤهله لدراسة الطب في جامعة دمشق ، ولكن تؤهله ليدرس في حلب أو هندسة في جامعة دمشق فيحتار ، يقيم موازنات ، طب أم هندسة ؟ هما قريبان من بعضهما ، الطب أرقى ، لكن في حلب ، يجب أن يستأجر غرفة ، أن يأكل وحده ، تثقله أعباء المعيشة ، فالمصروف كبير ، لكن لو أن أحداً خيَّروه بين أن يكون طبيباً ويكون بمهنة دنيا جداً ، تأخذ مليون ليرة أم تأخذ مليون ضربة ؟ هذه لا تحتاج إلى وقفة ؟ تأخذ مليون ليرة ذهبيَّة أم مليون ضربة ؟ هذا ليس بخيار ، هذا شيء بديهي أن يأخذ المليون ليرة ، فالخيار إذاً بين الإيمان وعدم الإيمان ، أي بين السعادة والشقاء ، بين الخلود في الجنَّة ونعيمها وبين الخلود في النار وجحيمها ، بين أن تكون مهتدياً وبين أن تكون ضالاً ، بين أن تكون مستبصراً بين أن تكون ضائعاً وتائهاً ، بين أن تكون مطمئناً و بين أن تكون خائفاً ، بين أن تكون عزيزاً و بين أن تكون ذليلاً ، بين أن تكون موفَّقاً وبين أن تكون الأمور كلها مُعَسَّرة ، بين أن يحبَّك الله وبين أن تسقط من عين الله ، لا نسبة بين هذا كله ولا مقارنة ..
﴿ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾
كيف تجحد نعَمَ الله عليك ؟!
كيف يقدر الإنسان أن ينام وهو على معصية ؟ كيف يعصي الإله خالق الكون ؟ " لا تنظر إلى صغر الذنب ، ولكن انظر على من اجترأت " ، كيف تجحد فضل الله عزَّ وجل ؟ ..
(( إني والإنس والجنُّ في نبأٍ عظيم ، أخلق ويُعْبَد غيري ! وأرزق ويُشكر سواي ))
[ ورد في الأثر ]
كيف تجحد هذه النعم ؟ نعمة البصر هل عرفت من خلق البصر ؟ من خلق السمع ؟ من خلق الشم ؟ من خلق هذه الربع مليون شعرة في رأسك ، لكل شعرة وريد وشريان ، وعصب وعضلة ، وغدَّة دهنيَّة ، وغدَّة صبغيَّة ؟ هل تعرف من خلق في أنفك عشرة ملايين عصب شمّي ؟ هل تعرف من شقَّ هذه العين وجعل في شبكيَّتها مائة وثلاثين مخروطاً ؟ هل عرفت من خلق هذه الأذن ؟ خلق أذنين لتعرف مصدر الصوت من الصيوان ، إلى القناة الأذنيَّة ، إلى غشاء الطبل ، إلى الأذن الوسطى ، إلى الداخليَّة ، إلى قنوات التوازن ؟ من خلق العظام وأعطاها حداً في نموها تقف عنده ؟ لو أن الأسنان تنمو بازدياد ماذا يحدث ؟ هو القابض والباسط ، أعطى هذه الأسنان نمواً ، ثم أوقفها عند حدِّها ، أعطى هذه العظام نمواً ، ثم أوقفها عند حدِّها ، من أمر العظام أن تقف عن النمو ؟ بعض الأطبَّاء قال لي : كأن هناك خطاً وهمياً مرسوماً في الفضاء ، إذا وصل العظم إليه يقف عن النمو ، شيء مضحك والله ، خط وهمي مرسوم في الفراغ إذا وصل نمو العظم إليه توقَّف عن متابعة النمو ، لا هذا غلط ، الصواب هو القابض والباسط ، الجامع والمانع ، ولتقل : إنها الحكمة في الخلق ، فإذا تأمَّل الإنسان في هذا الكون يرى :
في كل شيءٍ له آيةٌ تدلُّ على أنه واحد
والله كل شيء كأنه ينطق ويقول : أنا دليلٌ على عظمة الله ، من طعامك ، إلى شرابك ، إلى ابنك ، إلى كأس الماء ، إلى كأس الحليب، إلى الجبل ، إلى البحر ، إلى السمك ، إلى الطير ..
وفي كل شيءٍ له آيةٌ تدلُّ على أنَّه واحد
فالله سبحانه وتعالى بقدر ما هو خالق عظيم بقدر ما هو هادٍ حكيم ، هداك في كل شيء ..
﴿ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾
أي إذا كنت محتاراً أتدخل كلية الطب أم كاية الهندسة فأنت على حق ، الطب في حلب والهندسة في دمشق ، أي أن هناك وجهة نظر ، أنت محتار لا بين أن تفتح محل أقمشة أم ملبوسات جاهزة ، لكن تأخذ مليونا أو تُضرَب مليون ضربة ، فمن غير المعقول أن تقول : والله أنا محتاج أن أفكِّر قليلاً ، أتركوني لأفكِّر ، إذا قال لك واحد : هذا البيت بمائة ألف ، وثمنه الحقيقي ثلاثمائة ألف ، هل تقول : والله اتركني أفكر يومين ، أم تقول فوراً : أنا اشتريت ، أين الدلال ؟ قم واكتب العقد ؟ معي الآن دفعة أولى ، وإذا كنت تحب فالنقود جاهزة عندي في المكتب ، إذا رأيت البيت فرصة فإنك تسارع ولا تقول : اتركها لي يومين ، لا تتكلَّم أبداً ، بل تبادر لإنفاذ عملية البيع.. ﴿ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾
كيف الإنسان راضي بالدنيا . ﴿ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ ﴾
( سورة التوبة : من الآية 38 )
هل تقبلون بهذه ؟ شاب أبوه ملك قال له : يا ابني اطلب وتمنَّى ، فقال له : أريد محَّاية حبر، فقط ؟ طلب الدنيا واكتفى بها ، لو طلب يختاً سيعطيه ، لو طلب أكبر قصر سيعطيه إياه ، ولكنَّه طلب محاية ، أو قلمًا ، أكثر لا يريد .. إنه حمق ، وغباء وضلال . ﴿ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(35)وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾
وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا
كل مَن يعتمد على الظن لا يفلح :
أي أن معظم الناس عقائدهم ظن ، تصوراتهم ظن ، منطلقاتهم ظن ، أهدافهم ظن ، أي أنه يتوهَّم السعادة بالمال هذا ظن ، المال لا يُسعِد ، يتوهِّمها بالنساء ، النساء لا تُسعِد ، يتوهِّمها بالبيت الفخم ، ربَّ كوخٍ حقير صاحبه أسعد الورى ، اللهمَّ صلِّ عليه كان إذا صلَّى قيام الليل ، وحان السجود نقلت السيدة عائشة رجليها جانباً أو ضمتهما إلى جسدها ، لأن الغرفة لا تتسع لنومها وصلاته ، ودخل عليه عديُّ بن حاتم فتناول اللهمَّ صلِّ عليه وسادةٍ من أدمٍ محشوَّةً ليفاً ، و قال لعدي ابن حاتم : " اجلس على هذه " ، قال عدي للنبي : " بل أنت تجلس " ، قال عليه الصلاة والسلام : "بل أنت " ، قال عدي : " فجلست عليها ، وجلس رسول الله على الأرض " ، ليس عنده في بيته غير وسادة واحدة ، ومع ذلك كان سيّد الخلق وحبيب الحق ، الله عزَّ وجل ما أقسم بحياة أحد من الأنبياء إلا بحياته صلى الله عليه وسلم ، قال له :
﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ(72)﴾
( سورة الحجر )
قال له : ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)﴾
( سورة القلم )
لا يعرف الحقيقة إلا مَن ذاقها :
سيدنا الصدِّيق .. جاء سيدنا جبريل وقال للنبي عليه الصلاة والسلام : قل لصاحبك : إن الله راضٍ عليه فهل هو راضٍ عن الله ؟ " ، سيدنا الصديق لم يتحمَّل الكلمة .. مجالات الإيمان لا يعرفها إلا من ذاقها ، الإنسان أحياناً يقيم علاقة مع إنسان من طينته ، إنسان يفنى يعتز بهذه العلاقة ..
فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزَّك ميّتُ
عندما يصير للإنسان وجهة إلى الله عزَّ وجل تحدث له صلة حقيقيَّة ، إقبال حقيقي ..

لا يعرف ما نقول إلا من اقتفى أثر الرسول
***

هذا مثل من يقول لآخر : صف لنا طعم العسل ، فيجيبه أنه من الصعب والله ، إذا ذقه فقط فستعرفه فمن ذاق عرف ، استقم استقامة تامَّة ، وقدِّم أعمالاً صالحة لوجه الله عزَّ وجل خالصة من كل شائبة ، ثم تعال وقل لي ماذا حدث لك ، تعال وقل لي أي سعادة عشت ؟ وإلى أي مدى اطمأننت ؟ وكيف نزَّل الله على قلبك السكينة ؟ وكيف يسَّر لك الأمور ؟ وكيف أصبح لك بيتك ؟ وكيف أصلح لك جسدك ؟ وكيف أصلح لك معيشتك ؟ وكيف أكرمك في الدنيا قبل الآخرة ؟
" كن لي كما أريد أكن لك كما تريد ، كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك " .
﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ﴾
بعضهم يعتقد أن المسرحيَّة .. مثلاً .. تهذِّب النفوس ، هذا ظن ، وآخر يعتقد أن الاختلاط يهذِّب المشاعر ، وثالث يعتقد أن الموت نهاية الحياة لا بعث بعده ، ولا أي شيء آخر ، هناك من يعتقد أن المال هو السعادة ، وأن الدراهم مراهم .. وكل إنسان يتصوِّر فكرة متوهماً إيَّاها أنها حقيقة وهو يظنها ظناً ، هذه مصيبة كبيرة ، وإذا كان الإنسان على وشك الموت عطشاً ، وتوهَّم الماء بجهة معيَّنة ، وذهب إلى هذا المكان فما لبث أن مات هناك عطشاً لأنه لم يجد ماء ، بين أن تكون متأكِّداً من وجود الماء وبين أن تكون واهماً قضية موت أو حياة ، إذا بقي في حياته ربع ساعة ، وقالوا له : في هذه الجهة يوجد ماء ، لكنه ليس متأكِّداً وجود الماء ، هل يستهلك هذه الربع ساعة في مسير إلى مكان غير مؤكَّد ؟ يكون قد غامر بحياته ، لكن إذا كان متأكِّداً من وجود ماء ، وذهب إليه فهو على حق عندئذٍ ، وسينجو بحياته .. ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾
فأحياناً الطالب يتوهَّم إذا قيل له : إن الأستاذ الفلاني يعطي الأسئلة ، ولكن ليس الآن ، بل قبل الامتحان بأسبوع ، فإنه لا يدرس أبداً ، هل هذه الفكرة صحيحة ؟ لو أنها كانت صحيحة لقبلنا بها ، أما إذا كانت غير صحيحة ولا تصدق ، ثم يمضي السنة كلها باللعب والتسلية ، وكان مقبلاً على فحص بكالوريا ، وفيها يتحقق مصيره ، وقبل الامتحان بأسبوع طرق الباب فطُرِد ، أليس قد غامر بمستقبله ؟ لأنه ربط مصيره بظن ، لأن طالبًا قال له : الأستاذ يعطيه الأسئلة ، إذا كان قد قال لك ذلك بفمه فهذا بحث آخر ، لكن هذا ظن .. ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ﴾
﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾
هذا ظن ، هذه دعوى .. ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾
( سورة المائدة : من الآية 18 )
﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَاتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ(80)﴾
( سورة البقرة )
كذلك هذا ظن ، يقول بعضهم لبعض افعل ما شئت فالنبي عليه الصلاة والسلام سيشفع لك ، فهل هكذا تفهم الشفاعة ؟ هذا فهم خاطئ للشفاعة ، الشفاعة حق ، ولكن لها معنى أرقى من هذا ، لا يشفع النبي لمن ترك الحق ، وأدار ظهره له ، لكن من تبع سنَّته يشفع له .
شاب دخل الجامعة يقدِّمون له كتباً وطعاماً وشراباً ، ومكتبات ، وكل ما يحتاجه ، ويعينه على الدراسة ، إلا أن هذا الطالب في نهاية العام مطالب بأداء الامتحان ..
﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ(36)وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾
وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ
1 ـ وَمَا كَانَ :
أولاً : كلمة ما كان دقيقة جداً ، أنت تقول مثلاً : الحديد لم يصدأ ، عندك قطعة حديد تأمَّلتها لم تصدأ ، لكن الصدأ من خصائص الحديد ، تقول : لم تصدأ ، لكنك إذا أمسكت قطعة ذهب فماذا تقول ؟ ما كان لها أن تصدأ ، هناك فرق بين أن تقول : لم تصدأ ، وبين ما كان لها أن تصدأ لأن من طبيعة الحديد الصدأ ، ولظروفٍ خاصَّة كانت في مكانٍ جاف لم تصدأ ، أما الذهب ما كان له أن يصدأ ، ليس من شأنه الصدأ ، ليس من خصائصه الصدأ ، لذلك قالوا : هذه العبارة حيثما وردت في كتاب الله فإنها تنفي الشأن لا تنفي الحدث ، تقول على إنسان : لم يسرق ، أما إذا كان إنسان من عليَّة القوم فتقول : ما كان له أن يسرق ..
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾
( سورة الأنفال : من الآية 33 )
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾
( سورة العنكبوت : من الآية 40 )
لا تنفي الحدث ، ولكن تنفي الشأن ، أي أنَّ أبلغ أنواع النفي في كتاب الله صيغة ما كان ، لأنها تنفي الإرادة ، والاستعداد ، والإمكانيَّة ، والشأن ، والرغبة ، والحدث ...
مثلاً : شخص يحمل دكتوراه في الرياضيات فقلت له : اثنين ضرب ثلاثة ؟ فسكت ، فقلت عنه : لأنه لا يعرف ، نقول لك : ما كان له أن يجهل هذه الحقيقة ، لكنَّ سكوته له معنى ، لا يعرفها ، ‍‍وهو يحمل دكتوراه بالرياضيات ‍‍؟ لا تقل : لم يعرف ، بل قل : ما كان له إلا أن يعرف .. فربنا عزَّ وجل قال :
﴿ وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾
2 ـ وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ
مثلٌ تقريبي ، ولله المثل الأعلى :
في الأسبوع الماضي بحثت عن مثل يوضِّح هذه الفكرة وهو : لو فرضنا أن واحداً لم يرَ طائرة في حياته ولا صورتها ، ولا ركب فيها ، ولا يعرف شيئاً عن إمكانيَّاتها أبداً ، لكنه رأى طفلاً قد صنع طائرة من ورق ، وسحبها في الهواء ، دخل هذا إلى محل حدادة مترين في مترين ، قال له صاحب المحل : هذه الطائرة الحديثة الفلانية ، التي تتسع لستمائة راكب ، أنا أصنعها في هذا المحل ، مادام هذا الإنسان لم ير الطائرة يصدِّق ، لكن لو ركب الطائرة ، ورأى حجمها ، ورأى أن علم البشريَّة كله مجموع فيها ، ستمائة راكب في طائرة ، وطعام وشراب ، وهيدروليك ، وأجهزة ، ورادارات ، شيء عجيب في الطائرة ، هل يمكن لإنسان ركب طائرةً كبيرةً نفَّاثةً من أحدث الطائرات أن يصدِّق أنها صنعت في محل متواضع في أحد أسواق دمشق ؟ مستحيل ، لو عرفت الطائرة ما صدَّقت هذا الكلام ـ هذا المثل تقريبي . 3 ـ لا يمكن أن يكون القرآن من كلام البشر :
لو أننا قرأنا هذا القرآن ، وعرفنا ما فيه من تشريعٍ اجتماعي ، ما فيه من حقائق ، ما فيه من ذكرٍ للأولين ، ما فيه من ذكر ليوم القيامة ، ما فيه من نظام الطلاق ، من نظام الميراث ، من نظام الزواج ، من نظام البيوع ، ما فيه من حقائق ، من مشاهد ، من تاريخ ، ما فيه من طُرُق توصل إلى الله عزَّ وجل ، ما فيه من سُنَن ، لو عرفت مضمونه تقول : لا يمكن لبشرٍ كائناً من كان أن يأتي بمثله ، إذا ركبت الطائرة ترفض هذه المقولة ، فإذا لم تركبها ، ولم ترها ، ولم تسمع بها ، وقيل لك : إن هذا القرآن من صنع محمد لأنه كان عبقرياً فذَّاً ، كان ذكياً جمع العرب بهذا القرآن ، إن لم تقرأه قد تقول : هذا الكلام صحيح ، أما إذا قرأته وفهمت آياته تقول : هذا ليس من صنع بشر..
﴿ وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾
انظر إلى كلمة من دون الله هل تعلم أن الكون كلَّه من دون الله ؟ دع عنك الجمادات ، ودع عنك الحيوانات لا تعقل ، والنباتات ، بقي الإنس والجن .. ﴿ قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا(88)﴾
( سورة الإسراء )
﴿ وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾
4 ـ الإعجاز العلمي والبلاغي دليل أن القرآن كلام الله :
مستحيل ، لو أننا قرأناه .. فالعنكبوت التي تنسج البيت هي أنثى العنكبوت .. النبي الكريم اللهمَّ صلي عليه هل درس علم الحيوان ، وعرف أن العنكبوت ذكر وأنثى ، والأنثى هي التي تنسج البيت ؟ لا أعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم عرف أو درس ، الله عزَّ وجل هو الذي عنده علم ما خلق فقال :
﴿ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ﴾
( سورة العنكبوت : من الآية 41 )
الله عزَّ وجل حينما ذكر العنكبوت استعمل تاء التأنيث ، معنى هذا أن من ينسج بيت العنكبوت هي الأنثى ، لنأخذ الحوت .
قال لي بعض الإخوة : إن المريء في الحوت على عِظَم الحوت لا يتَّسع لمرور الإنسان لأنه ضيق ، ربنا عزَّ وجل قال :
﴿ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ ﴾
( سورة الصافات : من الآية 142 )
لم يقل : فابتلعه ، أي بقي سيدنا يونس لقمةً في فمه ، ولم يصل إلى جوفه ، النبي الكريم شرَّح الحوت ؟ رأى الجهاز الهضمي للحوت ؟ عرف ضيق المريء ؟ هذا كلام الله ، إذا صعد الإنسان في الفضاء الخارجي يشعر بضيق النفس ، وهذا جاء في كتاب الله ، أي أن هذا القرآن كتاب أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ألف وأربعمائة عام ، والعلم تقدَّم تقدُّماً مذهلاً ، حتى هذه الساعة لم يحدث أن اكتشف العلماء حقيقةً تناقضت مع كتاب الله ، هذا مما يؤكِّد أنه من عند الله ، من عند خالق الكون .. ﴿ وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾
مستحيل .. ﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾
( سورة الرحمن : من الآية 33 )
لماذا بدأ الله بالجن ؟ ﴿ قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ ﴾
( سورة الإسراء : من الآية 88 )
لماذا بدأ بالإنس ؟ لأن هذا كلام رب ، قيل : لأن الإنس أقدر على البيان من الجن ، والجن أقدر على خرق السماوات من الإنس .. ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ﴾
( سورة النور: من الآية 2 )
﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ﴾
( سورة المائدة : من الآية 38 )
لماذا بدأ هنا بالزانية ؟ قال : لأنها أقدر على الزنا من الزاني ، ولماذا بدأ هنا بالسارق ؟ لأنه أقدر على السرقة من السارقة ، فالرجل أقدر من المرأة في مجال السرقة ، فقدم السارق ، بينما الزنا المرأة أقدر عليه من الرجل ، لذا قدم الزانية .. ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ ﴾
( سورة التوبة : من الآية 24 )
ربنا عزَّ وجل ذكر الأقرباء في هذه الآية لكنَّه بدأها بالأب ، وفي موطنٍ آخر قال : ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ ﴾
( سورة آل عمران : من الآية 14 )
بدأ بالنساء ، وفي موطنٍ ثالث : ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ(34)وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ(35)﴾
( سورة عبس )
بدأ بالأخ ، وفي موطنٍ رابع بدأ بالابن : ﴿ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ(11)﴾
( سورة المعارج )
بدأ بالابن ، هذا كلام الله ، في كل موطن قدَّم الله سبحانه وتعالى الشيء المهم ، في موطن اعتزاز الإنسان الاجتماعي قدَّم الأب .. ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ ﴾
( سورة التوبة : من الآية 24 )
في موطن الشهوة قدَّم المرأة .. ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ ﴾
( سورة آل عمران : من الآية 14 )
في موطن الاستنجاد قدَّم الأخ ، لأن الأب كبير والابن صغير ، أقرب إنسان إليك أخوك ، في موطن الفدية أغلى شيء الابن قدَّم الابن ، هذا كلام الله ,
في ثمانية عشر آية قدَّم الله سبحانه وتعالى السمع على البصر ، لأن العلم اكتشف أن استجابة السمع قبل استجابة البصر ، أي أن الجنين يستجيب للصوت وهو في بطن أمِّه ، لكن الطفل المولود حديثاً لا يستجيب للضوء إلا بعد أيَّامٍ ثلاثة .
﴿ أَنشَأَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ ﴾
( سورة المؤمنون : من الآية 78 )
إلا في آيةً واحدة عبَّرت عن أن سرعة الضوء أكثر من سرعة الصوت .. ﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ﴾
( سورة السجدة : من الآية 12 )
هنا قدّم البصر على السمع ، وفي ثمانية مواطن قدَّم الله بذل المال على بذل النفس ، لأنه أيسر ، وبذل المال أهون من بذل النفس ، وفي آيةٍ واحدة قدَّم الله بذل النفس على بذل المال .. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(10)تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ﴾
( سورة الصف )
في ثمانية مواطن قدَّم المال على النفس ، وفي موطنٍ واحد .. ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ﴾
( سورة التوبة : من الآية 111 )
في موطن البيع القطعي قدَّم الأهمَّ على المهم ، في القرآن الكريم ذُكِرت كلمة( اليوم ) ثلاثمائة وخمساً وستين مرَّة ، وذُكر الشهر اثنتا عشرة مرَّة ، هل هذا صدفة ؟ آيات الجنَّة تعادل في عددها آيات النار ، آيات الدنيا تساوي آيات الآخرة ، آيات الملائكة تساوي آيات الشياطين ، شيء عجيب ، ففي القرآن يوجد إعجاز حسابي ، وفيه إعجاز رياضي ، و إعجاز بلاغي ، وفيه إعجاز تشريعي ، و إعجاز علمي ، ما من حقيقةٍ علميّةٍ إلا وذكر القرآن أصولها ، لم يتطرَّق للتفصيلات لأنه كتاب هدايةٍ وإرشاد ، لكن اكتفى بذكر أصول العلم ..
إن أصول العلاقة الزوجيَّة مذكورة في القرآن ، فقد ذكر الله عزَّ وجل أن الزوجة من آيات الله ، ووصَّى الزوج ، وجعل القِوامة للأزواج لسببين : أنه أنضج منها عقلاً وأفقاً وفكراً وإرادةً وتصميماً وخُلُقاً ، ولأنه أنفق من ماله ، لكنَّه خاف من الشطط فقال الله عزَّ وجل :
﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾
( سورة البقرة : من الآية 228 )
درجة واحدة ، أي ينبغي أن يكون الرجل فوق المرأة بدرجة واحدة ، فأصول العلاقة الزوجية الصحيحة مبثوثة في القرآن ، وكذا أصول البيع والشراء .. ﴿ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾
( سورة النساء : من الآية 29)
إذا كان هذا المشتري يعرف أن هذا البائع مستحكم ، وأخذ منه بالمائة ثلاثمائة ربحا فهذا الشاري أهو راضٍ ؟ يقول لك البائع في معرض مناقشته في تلك الصفقة : هو قبل ، يعني الشاري ، نعم هو قَبِلَ مضطراً ، هذا اسمه استغلال ، لو كُشِفَ رأس المال للشاري هل يرضى ؟ ومن مقياس البيع الشرعي الرضا . ﴿ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً ﴾
( سورة البقرة : من الآية 282 )
﴿ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ ﴾
( سورة النساء : من الآية 29)
لو دقَّقت في كتاب الله تجد أن فيه نواحي تربويَّة ، فيه كنايات لطيفة جداً ، علَّمنا الأدب في التعبير ، كما أنه فيه نواحي أخلاقيَّة أرشدنا إليها .. ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)﴾
( سورة االقلم )
﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ﴾
( سورة ص : من الآية 44 )
﴿ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ(30)﴾
( سورة ص )
إن في القرآن نواحي تشريعيَّة ، ونواحي شخصيَّة ، علاقات زوجيَّة ، علاقة الآباء بالأبناء ، لو دقَّقت في القرآن الكريم لرأيته تناول كل شيء ، لأن الله سبحانه وتعالى جعله دستوراً للبشر .
إذاً :
﴿ وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ
المعنى الأول : بشارة عيسى بالنبي صلى الله عليه وسلم :
بشّر كل من سيدنا موسى وسيدنا عيسى بالنبي محمد ، وورد في التوراة والإنجيل ذكر النبي عليه الصلاة والسلام .
﴿ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ﴾
( سورة الصف : من الآية 6 )
فجاء النبي عليه الصلاة والسلام ، فكان مجيئه تصديقاً لما جاء في التوراة والإنجيل ، هذا المعنى الأول . المعنى الثاني : القرآن يؤكِّد ما في الإنجيل والتوراة :
ولكن تصديق الكتاب ، المعنى الثاني هو أن ما جاء في القرآن يؤكِّد ما جاء في الإنجيل والتوراة ، لأن الكتب السماويَّة الثلاثة من عند الله ، إلهٌ واحد ، والتشريع واحد ، لكن إذا وجدنا في القرآن الكريم تفصيلات لم تَرِد في التوراة والإنجيل فهذا مما ذكره الله عزَّ وجل من حكمته ، أي بحسب تطور ظروف الحياة ، بحسب ظهور مشكلات لم تكن ظاهرة من قبل ، فجاء التشريع مقتضباً مرَّةً ، ومفصَّلاً مرَّةً أخرى ..
﴿ وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
فالقرآن صدَّق ما جاء به الأنبياء السابقون ، ومجيئه تصديقٌ لما في كتبهم ، وكلام النبي عليه الصلاة والسلام يصدِّق أن هذا الكلام من عند الله ، أي أنه قمَّةٌ في الكمال .. فقد قال سيدنا جعفر للنجاشي : " أيها الملك كنَّا قوماً أهل جاهليَّة نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منَّا الضعيف .. هذه الجاهليَّة قبل الإسلام .. حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف نسبه ، فهو من نسلِ إبراهيم .. إذاً : نعرف نسبه ، وأمانته ، وصدقه ، وعفافه ، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحِّده ، ونخلع ما يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وقول الحق ، فعدَى علينا قومنا ليعذِّبونا .. "
إذاً :
﴿ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾
بعضهم قال : " الكتاب إذا ذُكرت تعني الكتب السماوية كلها ، فما جاء في الكتب السابقة مختصراً جاء في القرآن مفصَّلاً .. ﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾
وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ
لا ريب فيه أي لا شكَّ فيه لأنه من الله عزَّ وجل ، وأنه فيه الكمال المطلق ، لا يأتيه الباطل ، لا يوجد كتاب من صنع إنسان إلا وفيه غلط ، قد يكون صغيراً أو كبيراً لكن الكتاب الذي لا ريب فيه هو القرآن الكريم ..
﴿ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ(37)أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ
أنتم تقولون : إن محمداً صلى الله عليه وسلَّم افترى هذا القرآن على الله سبحانه ، الله سبحانه وتعالى يتحدَّاهم أن يأتوا بسورةٍ واحدٍة من عندهم تضاهي هذا الكتاب .
الآية الثانية التي لها علاقة بهذه الآية :

﴿ قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا(88)﴾
( سورة الإسراء : من الآية 88 )
أي مستحيل .. ﴿ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾
أي اجمعوا كل من تستطيعون لتتعاونوا على صنع آيةٍ إنكم لن تحقِّقوا هدفكم .


 

رد مع اقتباس
قديم 10-14-2011, 12:08 PM   #10
كبار الشخصيات


الصورة الرمزية العفريني
العفريني غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 156
 تاريخ التسجيل :  Nov 2010
 أخر زيارة : 02-28-2014 (05:05 PM)
 المشاركات : 7,969 [ + ]
 التقييم :  154
 الجنس ~
Male
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Brown
افتراضي رد: التفسير المطول - سورة يونس لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي



﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴾
بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ
1 ـ من الجهل الفاضح الحُكمُ على الشيء قبل تصوُّرِه :
الحقيقة أن في الإنسان صفاتٍ عديدة بعضها مقبول ، وبعضها جيد ، وبعضها مرذول ، من صفات الإنسان العقلية المرذولة أن يُكَذِّبَ قبل أن يحيط بالشيء علماً ، أي أن يحكم على الشيء قبل أن يعرفه ، كيف يتم ذلك ؟ إن هناك صفات خُلُقِيَّة مذمومة ، وهناك صفات عقلية مذمومة ، من الصفات العقلية المذمومة أن تكذِّب بالشيء قبل أن تعرفه ، أن تستخف به دون أن تحيط به علماً ، أن ترُدَّهُ وأنت جاهلٌ به ، هذه صفةٌ عقليةٌ ذميمةٌ في الإنسان ، من صفات السُذَّج ، من صفات عامة الناس ، من صفات الدَهْمَاء ، من صفات المتخلِّفين عقلياً ، أما أن تكذِّب بالشيء قبل أن تعرفه ، قبل أن تحيط به علماً ، قبل أن تدرك حقيقته ، قبل أن ترى أبعاده فربنا سبحانه وتعالى ذمَّ هؤلاء الذين كذَّبوا بالقرآن قبل أن يعلموه ، وكم من إنسانٍ في هذا العصر لا يعرف حقيقة هذا الكتاب ، يقول : هذا الكتاب ليس لهذا العصر ، فيه غيبيات ، لو عرف أن سعادته كلها ، لو عرف أن سعادته وسعادة مجتمعه ، والإنسانية جمعاء منوطةٌ بتطبيقه لاختلف الأمر ، ربنا سبحانه وتعالى يقول :
﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾
2 ـ الحقيقة إما منقولة وإما مبادَر إليها :
في هذه الآية شيئان هامان بارزان .. الشيء الأول : إن الإنسان أحياناً يبادر مبادرة ذاتية لمعرفة الحقيقة ، وأحياناً تُنْقَل إليه الحقيقة ، إذا كان قد بادرها أو نقلت إليه ، وعقلها ، وطبقها فهو في خير ، أي سواءٌ عليك أفكرت تفكيراً ذاتياً بربك وبآياته الكونية ، واستنبطت من هذه الآيات أن لك رباً عظيماً ، خالقاً قديراً حكيماً ، سوف يعيد الخلق مرةً ثانية ليجزي كل إنسانٍ بما عمل ، سواءٌ عليك أبادرت أنت لمعرفة الحقيقة أم نُقلت إليك الحقيقة ، لابدَّ من أن تعرف الحقيقة ، إما عن الطريق النظر ، وإما عن طريق السمع ، عن طريق النظر قال تعالى :
﴿ قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض ﴾
(سورة يونسِ)
إنسان لم ينظر ، فإذا جاءه الحق عن طريق إنسان آخر ، وأسمعه إياه فقد صار هذا الحق حجةً عليه . ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ ﴾
(سورة الأنفال : من الآية 23 )
فإما أن تفكِّر أنت ، وإما أن تنظر ، وإما أن تسمع ، وأما الكفار فقد وصفهم ربنا عزَّ وجل فقال : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ(6)خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾
(سورة البقرة)
لأن منفذي القلب هما السمع والبصر .. ﴿ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَة ﴾
(سورة البقرة)
أي أن منفذ القلب عليه غشاوة ، وهو حب الدنيا ، صار عندنا منفذان للحق : إما أن تنظر ، وإما أن تسمع ، أما هؤلاء الذين كفروا بهذا الكتاب ، كذبوا به ، ولم ينظروا في آياته ودلالاتها ، ولم ينظروا في نظامه الاجتماعي ونظامه الاقتصادي ، ولم ينظروا في تشريعاته ، ولم ينظروا في دلالاته وآياته ، ولم ينظروا في مضامينه ، ولا في إعجاز صياغته وبيانه ، ولا في إعجازه الرياضي والحسابي والدلالي ، لم ينظروا في القرآن ، وحينما نقل إليهم تفسيره الصحيح أيضاً لم ينظروا في هذا التفسير . ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾
3 ـ بين التفسير والتأويل :
أما التأويل فإنه يختلف عن التفسير ، أحياناً تقول : الصَّبا الرياح الشرقية هذا تفسير ، ولكن التأويل إذا ورد النص فيما يعارض الواقع فعليك أن تؤول النص بما لا يخالف الواقع ، فإذا قلت : في بيتنا بحرٌ ، البحر لا يكون في البيت ، إذاً : في بيتنا رجلٌ علمه كالبحر ، فانتقلنا من الحقيقة إلى المجاز .
وكمثل على التأويل ربنا عزَّ وجل قال :

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾
(سورة الفتح : من الآية 10)
الله عزَّ وجل منزه عن التبعيض ، ليس له شيء بعض منه ، منزَّه عن التجزيء ، لكن يد الله بمعنى قوته فوق أيديهم ، فحينما يتعارض النص مع الواقع عندئذٍ تحاول أن توفِّق بينه وبين الواقع ، هذا هو التأويل ، ربنا عزَّ وجل قال : ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ﴾
(سورة آل عمران : من الآية 7 )
هذه المتشابهات لا يعلم تأويلها إلا الله والراسخون في العلم ، لذلك أمرنا سبحانه قائلاً : ﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا(59)﴾
(سورة الفرقان)
ربنا عزَّ وجل قال : ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾
التأويل هنا أي توضيح الآيات إيضاحَاً وتفسيراً ، وتوفيقاً مع الكمال الإلهي ، لو فرضنا أن أحداً قال لك : الله ضار ، طبعاً ، يضر لينفع ، يبتلي ليجزي ، يأخذ ليُعطي ، أنت أوَّلت هذا الاسم بشكلٍ يليق بكمال الله عزَّ وجل ، وإذا اكتفيت وقلت : الله يضر العباد ، فهذا فهمٌ قاصر ، الله سبحانه وتعالى يضرُّهم لينفعهم ، هذا هو التأويل ، أوَّلت الضرر لصالح العباد وبشكلٍ يتناسب مع كمال الله عزَّ وجل ، إذا قال النبي عليه الصلاة والسلام : (( لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ ))
[ صحيح مسلم عن أبي هريرة ]
هنا الذنب بمعنى الإحساس بالذنب ، أي إن لم تحسوا بذنوبكم لم يكن فيكم خيرٌ يرتجى ، (( لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ ))
أي أنَّهم إذا خالفوا أدق مخالفة ، إذا وقعوا في أصغر ذنب ، اشتعلت نفوسهم فرقاً من الله عزَّ وجل ، هؤلاء ناجون ، فحينما يَرِدُ النص بشكلٍ لا يتناسب مع قائله تُؤوِّلُهُ ، هذا مذهب بعض العلماء في الفرق بين التفسير والتأويل ، فهنا الآية : ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾
أي أن الإنسان ليس له حق أن يكذب بآية أو يأخذ بآية مكانها قبل أن يعرف تأويلها .. ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ﴾
( سورة آل عمران : من الآية 7 )
هنا الوقف عند كلمة : ﴿ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ﴾
( سورة آل عمران : من الآية 7)
وقال تعالى أيضاً : ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾
( سورة آل عمران : من الآية 18)
من علامات العلماء الصادقين أنهم يشهدون للناس بعدالة الله عزَّ وجل . ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾
( سورة آل عمران : من الآية 18)
من خلال هذا الشرح السريع تبيَّن أن معنى التأويل توجيه النص توجيهاً يليق بقائله .. فصحابي جليل يقول : " أنا أصلي بغير وضوء ، وأحب الفتنة ، وأكره اليقين ، وأفر من رحمة الله ، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء " ، قالوا له : " ما هذا يا فلان ؟! " ، فدخل سيدنا عليٌ كرم الله وجهه على أمير المؤمنين عمر ، وقال له : " يقول فلان : كذا وكذا !! " ، قال له إنه يعني : " أنه يصلي على النبي بغير وضوء ، ويحب الفتنة ، وهي المال ، لأن الله تعالى يقول : ﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾
( سورة التغابن : من الآية 15)
ويكره اليقين ، واليقين هو الموت .. ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ(99)﴾
(سورة الحجر)
ويفر من رحمة الله ، يعني من المطر ، وله في الأرض زوجةٌ وولدٌ ما ليس لله في السماء " ، هذا التأويل أي أنك أولت الكلام بما يليق بصاحبه ، الكلام لا يُحْمَلُ على نَصِّهِ يحمل على قائله .
إذا قال الله سبحانه وتعالى :
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ(2)﴾
(سورة العنكبوت)
الفتنة معناها دقيق جداً ، ويليق بكمال الله عزَّ وجل ، فالفتنة هي الامتحان وإظهار ما في النفس ، إذا قال سيدنا موسى لرب العزة : ﴿ إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ ﴾
(سورة الأعراف : من الآية 155 )
فيجب أن تُؤول هذه الآية ، بمعنى هذا امتحانك وبلاؤك ، لتكشف الناس ، لتفرزهم ، لتميز الخبيث من الطيِّب ، هذا هو معنى الآية .
وإذا قال الله :
﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء ﴾
( سورة فاطر : من الآية 8)
هذه تؤوَّل بمعنى أنه من يشاء من العباد أن يهتدي فالله عزَّ وجل يهديه ، والإنسان مخير في أن يسلك أياً من السبيلين . ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ﴾
(سورة آل عمران : من الآية 7)
لذلك : ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)﴾
(سورة الأحزاب)
هذه آية محكمة لا تحتاج إلى تفسير ، ولا إلى تأويل ، ولا إلى كتاب تفسير ، واضحة كالشمس ، معظم آيات القرآن الكريم من هذا النوع ، إن الله لا يحب الكاذبين . ﴿ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا(36)﴾
(سورة النساء)
هذه آيات محكمات .
مثلاً :
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(10)تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(11)﴾
(سورة الصف)
هذه آية محكمة ليس فيها شيء غامض ، لكن : ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾
( سورة السجدة : من الآية 13)
هذه آية متشابهة .. ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْه ﴾
(سورة آل عمران : من الآية 7)
الله لم يشأ لي الهدى ، هذه الآية تفسَّر ، الله لا يريدني أن أهتدي..
﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ﴾
(سورة آل عمران : من الآية 7)
فالإنسان إما أن يعرف التأويل أو أن يحضُر مجالس التأويل كي يكون على بينةٍ من ربه . مثالٌ من واقع الناس عن التأويل غير الصحيح :
البارحة كنت مع شخص قال لي : يا أخي : ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾
( سورة التغابن : من الآية 16)
أي ببذل الحد الأدنى من استطاعتكم ، قلت له : لا ليس كذلك بل معناها : ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾
( سورة التغابن : من الآية 16)
ببذل الحد الأقصى ، هو أولها على الحد الأدنى ، أي على قدر ما تستطيع ، وتأويل هذه الآية على الحد الأقصى ، والدليل الآيات الأخرى : ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾
(سورة آل عمران : من الآية 102)
﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ﴾
(سورة الحج : من الآية 78)
﴿ اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا(41)﴾
(سورة الأحزاب)
هذه الآيات كلها تتناقض مع هذا التأويل الذي يطابق هوى نفسه ، أي ببذل الحد الأدنى من الاستطاعة .
إذاً التأويل أن توجِّهَ النصَّ توجيهاً يتناسب مع قائله ، يجب أن تفسِّر الانتقام كاسمٍ من أسماء الله بما يليق مع أسمائه الحسنى .
﴿ وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
(سورة الأعراف : من الآية 180)
فالمنتقم ، والجبَّار ، والضار ، والقابض ، هذه كلها أسماءٌ لله حسنى ، يجب أن تؤولها تأويلاً يتناسب مع عظمة الله عزَّ وجل ، ومع كمالاته اللامحدودة ، هؤلاء تسرَّعوا ، كذَّبوا بهذا القرآن قبل أن يتأملوا في آياته ، في مضامينه ، في كل ما ينطوي عليه من حقيقة ، وما ينطوي عليه من منهجٍ رشيد . ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾
(سورة الإسراء : من الآية 9)
كذبوا ..
قال لي صديق كان يعمل بعمل إداري وَّزع بلاغاً على من دونه .. كان مدير ثانوية .. البلاغ خال من أية كلمة ، ورقة بيضاء ، وضع فوقها ورقةً كتب عليها : إلى السادة المدرسين يرجى تبلغ البلاغ المُرْفَق .. يطلب التوقيع على البلاغ المرفق .. قال لي : فوجئت بأن معظمهم وقَّع ، والبلاغ المرفق كان ورقة بيضاء ، أي أنه وَقَّعَ على الورقة ، ولم يقرأ مضمونها ، هذه صفةٌ عقليةٌ ذميمة ، أن تكذِّب بالشيء قبل أن تحيط به علماً ، أو أن تصدقه قبل تحيط به علماً ، هذه صفةٌ ذميمة ، والأذم منها أن يأتيك التأويل الصحيح الذي يليق بحضرة الله عزَّ وجل وبعدها تنبذ هذا القرآن وراء ظهرك ولا توليه أي اهتمام .
﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا(30)﴾
( سورة الفرقان )
فنبذوه وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون .
إذاً :
﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾
أي لم يحيطوا علماً به ، وقبل أن يستمعوا إلى التأويل الصحيح كذبوا به . 4 ـ معنى آخر للآية : وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ
من معني التأويل وقوعُ الوعد والوعيد :
وهناك تفسيرٌ آخر لهذه الآية لا يقلّ عن الأول ، تأويل القرآن الكريم يعني وقوع وعده ووعيده ، فإذا وعد اللهُ عزَ وجل المرابيَ بحربٍ من الله ورسوله ، أي أنْ تدمَّر أمواله وتصادر فهذا تأويل هذه الآية :
﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِه ﴾
( سورة البقرة : من الآية 279)
هذه آية ، متى يأتي تأويلها ؟ إذا صودر المال كله ، أو احترق ، أو تلف ، أو دمِّر ، تدمير هذا المال تأويل الآية ، إذاً : هم كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ، لكن تأويله لم يأتِ بعد ، هذه ( لما ) ، حرف جزم مثل لم ، وعندنا في علم النحو : لما ، ولام الأمر ، ولا الناهية ، حروف جزم تجزم الفعل المضارع ، و تختص لما بوضع دقيق فمثلاً إذا قلت : لم يحضر المدرس ، فهذه ( لم ) تنفي الفعل المضارع وتجعله ماضياً ، يُسَمّونها حرف جزمٍ ، ونفيٍ ، وقلب ، نفت حدوث الفعل ، وجزمته ، وقلبت معناه من المضارع إلى الماضي ، لم يحضر المدرس .
أما إذا قلت : لن يحضُر المدرس فهذه ( لن ) تنفي المستقبل مع أنها حرف ناصب ، ولكنك إذا قلت : لما يحضر المدرس ، أي حتى هذه الساعة لم يحضر ، لكن احتمال حضوره قائم ، مثلاً الساعة التاسعة يبدأ درسه ، صار الوقت الآن التاسعة وخمس دقائق مثلاً ، لا تقل : لم يحضر ، هذا غلط باللغة ، وإذا قلت : لن يحضر أيضاً غلط ، كأنك علمت الغيب بهذه الطريقة ، لو أنه خبَّر وقال : لن أحضر هذه الساعة تكتب للطلاب : لن يحضر المدرس لأداء الدرس هذه الساعة، لن للمستقبل ، وإذا كان عدم حضوره في الماضي تقول : لم يحضر بعد ما مضت الساعة بكاملها، والساعة انشطبت ، تكتب : لم يحضر المدرس ، يوقع الموجه ، تغيّب المدرس ، أما إذا كان تأخره لمدة خمس دقائق فلا تقل : لم يحضر ، ولا تقل : لن يحضر ، ولكن ماذا ؟ تقول : لما يحضر ، أي حتى الآن لم يحضر مع أن احتمال حضوره لا يزال قائماً .
مرابٍ قال لك : مضى علي زمن ، وأنا أرابي ، ولم يصبني شيء من ضرر ، هذه أموالي تزداد ، وآخذ فوائدها بالمائة ثمانية عشر ، أودعت مائة ألف دولار في بنك أجنبي ، فصار المبلغ الآن مائة ألف وثمانية عشر ألف دولار ، وما اعتراني ضرر ولا خطر ، وأنا مرتاح من كل هموم الحياة ، مبلغ ضخم يأتيني كل شهر ، أصرفه ، ولست مسؤولاً أمام أحد ، لا أعطي لأحد فاتورة ، ولا أريد بياناً ، ولا أريد إيضاحاً للحسابات ، نقول له :
﴿ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾
تأويل هذه الآية ، آية الربا ، لما يأتِ بعد لكنه سوف يأتي ، أحد الناس مثلاً تجاوز حدوده في علاقته مع النساء ، قال لك : ماذا جرى ؟ نقول له : هذه الآية لما يأتِ تأويلها ، إذا وجد الرجل رجلاً آخر في بيته فقد وقع تأويل الآية : مَن يزنِ يُزن به ولو بجداره إن كنت يا هذا لبيباً فافهمِ
***

التأويل صار بمعنى آخر ، أي تحقق وعد الله ووعيده . ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ ﴾
(سورة النور : من الآية 55 )
لو أن الله استخلفهم في الأرض لكان استخلافه لهم تأويلاً لهذه الآية . ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)﴾
(سورة طه : )
إذا رأيت إنساناً ضاقت به الدنيا ، وقال لك : الحياة لا تطاق ، همومٌ تكاد تمزِّق قلبي ، وحالي كما قال الشاعر : رماني الدهر بالأرزاء حتى فؤادي في غشاءٍ من نبالِ
كل نبل مصيبة . فكنت إذا أصابتني سهامٌ تكسَّرت النصال على النصالِ
يعني أنه لم يَخلُ مكان في جسمي من رمية سهم .
إذا قال لك إنسان : الحياة شاقة ، أهون شيءٍ فيها الانتحار ، فقل هذا تأويل قوله تعالى :
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)﴾
(سورة طه : )
وإذا التقيت بمؤمن ، وقال لك : ليس في الأرض من هو أسعد مني ، الحمد لله ، أنا غارقٌ في نِعَمِ الله ، فهذه الحالة تأويل قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا ﴾
(سورة فصلت : من الآية 30)
ما هو التأويل إذاً ؟ تحقُّقُ وعد الله ووعيده في الحياة ، حيثما تحقق وعد الله ووعيده في الحياة فهذا تأويل الآية .
إن رأيت صاحب مالٍ عريض صودرت أمواله كلها ، ورأيته على وشك الانهيار ، فهذا تأويل قوله تعالى :
﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾
(سورة البقرة : من الآية 279)
هذا التأويل .
اقرأ القرآن الكريم ، حيثما وردت آيةٌ فيها وعدٌ أو وعيد ، حيثما وردت آية تأخذ شكلَ قانونٍ ، أي علاقةٌ ثابتة بين متحولين ، ثم رأيتها تقع في الحياة ، فهذا هو التأويل ، فالبطولة ليست بأن تصدِّق بالشيء بعد أن يحدث ، مثلاً : بناء في وضع خطر براعة المهندس أن يكشف لك الخطورة قبل أن يقع البناء ، فإذا وقع هل لك أن تكذِّب وقوعه ؟ انتهى الأمر ، من منا يكذب أن بناء وقع ، لكن العلم يفيد قبل أن يقع البناء عندئذٍ تخلي البيت من السكان ، والحقيقة أنها إذا وقع التأويل لم ينفع ذكاء، وانتهى الأمر .
فرعون نفسه لما أدركه الغرق قال :
﴿ حتى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾
(سورة يونس : من الآية 90)
فقال له الله تعالى :
أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ
(سورة يونس)
هذا الإيمان جاء بعد فوات الأوان ، جاء في وقتٍ غير مناسب ، هذا الإيمان لا يجدي ..z ﴿ وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ ﴾
(سورة النساء : من الآية 18)
هذه ليست توبة ، التوبة أن تكون وأنت صحيحٌ شحيحٌ تخاف الفقر ، وتأمل الغنى ، أن تدفع من مالك الحلال لله عزَّ وجل ، هذا الوقت المناسب .
فمثلاً عندما أتنبَّأ بشيء بحسب فهمي لكتاب الله ، فهي بطولة ، لكن بعد أن يأتي الموت ، كما فعل فرعون عند الغرق ، إذ صار الأمر يقيناً ، ولا مجال للتوبة عندئذٍ ..
﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ(22)﴾
(سورة ق)
انتهى الأمر ، فإذا جاء تأويل الآيات انتهى الأمر ، فإذا آمنت أو لم تؤمن فأنت مرغمٌ على الإيمان ، تأويل القرآن بمعنى وقوع وعده ووعيده . ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾
(سورة النحل : من الآية 97)
إذا صادفت أخوين ، أحدهما مستقيم والآخر غير مستقيم ، الأول طاهر النفس والآخر دَنِسٌ غير طاهر ، الأول كسبه حلال ، والآخر كسبه حرام ، وزرتهما بالعيد في يوم واحد ، وسمعت من الثاني شكوى ليس لها حدود ، وهو في ضيق ، وتبرُّم ، وينتهي قائلاً لك : الحياة تعيسة ، وسمعت من الأول حمداً ورضىً من دون حدود ، فهاتان الحالتان تأويل قوله تعالى : ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)﴾
(سورة الجاثية)
إذاً بهذه الأمثلة فُهِم معنى التأويل ، وهو تحقق وعد الله ووعيده . 5 ـ التكذيب بعد وقوع التأويل مستحيل :
إن التكذيب بعد وقوع التأويل مستحيل ، فهذا المهندس بما أوتي من فهمٍ دقيق ، وإدراكٍ عميق ، كشف أن في البناء خطراً ، وأنذر أصحابه بوقوع البناء ، انتهت مهمته ، وهم إن كذَّبوه وقع البناء فوق رؤوسهم وقتلهم جميعاً ، وإن صدَّقوه نجوا ، لكن إذا كذَّبوه ثم وهم نائمون رأوا فجأةً البناء ينهار عليهم ، فهم خلال ثوانٍ يصدقون قوله ، لكن متى صدقوه ؟ بعد فوات الأوان ، فالبطولة أن تصدِّق قبل أن يأتي التأويل ، أما بعد أن يأتي التأويل فلن تجد مكذباً إطلاقاً ، لم يبق على وجه الأرض مكذِّب ، البطولة إذا رأيت ما يشبه القنبلة أن تسارع لمعرفة ما إذا كان فيها فتيل أم ليس فيها فتيل ، لكن إذا جربتها بنفسك لا سمح الله ووقع انفجار ، فإنك خلال ثانية تعرف ، لكن متى ؟ بعد أن أطاحت بصاحبها ، عرف أنها قنبلة ، هل استفاد من هذه المعرفة ؟ لا ، إن البطولة أن تعرفها قبل أن تنفجر ، هذا التأويل ، أن تعرف ما سيكون قبل أن يكون ، أن تعرف أن هناك يوماً آخر ، فيه ساعة اللقاء مع الله عزَّ وجل ، فيه حساب دقيق ..(( لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ : عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ ؟ وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَ أَبْلاهُ ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ ، وَفِيمَا وَضَعَهُ ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ ؟ ))
[ من سنن الدارمي عن معاذ بن جبل ]
هل أصبحنا بمستوى معلوماتنا خلال كذا درس ، خلال سنة من الدروس ؟ لقد صار لدينا معلومات دقيقة جداً فهل نحن في مستواها ؟ وهل كل شيء عرفناه طبقناه .. عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ ؟ وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَ أَبْلاهُ ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ ، وَفِيمَا وَضَعَهُ ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ ؟ ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴾
كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ
1 ـ علاقة الظلم بالتكذيب :
هذا كلام رب العالمين ، فما علاقة الظلم بالتكذيب ؟ وإليك بعض الأمثلة قالوا لك : حصل بركان ، وثار في كولومبيا ، قُتل من جرائه خمسة وثلاثون ألف نسمة ، قال آخر : خمسة وعشرون ، وأحدهم كذب الخبر ، فماذا يحصل ؟ هناك أشياء إذا كذبتها لا يحصل شيء ، كما في الخبر السابق ، و قال أحدهم : ليس من المعقول أن يكونوا قد صعدوا إلى القمر ، حجمه صغير لا يتسع لمركبة فضائية ، كذب بارتياد الفضاء الخارجي فليس لتكذيبه عواقب وخيمة لا عليه ولا على غيره .
أما بعد ؛ فاستمع لقوله تعالى :
﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴾
ما علاقة التكذيب بالظلم ؟ إن كل مكذبٍ بمنهج الله سبحانه وتعالى لابدَّ من أن يقع في الظلم ، فإذا كذبت بغض البصر فقد كذبت بهذا التشريع ، وأطلقت البصر كما تشاء فإطلاق البصر هذا لابدَّ من أن يبذر في النفس بذور الهوى ، ويثير كوامن الشهوة ، ويلهبها ، ثم لابدَّ من أن تعتدي على أعراض الآخرين ، والتكذيب بغض البصر لابدَّ من أن ينتهي بك إلى العدوان على أعراض الناس ، ومثله التكذيب بأن الربا محرم ، لابدَّ من أن يحملك على أكل الربا ، وأكل الربا ظلم ، الفكرة دقيقة ، فعلاقة التكذيب بالظلم علاقة إيجابية مسلم بها .
إذا كذبت بالمنهج الصحيح فالعاقبة وخيمة ، لو أن إنساناً كذب أن يكون الوقود السائل وقوداً للسيارة ، ووضع ماء مكانه ، هل تسير السيارة ؟ لا تسير ، هذا تكذيب له مضاعفات ، وضع الماء فبقيت السيارة في مكانها واقفة ، لما كذب أن الوقود بنزين ، فوضع مكان البنزين ماء ، معنى ذلك بقي أنه في أرضه جامدًا ، فليس كل تكذيب خطرًا ، إذا لم تصدق أنه قضى خمسة وثلاثون ألفاً في بركان ، بل قلت : خمسة وعشرون ألفاً ، فالأمر سيّان ، هذا تكذيب غير خطر ، لكن إذا كذبت بمنهج الله عزَّ جل فهذا تكذيب خطر ، تكذيب مدمر ، ينتهي بصاحبه إلى الظلم ، والظلم ظلماتٌ يوم القيامة ، هذه دقة الربط في القرآن .
﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴾
2 ـ النتيجة عقب السبب : كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ
كذب الذي من قبلهم فانظر ، هذه الفاء للترتيب على التعقيب ، أي لابدَّ من أن تأتي النتيجة عقب السبب ، كذب بالآيات .. ﴿ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴾
أشخاصٌ كثيرون يحلفون يميناً غموساً في المحاكم ، لا تنقلهم أقدامهم مترين إلا ووقعوا في حالاتٍ مَرضيةٍ وبيلة ..﴿ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ(39)وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ ﴾
معاني الحروف المقطّعة :
1 ـ علاقة الفساد بعدم الإيمان :
ما علاقة الفساد هنا بعدم الإيمان ، أي إن لم تؤمن بهذا الكتاب فلابدَّ من أن تكون مفسداً في الأرض ، تفسد العلاقات بقولك ، بنظراتك ، بتعاملك مع الناس ، ما دمت لا تؤمن بهذا القرآن فلابدَّ من أن تكون مفسداً ، فإما أن تكون مصلحاً ، وإما أن تكون مفسداً ، كأن الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات يبين لنا ما ينتج عن الإيمان به ، وما ينتج عن عدم الإيمان به .
﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ ﴾
إن لم تؤمن بهذا الشرع الحنيف بهذا المنهج القويم . ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾
(سورة الإسراء)
فلابدَّ من أن تكون مع المفسدين . ﴿ وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ﴾
وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ
1 ـ لا يرفعك مدحٌ ولا يخفضك جرحٌ :
عندك في البيت كيلو من معدن الحديد ، قلت للناس : هذا ذهب ، قالوا لك : كذب ، هذا حديد ، وهو ذهبٌ فعلاً ، مَن الخاسر ؟ هم ، من الرابح ؟ أنت ، ولو أن عندك كيلو من الحديد وقلت للناس : هذا ذهب ، وهو حديد ، فصدقوك ، كلهم صدقوك ، لكن مَن الذي يخسر ؟ أنت ، علاقتك مع نفسك ، كل محاولات الدجل ، والاستعراض ، وعرض العضلات أشياء سخيفة ليس لها وزن عند الله عزَّ وجل ، لك حقيقة عند الله ، لا تجرحها إساءة ظن الناس بك ، ولا يرفعها ثناء الناس عليك ، والشيخ محي الدين رضي الله عنه قال عنه بعضهم : زنديقٌ كافر ، وقال عنه بعضهم : سلطان العارفين ، لا قول بعضهم سلطان العارفين يرفع مكانته عند الله ، ولا قول بعضهم أنه كافر يخفضه عند الله .. ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ﴾
(سورة البقرة : من الآية 134)
علاقتك مع نفسك ، فأرح نفسك من أقوال الناس ، لا تستجدِ ثناءهم .(( أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ ))
[ سنن الترمذي عن عقبة بن عامر ]
طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ، طوبى لمن وسعه بيته وبكى على خطيئته .
هذه النصيحة الإلهية ..
(( مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
هذا المثل لا تنسوه أبداً ، معك كيلو من المعدن ، الناس جميعاً ظنوه حديدا ، وهو ذهبٌ ، ثمنه مائة وثمانية وخمسون ألفاً ، فهم واهمون ، وأنت مصيب ، معك كيلو من الحديد ، أوهمت الناس بأنه ذهب ، وصدقوك ، وهو حديد فأنت الخاسر المخادع . ﴿ وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ﴾
2 ـ لا تملك إلا عملَك فأصلحْه :
عملي ملكي ، وكل شيء غيره عارية مستردة ، فالإنسان ماذا يملك ؟ هل يملك البيت ؟ لا يملكه ، لابدَّ من أن يخرج منه بشكلٍ أفقي ، أبداً ، إذا كان للواحد بيت يقول : أين سوف يغسلونني ؟ له غرفة خاصة فهل يغسلوه فيها أم في الحمام ، أو المطبخ ... لابدَّ من أن يخرج منه ، دخل إليه ، ثم يخرج منه بعد أن سكنه عشر سنوات مثلاً ، هناك خرجة ما بعدها رجعة ، فالبيت ليس لك ، السيارة ليست لك ، تؤخذ مفاتيحها ، ويركبها أناس آخرون ، وعندك خزانة فيها مقتنيات ثمينة ، ليست لك ، وعندك أرض ارتفع سعرها مائة ضعف ، ليست لك ، ليس لك إلا عملك ..
(( يا قُيَيس ، إن لك قريناً تدفن معه وهو حي ، ويدفن معك وأنت ميت ، فإن كان كريماً أكرمك وإن كان لئيماً أسلمك ، ألا وهو عملك ))
[ ورد في الأثر ]
﴿ وَالْعَصْرِ(1)إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾
(سورة العصر)
﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا (103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104)﴾
(سورة الكهف)
﴿ وَإِنْ كَذَّبُوكَ ﴾
لا تبالِ ، لأنّ مَن عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به . ﴿ وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ﴾
أي .. ﴿ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾
(سورة فاطر)
كل إنسان محاسب على عمله ، لن تحاسبوا على عملي ، ولن أحاسب على أعمالكم . ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ(42)وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ(43)إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾



 

رد مع اقتباس
إضافة رد


(عرض التفاصيل عدد الأعضاء الذين شاهدوا الموضوع : 0
لا توجد أسماء لعرضهـا.
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
التفسير المختصر - سورة التوبة لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي العفريني قسم تفسير القران 19 10-13-2011 03:11 PM
التفسير المطول - سورة المائدة الدكتور محمد راتب النابلسي العفريني قسم تفسير القران 53 09-22-2011 08:49 AM


الساعة الآن 12:15 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000-2009, Jelsoft Enterprises Ltd KDهذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
منتديات اقليم كوردستان غير مسؤولة عن أي اتفاق تجاري أو تعاوني بين الأعضاء فعلى كل شخص تحمل مسئولية نفسه إتجاه مايقوم به من بيع وشراء وإتفاق وأعطاء معلومات موقعه التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتديات اقليم كوردستان ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)