|
| كلمة الادارة | |
| آخر المواضيع | |
|
|||||||
الإهداءات |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
#1 |
|
كبار الشخصيات
|
التفسير سورة يوسف
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، و أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. سورة يوسف سبب التسمية : أيها الإخوة المؤمنون، سورة اليوم هي سورة سيدنا يوسف عليه السلام، هذه السورة سميت بهذا الاسم لاشتمالها على قصة سيدنا يوسف، وقصة سيدنا يوسف أطول قصة في القرآن الكريم . سورة يوسف ترسيخ لعقيدة التوحيد : إنّ هذه القصة بموضوعها وحوادثها، وشخصياتها وحبكتها، وحوارها وبيئتها، وكل خصائصها الفنية مطوعة ومسخرة لتأكيد وترسيخ عقيدة أساسية في الأديان، ألا وهي عقيدة التوحيد، فالله سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم : ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ ( سورة محمد : 19) وهذه القصة بأكملها تؤكد أنه لا إله إلا الله، لأن الناس حتى ولو وصفوا بأنهم مؤمنون فأكثرهم عند الله مشركون، قال تعالى : ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) فلعل الإنسان إذا قرأ هذه القصة، ووقف على دقائقها، واستنبط من آياتها بعض الحقائق يهتدي إلى التوحيد، ليس في فكره بل في سلوكه، لأن التوحيد كفكرة واضح جداً، ومعقول جداً، و لكن كسلوك وكممارسة يومية بعيد عن معظم الناس . سورة يوسف مقدمات وخاتمات : اللغة العربية لغة القرآن : شيء آخر في هذه القصة، مقدمة فيها بعض الموضوعات وخاتمة فيها بعض التعقيبات، من موضوعات المقدمة، قال تعالى : ﴿ الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ(1)إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) صرحت هذه الآية أن لغة كتاب الله هي اللغة العربية، ولماذا اللغة العربية بالذات؟ وما هي خصائص هذه اللغة حتى تكون أداةً وقالباً لكلام الله سبحانه وتعالى، قال عليه الصلاة والسلام : (( أحبوا العربية لثلاث، لأني عربي، والقرآن عربي، ولسان أهل الجنة عربي )) الطبراني عن ابن عباس ربنا سبحانه وتعالى يقول :﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ (سورة يوسف : 2) اللغة العربية من أرقى اللغات : لابد من أن تكون اللغة العربية لها خصائص موضوعية تجعلها من أرقى اللغات الإنسانية، وإذا قلّ شأنها في العصور الحديثة فلضعف شأن أصحابها، وإذا قيل: إنّ هذه اللغة تعد أوسع لغة في العالم فلأن أصحابها اعتنوا بها، ورفعوا من شأنها، لكنّ اللغة العربية باعتراف فقهاء اللغة الأجانب من أوسع اللغات الإنسانية تصرفاً ومن أرقاها، وسوف أبين لكم بعض خصائص هذه اللغة . سيدنا عمر يقول: << تعلموا العربية فإنها من الدين >>، وتعلم اللغة العربية وتعلم الدين شيء واحد، بل إنّ اللغة العربية والدين صنوان لا يفترقان . بعض العلماء قسم اللغات الإنسانية إلى أقسام ثلاثة: اللغات المنعزلة، واللغات الإلصاقية، واللغات التحليلية . معنى المنعزلة: هذه اللغة تشبه لغة أهل الصين، أي أن الكلمة لا تتبدل، ولا تتغير، ولا يضاف عليها، ولا تصرف، وليس منها فعل، ولا فاعل، ولا اسم فاعل، ولا فعل مضارع، ولا فعل أمر، ولا مصدر، ولا صفة مشبهة، ولا اسم مكان، ولا اسم زمان، هذه الكلمة لا سواها، هذه لغات الشعوب البدائية، ويمكن أن تنطوي لغة الصين تحت هذا القسم . وهناك نوع آخر من اللغات، إنها اللغات الإلصاقية، منها اللغة اليابانية، واللغة التركية، أي أنها تضيف حرفاً فتغير المعنى، وكلكم يعلم ما معنى كلمة أدب سيس، عقل يوك، يعني هذه لغة إلصاقية تضيف حرفاً أو حرفين فتعطي عكس المعنى . لكنّ اللغة العربية وبعض اللغات التحليلية تعد من أرقى اللغات الإنسانية، مثلاً:(عرف)فعل ماض، (يعرف)فعل مضارع، (اعرف)فعل أمر، (عرّف) هذا فعل مزيد، نقول: قطع وقطّع، كسر وكسّر، وغلّقتِ الأبواب، غلّق الباب بمعنى أرتجه، أما أغلق الباب بمعنى رده، إذاً: هناك وزن فعل ووزن فعّل، هناك وزن تفاعل، فاعل، كاتب، راسل، قاوم، دافع، فهناك مشاركة، فعرف، وعرّف، وتعرّف، وتعارف، وعرف، والعُرف، والعرف، والأعراف، والعراف، والتعريف، والعرفان، والمعرفة، والعارف، أي أنّ الكلمة الواحدة يوجد منها فعل ماض، فعل مضارع، فعل أمر، مزيد على الثلاثي بحرف، مثلاً فعّل، بحرفين تفاعل، بثلاثة استفعل، هناك اسم فاعل عارف، اسم مفعول معروف، اسم آلة، اسم تفضيل أعرف، اسم زمان، اسم مكان، صفة مشبهة لاسم الفاعل، هذه كلها مشتقة من مادة عرف، وعلى هذا فقس علم، يعلم، اعلم، عالم، معلوم، علاّم، عليم، تعليم . فاللغة العربية تمتاز بأنها لغة تحليلية متصرفة، فمثلاً باللغات الأجنبية الكتاب book، والطاولة table، وكتب write، أما في اللغة العربية كتب، مكتب، كتاب، من أسرة واحدة . لا أريد من هذه التفصيلات أن يكون الدرس في اللغة العربية، ولكن أريد أنّ أقول: حينما جعل الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم عربياّ فإنّ في اللغة العربية خصائص موضوعية تجعلها من أرقى اللغات الإنسانية . ظاهرة الإعراب في اللغة العربية : شيء آخر، في اللغة العربية الإعراب، الإعراب يعني حركة واحدة تغير المعنى، مثلاً: قال تعالى : ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ ( سورة فاطر : 28) العلماءُ فاعل مؤخر، ولفظ الجلالة منصوب على أنه مفعول به مقدم، بوضع الضمة على كلمة العلماء معناها هي الفاعل، ووضع الفتحة على لفظ الجلالة معناها مفعول به منصوب على التعظيم، إذاً: بحركة واحدة يتبدل المعنى . مثلاً :﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى ﴾ ( سورة التوبة : 40 ) بحسب التصور: وكلمةُ الله هي العليا، لو قلنا: كلمةُ الله هي العليا يكون المعنى فاسدًا، لأنه جعل كلمة الذين كفروا السفلى، فيعني أنها كانت عليا فجعلها سفلى، وكلمةَ اللهِ هي العليا يعني أنها كانت سفلى فجعلها عليا، فالمعنى فاسد :﴿ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ﴾ ( سورة التوبة : 40) فتحريك أواخر الكلمات بحركات هي حروف مد مخطوفة، هذا شيء يضفي على اللغة العربية دقة بالغة، لذلك ظاهرة الإعراب ظاهرة أساسية في اللغة العربية، من هنا قالوا: إنّك تفهم النص فتقرأه صحيحاً، لكنك في بعض اللغات الأخرى تقرأ فتفهم، أما عندنا فتفهم فتقرأ، لابدّ من أن تكون عينك على كلمة لاحقة حتى تحسن قراءتها، قالت له: يا أبت ما أجملُ السماءِ، قال: نجومها، قالت: لست أريد هذا، أريد أنّ السماء جميلة، قال: قولي: ما أجملَ السماءَ! بينما أجملُ السماء لها معنى، وما أجملَ السماء لها معنى آخر . فظاهرة الإعراب ظاهرة راقية جداً في اللغة العربية، مثلاً: إذا أردت أن تقول: إنّ زيداً ضرب عمرواً، من دون إعراب يجب أن تقول: إنَّ الذي ضرب عمرواً هو زيدٌ، إذا قلت: ضرب زيدٌ عمرواً بهذه الضمة جعلته فاعلاً، وبهذه الفتحة جعلته مفعولاً به، إذاً: ظاهرة الإعراب ظاهرة دقيقة جداً . ظاهرة تحريك الحرف بالحركات : هناك التحريك أيضاً مثلاً البَر والبُر والبِر، البَر يعني اليابسة، والبُر هو القمح، والبِر هو الإحسان، بالبِر يستعبد الحُر، قدَم وقدُم وقدِم، قدَم بمعنى سبقه بقدمه، وقدُم أصبح قديماً، وقدِم بمعنى حضر، خلْق وخُلُق وخلِق، خلِق بمعنى مضطرب، خُلُق بمعنى الأخلاق، الخلْق بمعنى البنية، كان عليه الصلاة والسلام حَسَنَ الخَلْقِ والخُلُق، أمثلة كثيرة يَثني لها معنى و يُثني لها معنى، يَثني بمعنى يطوي، أما يُثني فبمعنى يمدح، الفرق حركة واحدة . إذاً: هذه الحركات تضفي دقة بالغة على الكلمات، هذه ظاهرة من ظواهر اللغة العربية : ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ ( سورة يوسف : 2) ظاهرة مناسبة الحروف : شيء آخر، قال بعض علماء فقه اللغة: إنّ هناك ظاهرة في اللغة العربية دقيقة جداً وهي مناسبة الحروف لمعانيها، أي كل كلمة فيها حرف سين فيها شيء داخلي، إحساس داخلي، كأن تقول: نفس، حس، إنس، لمس، همس، وسوسة، سر، أية كلمة فيها حرف السين فيها شيء داخلي يجول في النفس، وأية كلمة فيها حرف غين مثلاً غائب، في غيبوبة، ليس أمامنا، غيبة تتحدث عنه في غيبته، غيب شيء لم يقع بعد، غامض غير واضح، غريب، ليس من هذا البلد، فتلاحظون أنّ أية كلمة فيها حرف الغين فيها معنى الغيبوبة والاستتار، أية كلمة فيها حرف الراء فيها معنى التكرار جرّ، مرّ، كرّ، فرّ، والذي يغرق قال بعض العلماء: لِمَ نقول للذي يغرق غرق، لأنّه غاب عن الأنظار، فوضعنا الغين، تتالى سقوطه وضعنا الراء، ارتطم بقاع البحر وضعنا القاف، طرق، لصِق، عبِق، هناك حركة عنيفة في القاف، هذه الظاهرة اسمها مناسبة الحروف لمعانيها، واللغة العربية وحدها تنفرد بهذه الظاهرة، كوسوسة، زقزقة، كلمة زقزقة، لو لم تعرف معناها أصوات هذه الكلمة تشعرك بمدلولها . ظاهرة الاشتقاق الكبير والكُبَّار : هناك أيضاً الاشتقاق الكبير، كما قلت قبل قليل: هناك اسم فاعل، اسم مفعول، هناك صيغ مبالغة لاسم الفاعل، نقول: فعّال ككذّاب، يعني كثير الكذب، كذوب على وزن فعول، رحيم على وزن فعيل، فاروق على وزن فاعول، حذِر، قلِق، مرِن، قذِر، على وزن فعِل، أي أنّ هناك صيغَ مبالغة لاسم الفاعل، واسم فاعل، اسم مفعول، اسم مكان، اسم زمان، اسم آلة، قال تعالى : ﴿ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾ ( سورة الإسراء : 80) لم يقل الله عز وجل: مَدخل صدق، المَدخل اسم مكان من دخل، أما مُدخل اسم مكان من أدخل، مادام إدخالا إذاً هو مُدخل، إخراج مُخرج، إن كان إخراج قصري هذا مُخرج، إذا خروج طوعي هذا مَخرج، عندنا أيضاً اشتقاق كُبّار، هو النحت، مثلاً سبحل، سبحان الله اختصرت بكلمة سبحل، أدام الله عزك اختصرت بكلمة دمعز، لا حول ولا قوة إلا بالله اختصرت بكلمة حوقل، لا إله إلا الله اختصرت بكلمة هلل، الله أكبر اختصرت بكلمة كبّر، سبحل، ودمعز، وحوقل، و هلل، وكبّر، وحمدل، وحيعل، أي قال: حي على الفلاح . إذاً: في اللغة العربية اشتقاق صغير وكبير وكبّار، وتصريف وتكبير، مثلاً: كل واحد منا يستطيع أن يصوغ مصدراً صناعياً، أية كلمة أضف إليها ياء مشددة وتاء مربوطة تصبح مصدراً صناعياً، الجمهورية الشعبيّة، الطلابيّة، العنصريّة، الوطنيّة، القومية، إذاً: هذا الذي أنقله لكم لا على سبيل الحصر، بل على سبيل المثال . الأصوات في اللغة العربية ثابتة : شيء آخر، أنّ أصوات هذه اللغة ثابتة فهم يسمون لغتنا لغة الضاد، لأنّ أوسع مدْرج صوتي في لغات العالم هي اللغة العربية، ليس في لغات الأرض لغة واحدة فيها حرف الضاد: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ ( سورة يوسف : 2) عندنا في اللغة العربية الضاد، وعندنا الدال، الطاء حرف مفخم، والتاء حرف مرقق، كل واحد حرف، والصاد حرف مفخم، والسين حرف مرقق، عندنا صاد وسين، عندنا ضاد ودال، عندنا طاء وتاء، عندنا سين وزاي، هذه حروف منوّعة . الشعر الجاهلي دليل على ثبات اللغة العربية : عندنا شيء آخر، ليس في لغات الأرض كلها من دون استثناء أمة يقرأ طلابها شعراً قيل قبل ألف وخمسمائة عام إطلاقاً، طلابنا في الصف العاشر يقرؤون شعر امرئ القيس، وقد قيل قبل ألف وخمسمائة عام، أما الإنكليز فشكسبير شاعرهم الشهير توفي في القرن السادس عشر، ولا يستطيع إنسان بريطاني واحد أن يقرأ شعر شكسبير كما كتبه، شعر شكسبير مترجم من اللغة الإنكليزية القديمة إلى اللغة الإنكليزية الحديثة، أما أن يقرأ طلابنا شعراً قيل قبل ألف وخمسمائة عام فهذا ثبات في اللغة العربية، ثبات أصواتها، ثبات كلماتها، ثبات قواعدها : ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ ( سورة يوسف : 2) ظاهرة الترادف في اللغة العربية : ترادف اللغة العربية ظاهرة فريدة، مثلاً: تقول نظر إلى الشيء معروف، معلوم عندكم معنى هذا الفعل، لكن عندنا فعل رأى، رأى تشمل النظر بالعين ورؤية القلب، عندنا فعل حدّج أي نظر مع المحبة، قال عليه الصلاة والسلام : (( حدِّث القوم ما حدّجوك بأبصارهم )) ورد في الأثر حدّج أي نظر مع المحبة، رنا نظر مع الاستمتاع، نظرت إلى البحر تقول: رنوت إليه، شخَص نظر مع الخوف، قال تعالى :﴿ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ( سورة الأنبياء : 97) نظر شزراً مع الاحتقار، استشف نظر مع اللمس، استشرف نظر مع التمطي، حدّج نظر مع المحبة، بحلق اتسعت حدقة العين، حملق ظهر حملاق عينه، هناك حملق وبحلق وحدّق وحدّج، ونظر شزراً، وشخَّص، واستشف، واستشرف، ونظر، ورأى ورنا، كل فعل يعني حالة خاصة من حالات النظر، قال تعالى : ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ ( سورة يوسف : 2) ينبغي أن نعتز بهذه اللغة، أنا أتحدى أي طالب جامعي يحمل شهادة ليسانس أن يقرأ القرآن بلا غلط، الناس متهافتون على تعلم اللغات الأجنبية حباً بالمال، حباً بالتجارة، حباً بالاستيراد، حباً بالتعامل، حباً بالوظيفة، ولكنّ المؤمن ينكب على تعلم اللغة العربية لأنها من الدين: << تعلموا العربية فإنّها من الدين >> . وقف أمام النبي الكريم رجل يقرأ فلحن في قراءته فقال عليه الصلاة والسلام : (( أرشدوا أخاكم فإنّه قد ضلْ )) كنز العمال عن أبي الدرداء كان عليه الصلاة والسلام أفصح العرب، لذلك قال العلماء: إنّ أفصح كلام بعد القرآن الكريم كلام النبي عليه الصلاة والسلام :(( أنا أفصح العرب ، قال بيد أنّي من قريش )) كنز العمال عن بريدة قريش أفصح القبائل، وهذا أسلوب اسمه أسلوب تأكيد المدح بما يشبه الذم، أنا أفصح العرب، بيد أني من قريش .(( إِنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا )) البخاري عن ابن عمر (( إِنَّ مِنْ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً )) ابن ماجه عن أبي بن كعب هكذا قيل . ظاهرة الاشتراك اللفظي : في اللغة العربية ظواهر غريبة جداً، مثلاً: عندنا ظاهرة اسمها المشترك اللفظي، فكلمة يشري لها معنيان متعاكسان، يبيع ويشتري، قال تعالى : ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ ( سورة لقمان ) جاءت هنا بمعنى يبيع، كلمة المولى مثلاً، تأتي بمعنى السيد والعبد، مولاي يا سيدي، ومولاي عبدي، كلمة ظنّ بمعنى تأكد أو حسب، قال تعالى : ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ ﴾ ( سورة البقرة : 46) ﴿ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ﴾ ( سورة الحجرات : 12) ظاهرة التضادّ والترادف في اللغة العربية : عندنا ظاهرة في اللغة اسمها التضاد، مثلاً: سميت الصحراء المخيفة مفازاً، والإنسان لا يفوز فيها، بل يضيع، سميت مفازة على عكس واقعها تفاؤلاً لمن كان فيها بالفوز، وسمي الملدوغ من أفعى أو عقرب سليماً تفاؤلاً له بالسلامة، هذا التضاد . وفيها ترادف، وقد عدّ العلماء أكثر من ستة آلاف اسم للجمل، وهذا اتساع العربية في التعبير، هذا غيض من فيض، هناك كتب تزيد على أربعمائة صحيفة كلها في خصائص اللغة العربية، البحث متعلق بعلم اسمه علم فقه اللغة، هذا العلم يؤكد أنّ الله سبحانه وتعالى اختص هذه اللغة لكلامه، فشَرُفت بكلام الله، وشَرُفنا بانتسابنا لهذه اللغة، وانتسابنا لهذه الأمة، فإذا خصص الإنسان جزءاً من وقته لتعلم العربية فسوف يجد أحكاماً دقيقة جداً، وفهم كتاب الله يحتاج إلى تعلم اللغة العربية، لمعرفة الكلام، أنواع الكلام، ماذا تعني هذه الكلمة، ماذا تعني هذه العبارة، لمَ هذه الكلمة منصوبة؟ لمَ هي مفتوحة؟ لمَ مجرورة . على كلٍ؛ أردت من هذه المقدمة اللغوية أن أؤكد لكم أنّ كلام الله سبحانه وتعالى اختاره الله، اختار اللغة العربية قالباً له، لأنّ اللغة العربية من أرقى اللغات الإنسانية باعتراف كبار علماء اللغة الأجانب، يرون أن اللغة العربية من أوسع اللغات الإنسانية في التعبير، ومن أشدها مرونة وقدرة على استيعاب كل الأشياء الغريبة عنها، واللغة العربية الآن استوعبت كل منجزات العصر الحديث، ومع ذلك ترى من الناس من يستعلي باستخدام الكلمات الأجنبية، وهذه نزعة شعوبية نعوذ بالله منها . شيء آخر، في قصة هذا النبي الكريم سماه النبي عليه الصلاة والسلام الكريم ابنُ الكريم ابنِ الكريم ابنِ الكريم يوسف بن يعقوب عليه السلام بن إسحاق بن إبراهيم، لن أبدأ بتفسيرها في هذا اللقاء، ولكن سوف أضع بعض الحقائق بين يدي هذه السورة الكريمة . خصائص القصة العنصر الإنساني وأثره في قصة يوسف : هذه السورة فيها مقدمة تتحدث عن أنّ القرآن عربي، وقد شرحت لكم قبل قليل شيئاً من ذلك، ثم فيها إشارة إلى أنّ أسلوب القصة يعد من أرفع أساليب التوجيه، لذلك الذي يملك قدرة على رواية قصة يملك القدرة على الأخذ بالقلوب، ربنا عزّ وجل يقول : ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ﴾ ( سورة يوسف : 3) في القصة خصائص تجعل الإنسان يهفو إليها . حب الأب لابنه : العنصر الإنساني عنصر بارز في القصة، فالقصة تتعلق بالإنسان، بعواطفه، بمشاعره، بمواقفه، بارتفاعه، بانحطاطه، بقوته، بضعفه، بأحزانه وأفراحه، بمآسيه ونكباته، وبمنجزاته، أبرز ما في القصة العنصر الإنساني . لذلك ما الذي سوف نجده في هذه القصة، نجد الحب الأبوي : ﴿ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ ( سورة يوسف ) لا يعرف الحزن إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها *** لو قرأ هذه القصة أبٌ كريم لذابت نفسه تفاعلاً معها، لأنها تتحدث عن عواطفه تجاه ابنه، في هذه القصة الحب الأبوي في أسمى صوره :﴿ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) قلق الأب، شوق الأب، فرح الأب، فارتدّ بصيراً، حينما ألقوا عليه قميص يوسف ارتد بصيراً، هذا هو الأب، هذه هي الرحمة التي أودعها الله في قلب كل أب، ولكنها تزيد على مثيلاتها في المؤمن، وتزيد على مثيلاتها في الأنبياء . الغيرة والحسد من أشد الأمراض فتكا : الغيرة والحسد أوسع أمراض البشر انتشاراً، لو أردت أن تحلل معظم المشكلات بين الناس والخصومات، والعداوات، وأنواع الطلاق، والأعمال التي تسبب الأذى لوجدت أنّ السبب الرئيسي هو الغيرة والحسد : ﴿ إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ ( سورة يوسف ) سوف نكيد له . التفاوت في التصرفات والمواقف : التفاوت في التصرف : ﴿ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوْ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) التفاوت في المواقف، الإنسان مخيّر، هذا وقف موقفاً إجرامياً، وهذا وقف موقفاً معتدلاً، وهذا وقف موقفاً مستنكراً، تفاوت في ردود الفعل في بني البشر . المكر والخداع والشهوة : يتضح في هذه القصة أيضاً المكر والخداع : ﴿ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾ ( سورة يوسف ) وفي آية أخرى :﴿ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾ ( سورة النساء ) الشيطان وطغيانه وصف الله كيده بأنه كان ضعيفاً، وأما النساء فوصف الله كيدهنّ بأنّ كيدهن عظيم، فالمرأة تستطيع أن توقع الفساد بين مائة أسرة، توقع الشقاق بين الإخوة، بين الآباء والأبناء، بين الآباء والأمهات، بين الشركاء، وكم من قصة أفسدت العلائق سببها امرأة، والذين يتابعون جرائم الناس، ويعملون في تقصي المجرمين عندهم قاعدة، هي أنّ كل جريمة وراءها امرأة، يقولون: فتش عن المرأة . المكر والخداع ظهر أيضا حينما واجه العزيز امرأته وهي تراود فتاها عن نفسه، قالت : ﴿ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ ( سورة يوسف ) هي التي راودته، وأوهمت زوجها أنه هو الذي راودها، وكيف أدخلته السجن بالمكر والخداع والشهوة، كيف أنّ الإنسان إذا بعُد عن الله عز وجل صار عبداً لشهوته، كيف أنّ الشهوة تَطغى وتُطغي وتردي صاحبها . ندم الجاني وعفو المظلوم : كيف أنّ مشاعر الندم قد تغمر الإنسان، وهذا أيضاً مضمون من مضامين هذه القصة الكريمة، وكيف أنّ الإنسان يرتفع حتى يعفو عن خصومه الذين كادوا له وهو في أشد حالات القوة، وهو أقدر ما يكون على أن ينتقم منهم : ﴿ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ ﴾ ( سورة يوسف ) هناك آلاف العِبر، وآلاف الدروس، وآلاف الاستنباطات، في الحياة الاجتماعية والحياة الأسرية والحياة الشخصية وعلاقة الإنسان مع غيره، ومع مجتمعه، ومع أقربائه، ومع خالقه، كل هذا يتضح من قصة هذا النبي الكريم . سورة يوسف تصوير لبيئة معينة : وهناك تصوير في هذه القصة للبيئة، لبيئة المجتمع المتحضر، وما فيه من علاقات متفسخة أحياناً، وكيف القوي والضعيف ، وكيف هو المكر والكيد، إنّ كل هذه المعاني من مضامين هذه القصة التي تعد أطول قصة في القرآن الكريم . قصة يوسف لم تتكرر في القرآن الكريم : وهناك ميزة أخرى؛ أنّ قصص الأنبياء لحكمة أرادها الله سبحانه وتعالى جاءت في مواطن متعددة من كتاب الله، وجاءت على شكل مختلف، فقصة سيدنا موسى تكررت سبع عشرة مرة، وفي كل مرة تُعجب بطريقة العرض والسرد، في كل مرة لها طريقة تختلف عن طريقة قيلت فيها في موضع آخر، لو وقفت عند هذه الطرائق في العرض والطرائق في الرواية لأخذك العجب العجاب، ولكنّ قصة يوسف لم تتكرر إطلاقاً، ولم يستطع أحد تطوير هذه القصة لأنها كما يقولون: نسيج وحدها، هذه قصة لم تتكرر، وتلك قصص قد تكررت، والإعجاز في التكرير وفي عدم التكرير . موقف بعض اليهود عند سماعهم قصة يوسف : شيء آخر، طائفة من اليهود حينما سمعوا هذه القصة أسلموا لمطابقتها لما ورد عندهم في التوراة، لذلك تعد هذه القصة من دلائل نبوة المصطفى عليه الصلاة والسلام، والدليل قال تعالى : ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) وفي نهاية القصة، قال تعالى : ﴿ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) من أعلمك بهذا لاشك أنّك رسول الله . إذاً: في هذه القصة دلائل على نبوة ورسالة المصطفى عليه الصلاة والسلام ورسالته . قصة يوسف فيها كل مقومات القصة : والشيء الذي يلفت النظر أنّ القصة كفن أدبي بلغت أعلى مستواها في هذه العصور، وتعد القصة الآن أكبر فنون الأدب وأوسع الفنون انتشاراً، ولها مقومات فنية دقيقة دقة بالغة، هناك مجلدات تدرس فنّ القصة، بحث الشخصيات، تصوير الشخصيات، الشخصيات التحليلية، الشخصيات التمثيلية، بحث عن الحوار وأنواع الحوار والسرد والوصف والحوار التمثيلي، والحوار التحليلي وعرض خبايا النفس من خلال الحوار، وبحث عن البيئة وتفاعلها مع الشخصيات والحوادث، وبحث عن حبكة القصة، وعن تقديم هذا الحدث وعن تأخيره . إنّ قصة سيدنا يوسف فيها كل المقومات الفنية للقصة الحديثة من دون إخلال بالغرض الديني، بالعكس إنّ الخصائص الفنية لهذه القصة تعد في خدمة الغرض الديني لها، هذا درس لنا إذا أردت أن تدعو إلى الله عز وجل ليكن كلامك بليغاً، ليكن كلامك رائعاً، ليكن مسبوكاً سبكاً حسناً، فإذا سخّرت خصائص الفن التعبيري لمضمون بليغ فقد حققت هدفاً نبيلاً، ماذا تجد؟ تجد شاعراً كبيراً سخّر طاقاته اللغوية والأدبية لأهداف خسيسة، لوصف نزواته الشخصية، لوصف مشاعره تجاه امرأة، لوصف امرأة، هذه القدرات البلاغية واللغوية والأدبية سخّرت لأغراض دنيئة، وقد تجد إنساناً يؤمن بالله عز وجل، وينطوي على أفكار وعقائد في غاية الأهمية، إذا أراد أن يعرضها لا يقوى على عرضها عرضاً بيانياً رائعاً، لذلك يُنَفِّرُ الناس منها، فإذا سخرت القدرات اللغوية والأدبية والفنية لعرض الحق عرضاً واضحاً دقيقاً جذاباً مؤثراً سحرياً فقد حققت الكمال في المضمون والشكل، لذلك : " تعلّموا العربية فإنّها من الدين " . أنا أغريكم؛ ولو تقدمت بكم السن، ولو تجاوزت سنين الدراسة أن يكون لكم في الأسبوع جلسة مع هذه اللغة التي تقرؤون القرآن بها، لغتكم لغة آبائكم وأجدادكم . مضمون قصة يوسفهو التوحيد : شيء آخر في هذه القصة أنّ مضمونها كله حول التوحيد وقد جاء مغزاها في آية واحدة، قال تعالى : ﴿ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) أنت تريد، وأنا أريد، فإذا سلّمْتَ لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تُسَلِّمْ لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد . يجب أن تؤمن إيماناً راسخاً أنّه إذا أردت ما أراده الله سعدت في الدنيا، وإن لم ترد ما أراده الله أتعبك الله في الدنيا، ثم لا يكون إلا ما أريد . ماذا أراد أخوة يوسف؟ أن يقتلوه، أرادوا أن يضعوه في الجب، أن يعزلوه عن أبيه، أرادوا به كيداً، وأراد الله له أن يكون نبياً، أن يكون عزيز مصر، خرج مرة في موكبه فرأته جارية تعرفه يوم كان عبداً في هذا القصر فقالت قولتها الشهيرة: سبحان الذي جعل العبيد ملوكاً بطاعته، وجعل الملوك عبيداً بمعصيته . هذا الموقف : ﴿ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾ ( سورة يوسف : الآية 23) هذا الموقف رفعه إلى أعلى عليين، جعله نبياً، جعله عزيز مصر، جعله في قمة المجتمع، ودخل عليه أخوته وهم صاغرون قال تعالى :﴿ قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا ﴾ ( سورة يوسف : من الآية 90) فقالوا له : يا أخانا اغفر لنا ذنبنا، فأجابهم: لا تثريب عليكم اليوم، ماذا أراد الله له، أرادوا أن يقتلوه، وضعوه في الجب ليكون عبداً طوال حياته، وأراد الله له أن يكون نبياً وعزيزاً وحاكماً . إذاً : كن مع الله تر الله معك و اترك الكل وحاذر طمعك و إذا أعطاك من يمنعه ثـم من يعطي إذا ما منعك *** ﴿ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) الله سبحانه وتعالى أمره هو النافذ من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام :(( ماضٍ فيّ حكمك أبداً ، عدلٌ فيّ قضاؤك )) أحياناً أخ كبير يغتصب ثروة أخيه الصغير، يموت الأب ويترك ميراثاً واسعاً، وهناك أخ كبير وصغير، يأتي الكبير فيغتصب مال الصغير، هكذا أراد، ولكنّ الله له إرادة أخرى، هذا الصغير يوفقه الله فيشتري من الكبير، حتى يصبح الكبير فقيراً وهو أجير عند الصغير . قد تُطلق هذه المرأة ظلماً، تريد أن تحطمها، أن تسحقها، أن تجعلها في أسفل سافلين، يأتي إنسان آخر فيتزوجها، ويرفع شأنها، ويكرمها، وقد تكون أنت أجيراً عنده، وقد يستخدمك لنقل حاجاته إلى البيت، تفتح لك الباب، تقول لك: ضع الأغراض هنا، أنت ماذا أردت حينما طلقتها؟ أن تحطمها، ماذا أراد الله؟ أراد أن يرفعها، " أنت تريد، وأنا أريد، فإذا سلّمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد " . حتمية نصر الله : شيء آخر، في القصة إشارة إلى حتمية نصر الله سبحانه وتعالى : ﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا ﴾ ( سورة يوسف : من الآية 110) إذا قرأت هذه القصة يمتلئ قلبك ثقة بنصر الله، يمتلئ قلبك ثقة بأنّ الله سبحانه وتعالى لابد من أن يفرِّج عن عباده، حتى إذا استيئس الرسل، يعني حتى أنّ اليأس وصل إلى الرسل، كانوا آخر الناس يأساً، قال تعالى: ﴿ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾ ( سورة يوسف : من الآية 110) وهذا مما تشتمل عليه هذه القصة الكريمة . لفت نطر الناس إلى الكون : شيء آخر، هناك إشارات في هذه القصة إلى موضوعات عدة، منها لفت نظر إلى الكون، قال تعالى : ﴿ وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) دعوة إلى التفكر في آيات الله التي بثها الله في السماوات والأرض . تقريع للشرك وأهلِه : شيء آخر، في القصة تقريع لهؤلاء المؤمنين الذين هم في تصرفاتهم مشركون، في عقيدتهم مؤمنون، وفي تصرفاتهم مشركون، هذا الذي يعصي ربه خوفاً من إنسان هو مشرك، هذا الذي يتقاعس عن مجلس علم خوفاً من إنسان أو إرضاءً لإنسان عند الله مشرك، قال تعالى : ﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ ( سورة يوسف : الآية 103) ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) الإشارة إلى الـتاريخ : شيء آخر، هناك إشارة إلى التاريخ، قال تعالى : ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ ( سورة يوسف ) دعوة إلى الاتعاظ بأحداث التاريخ السابقة . كلُّ أُمة كافرة لابد من هلاكها : وفي القصة إشارة إلى أنّ كل أمة لا تستقيم على أمر الله، وتكذب بآيات الله لابد من أن يهلكها الله سبحانه وتعالى : ﴿ أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) علامة الدعاة الصادقين : وفي نهاية المطاف إشارة إلى علامة سابقة من علامات الدعاة الصادقين، قال تعالى : ﴿ قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾ ( سورة يوسف : من الآية 108) علامة الداعية الصادق أنه يدعوك على بصيرة لا على عمى . خاتمة : في القصة مقدمة فيها إشارة إلى قيمة اللغة العربية، وإلى قيمة أسلوب القصة في التوجيه، والقصة لها مغزى كبير، وهو وحدانية الله سبحانه وتعالى : ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ ( سورة محمد : من الآية 19) |
|
|
|
#2 |
|
كبار الشخصيات
|
﴿ وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾
( سورة هود ) بين يدي سورة يوسف : سورة يوسف تثبيت لقلب النبي عليه الصلاة والسلام : في سورة هود قص ربنا سبحانه وتعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم قصص الأنبياء، وما عانوه من أقوامهم، وفي هذه السورة قصة سيدنا يوسف يقص عليه هذه القصة ليثبت به فؤاده، لأنّ هذا النبي الكريم لم يعان من قومه، بل عانى من إخوته، فإذا كانت المعاناة من الأقوام فالنبي صلى الله عليه وسلم له بالأنبياء الصادقين أسوة حسنة، وإن كانت المعاناة من الأقربين فله في سيدنا يوسف أسوة حسنة، ونحن إن جاءتك المتاعب من الأباعد فهذا درس يوضع أمامك، وإن جاءتك المتاعب من الأقارب، من الأهل، من الإخوة فلك في هذا النبي الكريم أسوة حسنة . بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ(1)إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(2)نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) لماذا سميت هذه السورة أحسن القصص؟ لماذا سمى ربنا سبحانه وتعالى هذه القصة أحسن القَصص؟ قال بعضهم: لأنّ مغزاها يقوم على العفو والتسامح والرأفة والرحمة، موقف سيدنا يوسف في نهاية القصة من إخوته الذين كادوا له وائتمروا على قتله، ثم وضعوه في الجب، كان موقفه موقفاً إنسانياً رقيقاً رحيماً . وقال بعضهم: لأن فيها ذكرى الأنبياء والصالحين والملائكة والشياطين والعلماء والتجار، فيها ذكر الحب الأبوي، والغيرة، والمكر والخداع ،والعفو والفرح، وفيها ذكر البيئات بيوت الملوك، وقصور الملوك والأسواق والسجن، فيها أشياء منوعة جداً، ومواقف إنسانية، وبيئات بشرية، وما إلى ذلك . ﴿ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) تحدثت في الدرس الماضي عن هذه الآية، وكيف أنّ النبي عليه الصلاة والسلام جاء بقصص لا يعلمها أحد مما نثبت به نبوته، وقد جاءت في الكتب السابقة . مشاهد قصة يوسف عليه السلام : الآن مع المشهد الأول إن صحّ أنّ لهذه القصة مشاهد : المشهد الأول : ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ ( سورة يوسف ) منزلة الابن عند والديه : سيدنا يعقوب عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام له ولدان من زوجة، وأحد عشر ولداً من زوجة أخرى، سيدنا يوسف وأخوه من زوجة كانا صغيرين، وكانا أثيرين على قلبه، كان يحبهما حباً جماً لأسباب كثيرة، قد سئلت أم: أيّ أولادك أَحبُ إليك، قالت: " الصغير حتى يكبر، والغائب حتى يرجع، والمريض حتى يشفى "، على كل، كان هذا الابن وما حباه الله من وسامة وجمال، ورقة ونعومة، وتحبب إلى قلبه، كان سيدنا يوسف آثَرَ الأولاد إلى قلب أبيه، رأى رؤيا، والرؤيا لها بحث يطول، ما منا واحد إلا ويرى في المنام رؤى، هل هذه الرؤى باطلة؟ وما فائدتها؟ ولماذا يرى الإنسان ؟ الرؤيا حياة نفسية : بادئ ذي بدء، حينما يرى الإنسان في المنام رؤيا لا شك أنّ نفسه تنفصل عن جسده، مما يثبت الحياة النفسية أنّك قد تكون نائماً فتنتقل من مكان إلى مكان تفرح أو تحزن، تسعد أو تشقى، تتألم أو تُسر، كل هذا وأنت في الفراش، إذاً: لك حياة نفسية ثابتة، والله سبحانه وتعالى حينما جعل الرؤيا من لوازم بني آدم، من لوازم النفس الناطقة، الرؤيا من لوازم النفس الناطقة، حينما جعل الرؤيا من لوازم النفس الناطقة جعل لها هدفاً كبيراً . الرؤيا ثلاثة أنواع : العلماء قالوا: الرؤيا من الله عز وجل، أو من المَلك، أو من الشيطان، بعضهم قسمها تقسيماً آخر: رؤيا من الشياطين، هي أضغاث أحلام، لا معنى لها، تناقض، تضارب، يصعب تفسيرها، أغلب الظن أنّها تأتي بعد عشاء دسم، أو أنّ الرؤيا تعبير عن رغبات جامحة تعسر على صاحبها أن يحققها في النهار، رغبات مكبوتة يراها الإنسان في منامه، الرغبات المكبوتة هي أضغاث الأحلام، أو الرؤى أو المنامات التي يراها الإنسان من قِبَل الشياطين هذه خارج موضوعنا اليوم، ولكنّ الله سبحانه وتعالى قد يتفضل على إنسان فيريه رؤيا من عنده، قالوا: هذه الرؤيا التي من عند الله سبحانه وتعالى لا تحتاج إلى تفسير لشدة وضوحها، والرؤيا التي تكون من قِبَل المَلك تحتاج إلى تأويل ، من هنا كان تأويل الرؤيا . الرؤيا الصالحة من المبشرات : وفي الحديث عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( لَنْ يَبْقَى بَعْدِي مِنَ النُّبُوَّةِ إِلاَّ الْمُبَشِّرَاتُ، فَقَالُوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ، أَوْ تُرَى لَهُ، جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ )) موطأ مالك النبي عليه الصلاة والسلام والأنبياء جميعهم عليهم الصلاة والسلام يأتيهم الوحي، فإذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يبشر عبده المؤمن، أو أن يحذره، أن يعلمه بمقامه، أن يشجعه، أن يخيفه، أن يبعده عن معصية، ما الطريق لنقل هذه البشارة أو هذا الإنذار؟ هذا التخويف، هذا الوعد، هذا الوعيد، هذا التعريف، هذا الإعلام، ما الطريقة؟ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( لَنْ يَبْقَى بَعْدِي مِنَ النُّبُوَّةِ إلاَّ الْمُبَشِّرَاتُ، فَقَالُوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ، أَوْ تُرَى لَهُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ )) موطأ مالك أحياناً يراك أخوك في المنام بحالة راقية، وأنت تدعو إلى الله، وأنت تفعل الصالحات، وأنت في الحج، وأنت في العمرة، هذه الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو تُرى له، على كلٍّ؛ الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه رأى في المنام مَلَك الموت فقال: يا مَلَك الموت، كم بقي لي في الحياة؟ فأشار مَلك الموت بكفه هكذا مبينا لها خمسة، فلما أفاق وقع الإمام مالك في حيرة شديدة، أترى بقي له خمس سنوات، أم خمسة أشهر، أم خمسة أيام، أم خمس ساعات، أم خمس دقائق، أو خمس ثوان؟ فتوجه إلى ابن سيرين، وكان عالماً بالتأويل، فقال: يا ابن سيرين، رأيت كذا وكذا، فقال: يا إمام، يقول لك مَلَك الموت: إنّ هذا السؤال من خمسة أشياء لا يعلمها إلا الله . فالرؤيا حق، ولولا أنّها حق لما جعلها الله سبحانه وتعالى من لوازم ابن آدم، والشيء الثابت أنّ الرؤيا تؤكد الحياة النفسية، فالإنسان قد ينام نوماً مُسعداً، قد يستيقظ على رؤيا صالحة يتمنى أن لا يفيق، يتمنى أن تبقى حاله أياماً طويلة، يزعجه أن يرى نفسه في الفراش، أن يرى نفسه في البيت، وقد يرى رؤيا مخيفة تبث في قلبه الرعب، وترتعد فرائصه، على كل بعض العلماء قالوا: الرؤيا على أربعة أقسام، إن كنت مستقيماً على أمر الله ورأيت رؤيا سعدت بها فهذه بشارة من الله سبحانه وتعالى، وإن كنت مستقيماً على أمر الله ورأيت رؤيا فزعت منها، فهذا تخويف من الشيطان لا تلتفت إليها، من رأى رؤيا حسنة فليقصها على من يحب، ومن رأى رؤيا غير حسنة فلا يقصها على أحد، وليستعذ بالله منها، لا تقصها على أحد . ماذا يفعل مَن رأى رؤيا مفزِعة؟ وشيء آخر، كان عليه الصلاة والسلام يأمرنا أننا إذا رأينا رؤيا أفزعتنا فلنقم ولنصلّ، بشكل مختصر الرؤيا وسيلة من وسائل الاتصال بين المؤمن والله سبحانه وتعالى، وبشكل أوسع بين العبد وبين ربه، لأن العبد الضال الشارد قد يرى رؤيا تتحقق، على كل إذا رأى رؤيا أفزعته وكان غير مستقيم على أمر الله فهذه من الرحمن، فإذا كان منحرفاً ورأى أنّه يلبس ثياباً بيضاء وفي بستان جميل فهذه الرؤيا من الشيطان، إنّها توريط له . أحياناً يأتي الشيطان لبعض الأقارب وقد توفي قريبهم فيراه في المنام بشكل حسن، فيقول: فلان في هيئة طيبة، وقد أكرمه الله ودخل الجنة، ويكون قد أكل المال الحرام، وفعل الموبقات، فهذه الرؤيا من الشيطان، الأصل أن تنظر إلى سلوك هذا الإنسان وعمله، فإن كان مستقيماً ورأى رؤيا أفرحته فهي من الله بشرى، وإن رأى رؤيا أفزعته فهي من الشيطان تخويف، وإن كان منحرفاً ورأى رؤيا أفزعته فهذه من الرحمن تحذير، وإن رأى رؤيا أفرحته فهذه من الشيطان تغرير، أربع حالات . لكنّ هناك ملاحظة ينبغي أن تعرفوها؛ هي أنّك إذا رأيت رؤيا لا سمح الله أفزعتك فاعلم علم اليقين أنها من الشيطان، ولكن عليك أن تؤمن بالرؤيا لأنّ الله سبحانه وتعالى ذكرها في القرآن الكريم في أماكن عدة . هذا النبي الكريم، هذا الطفل الوديع، هذا الغلام الوسيم، قال : ﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) عناصر رؤيا يوسف : أحد عشر كوكبا والشمس والقمر أما كلمة( رأيتهم )فلو أنّ الأحد عشر كوكباً والشمس والقمر هي على حقيقتها أحد عشر كوكباً وشمساً وقمراً فيجب أن يقول: رأيتها، هذه جمع مَن لا يعقل، أما حينما قال: رأيتهم، فقد حمل الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً على محمل العقلاء، إذاً فَهِمَ سيدنا يعقوب من هذه الرؤيا أنّ لهذا الغلام الوسيم مستقبلاً كبيراً وشأناً عظيماً في ميدان الدين، وميدان القرب من الله عز وجل، وبعضهم قال: إنّ تفسير هذه الرؤيا أنّ إخوته الأحد عشر وأمه التي هي الشمس، وقيل: خالته زوجة أبيه، لأنّ الخالة بمقام الأم، وقد توفيت أمه، والقمر أبوه ، ﴿ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ﴾ رؤيا الأنبياء حق لابد أن تتحقق : أي خاضعين . وبعضهم قال: إنّ الشمس جزأها الأعلى انحنى نحو الأسفل، وهذا معنى السجود، والقمر كذلك جزأه الأعلى انحنى نحو الأسفل، فهذه الرؤيا تعبِّر عن أنّ هذا الغلام الوسيم سيكون له مستقبل في ميدان القرب من الله عز وجل يفوق أباه وأمه وإخوته أجمعين، هذه هي الرؤيا . ﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ ﴾ فهناك تكرار، إنّي رأيت رأيتهم، ورؤية الأنبياء حق، قال تعالى : ﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ﴾ ( سورة الصافات ) رؤيا الأنبياء حق : ﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ ﴾ ( سورة يوسف ) نثيحة يعقوب لابنه ب‘خفاء أمر الرؤياعن إخوته : عرف هذا الأب الشفوق، وهذا الأب الرحيم، أنّ أخوة يوسف قد تقع في قلبهم الغيرة، وقد يقع في قلبهم الحسد، والشيء الثابت أنّ الأب والأم فقط لا يحسدان ابنيهما، ولا يغاران منه، أما الإخوة فقد تأكل قلبهم الغيرة، وقد يدب الحسد فيما بين الإخوة : ﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ ﴾ ( سورة يوسف ) من هنا استنبط العلماء أنّ على المرء ألا يظهر ما عنده، وألا يظهر فضله، وألا يبالغ في إظهار علمه، وإظهار المقدرات التي وهبه الله إياها، فلعل أحداً يحسده، ولعل أحداً يتمنى زوال النعمة عنه، وأن تتحول إليه . ﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ ﴾ على كل قال عليه الصلاة والسلام : (( استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان )) ورد في الأثر وقال بعض الشعراء : ليس الغبي سيداً في قومه لكنّ سيد قومه المتغابي *** من الذكاء أحياناً أن تبدو وكأنك غبي، إذاً: ليس من المستحب أن تظهر كل ما عندك، أن تزهو على الناس بما وهبك الله عز وجل : ﴿ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ ( سورة يوسف ) الشيطان يحب أن يوقع العداوة والبغضاء فيما بين الناس، وفيما بين الأقارب، وفيما بين الزوجين، وفيما بين الأخوين، وفيما بين الشريكين . وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ﴿ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ﴾ ( سورة يوسف ) النبوة اجتباء واصطفاء : معنى كلمة ( يجتبيك ) أي يختارك ويصطفيك، وبعضهم فهم أنّ النبوة هبة من الله سبحانه وتعالى، وهي كذلك، لكنها من دون كسب، قال تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ ( سورة آل عمران ) معنى ( اصطفى )يعني اختار من بين خلقه المتفوقين، اختار من بين خلقه الصادقين، اختار منهم أنبياء، إذا نظر المعلم في الصف، وتفرس وجوه التلاميذ واحداً واحد فاختار منهم أشدهم أخلاقاً، أرقاهم أخلاقاً، وأعمقهم وعياً، وأشدهم إدراكاً، وأكثرهم تحصيلاً، اختاره، وجعله عريفاً على زملائه، هل نقول: إنّ هذا الاختيار محض صدفة؟ لا إنّه اصطفاء، هل نقول: إنّ العَرَافة هبة؟ نعم ولا، هو اختاره، ولكن لماذا اختاره بالذات؟ لأنّه متفوق : ﴿ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ ( سورة الأنبياء ) ﴿ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ﴾ ( سورة يوسف ) لا فرق بين العباد إلا بالطاعة : يجب أن تعلم علم اليقين أنّ الخلق كلهم عند الله سواسية، ليس بين الله وبينهم قرابة إلا طاعتهم له : كُن ابن من شئت واكتسب أدباً يغنيك محموده عن النسب (( أنا جد كل تقيٍ ولو كان عبداً حبشياً )) ورد في الأثر (( ليس بين الله وبين خلقه قرابة، بل القرابة طاعتهم له )) ورد في الأثر عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ )) البخاري حينما كان بلال رضي الله عنه يقدم إلى المدينة كان سيدنا عمر الخليفة الراشد يخرج لاستقباله، سيدنا أبو بكر رضي الله عنه أعتقه، اشتراه من سيده وأعتقه، قال سيده: لو دفعت به درهماً واحداً لبعتكه، لقلّة شأنه، فقال أبو بكر رضي الله عنه : << والله لو طلبت ثمنه مائة ألف درهم لأعطيتكها >>، وضع سيدنا الصديق يده على كتفه تعبيراً عن الأخوة، وقال: << هذا أخي حقاً >> . سيدنا عمر كان بلال وصهيب يدخلان عليه بلا استئذان، جاء أبو سفيان زعيم قريش فوقف في بابه ساعات فلم يؤذن له، فلما دخل عليه عاتبه، قال: << بلال وصهيب يدخلان بلا استئذان ، وأبو سفيان يقف في بابك الساعات الطوال، فقال: يا أبا سفيان أنت مثلهما ! >>، أين الثرى من الثريا؟ أين كنت حينما كانا يعذبان في الله، أين كنت حين كانا يجاهدان في سبيل الله؟ أين كنت حين كانا يخدمان رسول الله؟ ليس بين الله وبين عباده أية قرابة إلا الطاعة، لو أنّك أطعت الله عز وجل لسبقت مائة ألفِ ألف إنسان : ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ ( سورة الحجرات : من الآية 13) هذه الآية تكفي :﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ ( سورة الحجرات : من الآية 13) بدرت كلمة من سيدنا أبي ذر في ساعة غضب، فقال لصحابي: << يا ابن السوداء، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن غضب غضباً شديداً وأعرض عنه، وقال : (( يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ )) البخاري فلم يرضَ أبو ذر إلا أن يضع رأسه على الأرض ليطأ رأسه بلال بقدمه حتى كفّر عن سيئته . عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: حَكَيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فَقَالَ: (( مَا يَسُرُّنِي أَنِّي حَكَيْتُ رَجُلًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ، وَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا، كَأَنَّهَا تَعْنِي قَصِيرَةً، فَقَالَ: لَقَدْ مَزَجْتِ بِكَلِمَةٍ لَوْ مَزَجْتِ بِهَا مَاءَ الْبَحْرِ لَمُزِجَ )) الترمذي فما بال الناس اليوم يسهرون وينهشون بأعراض بعضهم بعضاً . يجتبيك ، أي اختارك على علمك ، اختارك لصدقك ، اختارك لما تنطوي عليه من محبة له ، من إخلاص ، من طهر ، من عفاف ﴿ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ﴾ ( سورة يوسف ) وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ تعبير الرؤيا فضل من الله عظيم : ويبدو أنّ تأويل الأحاديث شيء عظيم، الله سبحانه وتعالى يتفضل به على بعض خلقه، تأويل الأحاديث أن تعرف ما الذي يعنيه هذا الحديث، ما القصد البعيد من هذا الحديث، هذا شيء عظيم، مما اختص به هذا النبي الكريم تأويل الأحاديث . معنى التأويل : ومعنى أوّل مأخوذ من فعل أَوَلَ، وأَوَلَ يعني أرجعَ الحديث إلى أصله، إلى مقصد قائله، ماذا أراد الله بهذا الكلام : ﴿ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ ( سورة يوسف ) وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ نِعم الدنيا بلا هدى نِقَمٌعلى صاحبها : العلماء قالوا: تمام النعمة الهدى، لو أنّك تملك نعم الأرض كلها ولم تكن مهتدياً فهذه كلها ليست نعماً، ربنا سبحانه وتعالى يقول : ﴿ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ﴾ ( سورة الدخان ) ليست نعمة، يمكن أن تمثل الهدى بواحد، والمال بصفر أمامه، المال والهدى نعمتان متكاملتان، يمكن أن تمثل الزوجة الصالحة بصفر آخر، صاروا مائة، يمكن أن تمثل الأولاد الأبرار بصفر ثالث، صاروا ألفا، يمكن أن تمثل البيت الواسع بصفر رابع، صاروا عشرة آلاف، يمكن أن تمثل المركب الوطيء بصفر سادس، صاروا مليونا، يمكن أن تمثل أن يكون رزقك في بلدك بصفر سابع، فإذا حذفت الواحد فكل شيء أصبح أصفاراً، تمام النعمة الهدى : ﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾ ( سورة الفجر ) هذه مقولته، وليس قوله صحيحاً، ليس هذا إكراماً، يعد المال إكراماً إذا كنت مهتدياً، لأنك إذا كنت مهتدياً أنفقته في طاعة الله فكان زاداً لك إلى الأبد، صار المال نعمة، يمكن أن تكون الزوجة الصالحة نعمة إذا عرفت ربها، وكانت محجبة، وكانت مصلية، وكانت طائعة لزوجها، إذاً هذه نعمة، وكان هذا على يدك إذاً تسعد بها إلى الأبد، فإن لم تكن كذلك تشقى بها إلى الأبد، قد يكون الابن نعمة إذا تولى الأب تربيته، وأفلح في ذلك، أما إذا أهمله جاء يوم القيامة يقول: يا رب، لا أدخل النار حتى أُدخل أبي قبلي، فمن تمام النعمة في الدنيا أن تكون زوجته صالحة، وأولاده أبراراً، ومنزله واسعاً، ومركبه وطيئاً، ورزقه في بلده، لكنّ هذه النعم المتعلقة بالدنيا إن لم يكن معها الهدى فلا قيمة لها، إنّ الله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، قال تعالى :﴿ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ ( سورة يوسف ) عليم باصطفاء أنبيائه، حكيم، فهذا النبي الكريم العلامات الدالة على نبوته كثيرة، وإذا سألت عنها فإليك هذه الآية :﴿ إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ ( سورة يوسف ) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا الشيطان يشعل نار الفتنة في قلوب إخوة يوسف : إخوة يوسف اجتمعوا، يبدو أنّ هذه الرؤيا وصلت إليهم، نقلت إليهم بشكل أو بآخر، أو أنّ حبّ أبيهم له وتعلقه به وإيثاره عليهم هو الذي جعل في نفسهم هذا الحسد والضغينة، على كل : ﴿ إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ : نحن رجال أشداء، نحن عون لأبينا، يجب أن يلتفت إلينا، يجب أن يحبنا نحن مكان يوسف، نحن الذين نعينه، وندافع عنه، ونلبي حاجاته، فما باله يُعنى بأخينا الصغير؟ فاتهم أنّ هذا الصغير بشّره الله سبحانه وتعالى بمستقبل عظيم، وكانت علامات الوسامة والنجابة والوداعة والرقة والنعومة بادية عليه، قال تعالى : ﴿ اقْتُلُوا يُوسُفَ ﴾ ( سورة يوسف ) هذا ما استقر عليهم رأيهم ابتداء : اقْتُلُوا يُوسُفَ إيّاكم وسفكَ الدم الحرام : جاء الرأي أن يقتلوه ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا )) البخاري ﴿ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ ( سورة المائدة ) إن قتلها لعل هذه المقتولة تكون شخصية خطيرة في المجتمع، لعل هذه النفس المقتولة تكون مصلحاً اجتماعياً، عالماً كبيراً ربانياً، فإذا قتلتها قتلت الناس جميعاً، وإذا أحييت نفساً بالهدى فكأنك أحييت الناس جميعاً، قد يهتدي الإنسان على يديك، ويهتدي بهداه مائة ألف أو يزيدون، إنّك سبب هداية كل هؤلاء، حينما هدى الله بك هذا الإنسان، لذلك لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس، خير لك من حُمَر النعم، خير لك من الدنيا وما فيها، ما بال الناس يزهدون بهذا العطاء المغري، هذا عرض مغر، خير لك من الدنيا وما فيها، خير لك مما طلعت عليه الشمس، لو أنك تملك بيوت الشام كلها، كل بيت بمليونين وسطياً، كم تملك؟ لو أنك تملك الأسواق التجارية كلها، كل متر بمائتين وخمسين ألفاً، كم تملك؟ لو أنك تملك المدن كلها، المعامل الضخمة كلها، كم تملك؟ هذه المعامل الضخمة التي يوزع إنتاجها في أنحاء العالم، لو أنك تملك بيوت الأرض، والأراضي في كل أنحاء القارة، والمدن بأسواقها ومحلاتها وحدائقها وجسورها ومتنزهاتها، لو أنك تملك المعامل كلها : عَنْ ابْنَ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( وَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِهُدَاكَ رَجُلاً وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ )) سنن أبي داوود هذا العرض المغري لماذا يبتعد الناس عنه؟ لذلك إذا تعلمت فعلِّم، إذا فهمت آية فعلِّمها : عَنْ عُثْمَانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ )) صحيح البخاري لا يحزن قارئ القرآن، من تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت، العلم خير من المال، لأنّ العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تُنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، << يا كُمَيل مات خُزّان المال وهم أحياء ـ في أوج حياتهم ميتون ، في أوج شبابهم ميتون ـ والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة >>، لذلك : ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ(7)إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(8)اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوْ اطْرَحُوهُ أَرْضًا ﴾ ( سورة يوسف ) بعض الشر أهون من بعض : أَوْ اطْرَحُوهُ أَرْضًا ( أرضاً )هذه نكرة، اطرحوه أرضاً ، يعني أرضاً لا يعرفها أحد لئلا يعود إلى أبيه. ﴿ يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ تفكير غير صحيح : قصد المعصية ابتداء والتوبة انتهاء : في هذه الآية شيء دقيق جداً، مثلاً: يستطيع أحدنا أن يقول: أنا أفعل هذه المعصية، وبعدها أتوب إلى الله عز وجل، ويقبل توبتي، وأكون من الصالحين، هذا مستحيل، لا تقبل التوبة إلا إذا ارتكب الذنب عفواً عن غير قصد، إذا ارتكب عن قصد وتصميم فهيهات أن يتوب صاحب هذا الذنب، إنّ هذا تخطيط، بعد أن نقتل أخانا يخلُ لنا وجه أبينا، وبعدها نتوب إلى الله، يقبلنا الله عز وجل، نكون من بعده قوماً صالحين، شيء مضحك، لا تقبل التوبة إلا إذا كان ارتكاب الذنب عن غير قصد وتصميم، أما إذا كان هناك تخطيط فهذا استهزاء بالله عز وجل، والتوبة مرفوضة، قال تعالى : ﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ( سورة الأنعام ) يجب أن يكون عمل السوء بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح، أما أن أفعل هذه المعصية وبعدها أتوب، وتقبل توبتي، وأكن من الصالحين فلا، قال لي ذات مرة رجل: إذا فعلت هذا العمل هل هو حرام أم حلال؟ قلت له: حرام، قال: أفعله وأتوب، قلت: هيهات أن تتوب، لن تتوب، فهؤلاء إخوة يوسف قالوا :﴿ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوْ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) تفاوت المواقف عند الناس : القائل منهم يبدو أنّه أعقلهم، وقيل: أكبرهم، وهذا يؤكد تفاوت المواقف، أي أن الإنسان مخير، بعضهم رأى أنّ القتل أولى، بعضهم رأى أنّ شيئاً آخر هو التغييب عن الأب : ﴿ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ ﴾ ( سورة يوسف ) رأي آخر :أَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ بئر على طريق القوافل، ضعوه في البئر بحيث لا يستطيع الصعود، ولابدّ من أن تمر قافلة، إن أدلت بدلوها يتعلق بهذا الدلو، وتأخذه على أنّه بضاعة، فتبيعه في سوق العبيد، وعندئذ لن يرجع إلى أبيه : ﴿ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ ﴾ ( سورة يوسف ) السيارة هنا القافلة التي تسير .﴿ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) فكأنّه يقول: إن صرفتم النظر عن هذا كله فهذا أولى، أما إذا كنتم مصرين على فعلتكم فهذا العمل أفضل من أن تقتلوه . خاتمة : قال الله سبحانه وتعالى : ﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) إذا كان الله معك فمن عليك ؟ " ما من مخلوق يعتصم بي من دون خَلْقي، أعرف ذلك من نيته، فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته، إلا جعلت الأرض هويّاً تحت قدميه، وقَطّعت أسباب السماء بين يديه، عبدي خلقت لك ما في السماوات والأرض، ولم أعيَ بخلقهن، أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين؟ وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأُسَلِطَنّ عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي، عبدي لي عليك فريضة، ولك عليّ رزق ، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، أنت تريد، وأنا أريد، فإذا سَلّمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلِّم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد " . أرجو الله عز وجل ألاّ تكون قراءتنا لهذه القصة كقراءتنا لأية قصة، هذه قصة يتلوها علينا ربنا، وليست العبرة أن نعرف أحداثها، ولا أن نكشف شخصياتها، ولا أن نعرف عقدتها ولا مغزاها، الأولى أن نتخذ منها درساً بليغاً، كن مع الله تر الله معك، سيدنا يوسف غلام صغير لا حول له ولا قوة، ولا شأن، ولا يملك حيلة، ضعيف ألقي في غيابت الجب، في البرية، في الفلاة، حيث لا إنسان، جاءت سيارة أرسلوا واردهم أدلى دلوه، قال: يا بشرى هذا غلام، أسروه بضاعة، اشتراه عزيز مصر، دخل القصر، مكّن الله له في الأرض، رأى الملك رؤيا فسّرها له، رفعه الله إلى مرتبة عزيز مصر، وأين إخوته؟ يقفون على بابه من أجل أن يأخذوا نصيبهم من القمح |
|
|
|
#3 |
|
كبار الشخصيات
|
﴿ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ ﴾
( سورة يوسف ) اقتراحات إخوة يوسف للتخلص من أخيهم : الاقتراح الأول قتل هذا الغلام الصغير، والاقتراح الثاني وضعه في بئر على طريق القوافل، فإن مات كان هذا هو المراد، وإن أنقذ وأخذ إلى بلاد أخرى كان هذا هو المراد، والمراد أن يفصلوا بين الأب وابنه ليخلو لهم وجه أبيهم، وفي الحديث عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )) سنن الدارمي من فرّق بين أب وابنه، أو بين أم وابنها، أو بين أخ وأخيه فليس من أمة سيدنا محمد . ليس في القرآن دليل على أنّ الأسباط أنبياء، أما بعض الآيات التي تذكر كلمة الأسباط عقب ذكر الأنبياء فهذا محمول على أنّ هؤلاء إنّما هم من ذرية بني إسرائيل، وليسوا إخوة يوسف على وجه التحديد . ﴿ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ ﴾ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ استدراج إخوة يوسف لأبيهم : الآن بعد أن أحكموا الخطة، وكادوا لأخيهم، واتفقوا جميعاً، بل وأجمعوا، انتقلوا إلى أبيهم، يبدو من خلال السياق أنّ أباهم ما سمح لهم في الماضي أن يصحبوا يوسف، لقولهم: يا أبانا ، وكلمة( يا أبانا )فيها تحبب، ( يا أيها الأب )فيها جفاء، يا أبانا فيها تحبب : ﴿ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ ﴾ ( سورة يوسف ) هذا استدراج ذكي، سيدنا يعقوب ما خطر في باله أن يأتمروا على قتله، كأن تقول لمن تدعوه على طعام: لعلك لا تحب الطعام، فيقول لك: لا، والله الطعام طيب، ولكنني اكتفيت، سيدنا يعقوب ما خطر في باله أن يقتلوه، فلما قالوا له : ﴿ مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ ﴾ نفى عنه هذه التهمة . ﴿ مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ ﴾ ثم أسرعوا وقالوا : ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ ﴾ أخونا، نحن إخوة له، ثم تابعوا وقالوا: إن كنت تأمنّا : ﴿ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ ﴾ ( سورة يوسف ) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ معنى : يَرْتَع : ما معنى يرتع؟ رتع يعني جلس في مكان جميل وأكل وشرب، تماماً كما تفعل في النزهة تختار مكاناً جميلاً، تجلس فيه، تفتح الزاد وتأكل منه ما لذّ وطاب، هذا هو الرتع، وأساسه الأكل، ترتع البهيمة في الحقل أي تأكل، لكنّ الرتع إذا نُسِب للإنسان كان بمعنى النزهة، واللعب معروف، والنبي صلى الله عليه وسلم أجاز للرجل أن يلاعب أهله كي يستجلبهم، أجاز للرجل أن يلاعب فرسه، أجاز للرجل أن يلاعب أولاده، كان عليه الصلاة والسلام يركب الحسن والحسين على ظهره، ويقول : (( نِعم الجمل جملكما ، ونِعم الحملين أنتما )) كنز العمال عن جابر قال تعالى : ﴿ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ ﴾ ( سورة يوسف ) فائدة من قوله : غَدًا معنى غداً ، من غدا إلى عمله ، إذا ذهب إليه فيما بين طلوع الفجر وشروق الشمس، وراح بمعنى عاد إلى منزله بعد الغياب، فكلمة راح باللغة الفصحى تعني العودة، فلو طرق بابك طارق وقال لك: أأخوك هنا؟ قلت له: والله راح، وهو داخل البيت فقال لك: سلِّم عليه، هل أنت صادق أم كاذب؟ كلمة راح تعني أنه عاد، وأخوك في البيت نقول له: أنت صادق لغة وكاذب شرعاً، لأن الشرع يدور على النتيجة، ماذا فهم منك؟ فهم أنه ليس في البيت، قال تعالى : ﴿ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) هذا أخونا، قال سيدنا يعقوب قال تعالى : ﴿ قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ ﴾ ( سورة يوسف ) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْب شدة حب يعقوب ليوسف : يعني: إنه ليحزنني أن أفارقه، إنني لا أحتمل أن يبتعد عني، إني لا أطيق فراقه، إني ليحزنني أن تذهبوا به، قال تعالى : ﴿ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ﴾ ( سورة يوسف ) عذرُ يعقوب لأبنائه : يبدو أنهم طلبوا من أبيهم أن يأخذوه إلى ظاهر المدينة إلى بادية، إلى صحراء، وإنّ أَخوفَ ما في الصحراء ذئابها، ثم عقب سيدنا يعقوب وقال : ﴿ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) يعني أنا لا أتهمكم أنتم، أخشى أن تتغافلوا عنه، أن تنشغلوا عنه بسواه فيأكله الذئب، جواب أبناء يعقوب عن عذره : كان جوابهم، قال تعالى : ﴿ قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ ( سورة يوسف ) نحن عشرة رجال أشداء، إن أكله الذئب وهو بين أظهرنا، وهو في حفظنا، وهو على ذمتنا، وهو في عهدتنا، نحن إذاً جبناء، نحن إذاً ضعفاء، نحن إذاً لسنا جديرين أن نرعى غنماً، قال تعالى : ﴿ قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) شدة حرصه عليه وشدة تطمينهم له . قال تعالى : ﴿ فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ ﴾ ( سورة يوسف ) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ أول بوادر المكر والخداع : ذهبوا به، وقيل: إنّه ودّعهم إلى مسافة من الطريق طويلة، وفي أثناء توديعه إياهم كانوا يحملونه على أكتافهم إرضاء لأبيه، فلما فارقهم أبوهم ألقوه على الأرض، وجعلوا ينتهرونه، ويقولون له: ألم ترَ أحد عشر كوكباً والشمس والقمر، اتضح أن هذه الرؤيا التي رآها سببت لهم كل هذا الضيق، وكل هذا الحسد، وكل هذه المؤامرة، قال تعالى : ﴿ فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ ﴾ ( سورة يوسف ) إجماعهم على إلقاء يوسف في البئر : معنى أجمعوا يعني صمموا .قصةٌ من واقعنا : حدثني رجل قال لي: كنت أشتري الصوف من البادية، سولت لي نفسي أن أتلاعب بالميزان، فكنت أبلّغ صاحب الصوف رقماً أقلَّ من الرقم الحقيقي عند كل وزنة، فلما انتهيت شعر صاحب البضاعة أنّ وزنها أقلّ مما يتوقع، فقال لي كلمات خوّفتني، ثم تابعت طريقي إلى الشام، قال لي: في أثناء الطريق أنا في صراع نفسي بين أخذٍ وردٍّ، أأعود إليه وأنقده بقية الثمن أم أسكت؟ أؤجل هذا إلى رحلة قادمة، لازلت في أخذ ورد، وسؤال وجواب، وصراع وحوار، إلى أن كنت في مكان ما في الطريق، ما الذي يحدث؟ هكذا كان، قال: والله الذي لا إله إلا هو ما هي إلا دقائق حتى رأيت نفسي ملقىً على الأرض وسط بحرة من الدم، لقد تدهورت بي السيارة . كلمة سأجمع تعني إذا ما وقع أحد بمعصية لا يصر عليها، ليطلب من الله التوبة، ليطلب العفو والمغفرة، أما إذا أصرّ عليها فالجزاء يكون وقتئذ عاجلاً، قال تعالى : ﴿ فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾ ( سورة يوسف ) طبعاً هناك بعض التفاصيل، تفصيلات طويلة جداً، وحوار ،وسؤال وجواب، وتوسل من أخيهم ألا يجعلوه في غيابت الجب، ارحموا ضعفي، ارحموا والدي، كيف آكل؟ كيف أشرب؟ كيف أنام؟ أنا ضعيف؟ أنا أخوكم الصغير، لكنهم كانوا مصممين على وضعه في هذا المكان، قال تعالى : ﴿ فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾ ( سورة يوسف ) بشرى الله ليوسف : لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا لابد من أن تكبر، لابد من أن تنجو من هذه الورطة، الله سبحانه وتعالى طمأنه، لابد من أن تنجو من هذا المكان، ولابد من أن تكبر، ولابد من أن تنبئهم بفعلتهم هذه وهم لا يشعرون، قد يقابلونك وهم في أمَسِّ الحاجة إليك، ولا يعرفونك أنك يوسف، وقد تفاجئهم بفعلتهم الشنيعة، ولا يشعرون بهذا : ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) غفلة إخوة ليوسف : وهم لا يشعرون أن الله معه ، وهم لا يشعرون أن العاقبة لأخيهم الصغير الذي كان أقربهم إلى الله عز وجل ، قال تعالى : ﴿ وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ البكاء سلاح من أسلحة الكذب: أولاً: بكاؤهم كذب، فيا أيها القضاة لا تصدقوا متهماً أنه بريء إذا بدأ يبكي، فالبكاء قد يكون سلاحاً من أسلحة الكذب . ﴿ وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ ﴾ وضعوه في الجب، وكانوا قد أرادوا قتله، ومع ذلك جاءوا يبكون، هذا أول استنباط . مجيئهم ليلا دليلُ كذبهم : الاستنباط الثاني: جاءوا عشاءً، ليلاً، والليل أستر لحالهم، أستر لملامح وجوههم، أستر لفعلتهم الشنيعة، قال تعالى : ﴿ وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ(16)قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) الحُجة الواهية : فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ قالوا: هذا دم يوسف، قال تعالى : ﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) يكاد المذنب أن يقول: خذوني، والكاذب يختل توازنه، عرفوا أنهم كاذبون، لذلك أشعروا أباهم بأنهم كاذبون حينما قالوا : ﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا ﴾ ( سورة يوسف ) لن تصدقنا، معناها أنتم كاذبون، قال تعالى : ﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) هذا دليلٌ عليهم : وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ إن كنا صادقين كنت لا تصدقنا، فكيف لو كنا كاذبين حقيقة، قال تعالى : ﴿ وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ ( سورة يوسف ) قالوا: خلعوا عنه قميصه الموشى، وذبحوا شاة، ووضعوا بعضاً من دمها على هذا القميص، أمسكه سيدنا يعقوب، وقال: أيّ ذئب هذا؟ ما أحكم هذا الذئب! ألم يخدش هذا القميص؟ ألم يمزقه؟ أكل ابني، وترك القميص كما هو، أي ذئب هذا؟ هنا يستدل أنّ الطريق الوحيد لاكتشاف الحقائق العلامات، علامة كذبهم وعلامة افترائهم أن هذا القميص لم يُمسَّ بأذى، كان سليماً، وأن هذا الدم دمٌ مزور، من هنا يستنبط قضاة التحقيق بعض الحقائق من خلال أدلة قد تبدو في نظر الناس تافهة، إنّ هذا الدليل التافه عند قاضي التحقيق دليل مرَجِح وكبير . أمّا : ﴿ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ ﴾ التسابق المشروع : فقال العلماء: التسابق مشروع، لأنه فيه تدريب للإنسان، وتدريب للدواب أيضاً، فإذا أردت أن تعدّ الخيل للمعركة يجب أن تضمرها، أي تدربها على الجري، والنبي عليه الصلاة والسلام استبق مع السيدة عائشة رضي الله عنها، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : (( خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَأَنَا جَارِيَةٌ لَمْ أَحْمِلْ اللَّحْمَ، وَلَمْ أَبْدُنْ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: تَقَدَّمُوا، فَتَقَدَّمُوا، ثُمَّ قَالَ لِي: تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ، فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ، فَسَكَتَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا حَمَلْتُ اللَّحْمَ وَبَدُنْتُ وَنَسِيتُ خَرَجْتُ مَعَهُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَقَالَ لِلنَّاسِ: تَقَدَّمُوا ،فَتَقَدَّمُوا، ثُمَّ قَالَ: تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ، فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي، فَجَعَلَ يَضْحَكُ وَهُوَ يَقُولُ : هَذِهِ بِتِلْكَ )) يستنبط من هذه القصة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل بيته بسّاماً ضحّاكاً، كان يقول : (( أَكْرِمُوا النّسَاءَ فَإِنّهُنّ المُؤْنِسَاتِ الغَالِيَاتِ )) ورد في الأثر كان يقول : (( خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَِهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَِهْلِي )) الترمذي عن ابن عباس وكان إذا دخل بيته كان يكنس أرضه، ويرفو ثوبه، ويخصف نعله، ويحلب شاته، ويضع الإناء للهرة، وربما ماءت الهرة ففتح لها الباب وهو يصلي، قال تعالى : ﴿ قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ ﴾ ( سورة يوسف ) لكنّ الاستباق على رهن محرم شرعاً، هذا السباق سباق الخيل، إعطاء الخيل أرقامًا، والمراهنة على هذه الخيل، وتوزيع جوائز ضخمة، هذه من نوع القمار واليانصيب تماماً، وهذا محرم، السبق البريء من دون رهان هذا الذي أحلّه الشرع، قال تعالى : ﴿ وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ﴾ ( سورة يوسف ) استنباط وفَراسة : قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا استنبط أنّ هذه قصة ملفقة، وأنّ هذا القميص قد خلع منه خلعاً، وأنّ هذا الدم مزور، وأنّ هناك مؤامرة حاكها إخوته، وأنّ الذي أحس به من قبل قد تحقق، فاتقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله، وينطق بتوفيق الله، شَعَرَ أبوه من دون تفصيلات أن إخوته لا يريدون به خيراً، وكأن قلبه أحس بهذا . ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ما هو الصبر الجميل؟ ما هو الصبر الجميل؟ الصبر الجميل هو الذي لا ترافقه شكوى إلى الخلق ، ويعاب من يشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم، الصبر الجميل ألا تشكو إلى أحد شكوتك، إن شكوت إلى كافر فكأنما اشتكيت على الله، وإن شكوت إلى مؤمن فكأنما شكوت إلى الله، وشتان بين من يشتكي على الله ومن يشتكي إلى الله، والصبر الجميل لا شكوى لا إلى مؤمن ولا إلى كافر . ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ﴾ لأنك إذا شكوت مصيبتك لمؤمن حزن لحزنك، وهو عبد فقير لا يستطيع أن يفعل شيئاً، وإذا شكوت همك إلى كافر شمت بك، لذلك من الدعاء الشريف : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَهْدِ الْبلاَءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَْعْدَاءِ )) صحيح البخاري والشكوى لغير الله مذلة . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ : << سَمِعْتُ نَشِيجَ عُمَرَ وَأَنَا فِي آخِرِ الصُّفُوفِ يَقْرَأُ : ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ﴾ >> .صحيح البخاري وكلما ارتفع مستوى الإيمان تجد أنّ المؤمن يستحيي أن يشكو مصيبته لغير الله، ليكن هذا النبي الكريم أسوة لنا في المصائب : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ : << سَمِعْتُ نَشِيجَ عُمَرَ وَأَنَا فِي آخِرِ الصُّفُوفِ يَقْرَأُ : ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ﴾ >> . صحيح البخاري هناك أناس إذا ألمت بهم ملمة ملؤوا الدنيا صياحاً وصخباً، ما من أحد يلتقون به إلا ويبثونه شكواهم، يشكون الزمان، يشكون قلة الدخل، من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه . ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ إذا أَحبّ الله عبدا ابتلاه : إذا أحبّ الله عبده ابتلاه، فإن صبر اجتباه، فإن شكر اقتناه، وإذا لم يحبه تركه هملاً، أنت إذا سمعت من طفل في الطريق كلمة نابية لا تقول شيئاً، بل تقول: مالي وله، أما إذا نظرت إلى القائل فإذا هو ابنك، ماذا تفعل؟ تؤدبه تأديباً شديداً، تقيم قيامته، لماذا فعلت به ما فعلت؟ من شدة حبك له وحرصك عليه، فلذلك الذي يحبه الله سبحانه وتعالى يعالجه، إذا أراد الله بعبد خيراً عجل له بالعقاب، إذا أراد الله بعبد خيراً جعل له واعظاً من نفسه يأمره وينهاه، إذا أراد الله بعبد خيراً سيّر حوائج الناس إليه، إذا أراد الله بعبد خيراً عاتبه في منامه، فهذا الذي يتابعه الله سبحانه وتعالى على كل ذنب، يتابعه على كل تقصير، يتابعه على كل خروج عن طريق الحق، ليفرح لأن الله يحبه، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ، فَمَنْ صَبَرَ فَلَهُ الصَّبْرُ، وَمَنْ جَزِعَ فَلَهُ الْجَزَعُ )) مسند الإمام أحمد هذا الذي تعالجه سيقدم لك أجزل آيات الشكر، فإذا أصابت أحدنا مصيبة ـ لا سمح الله ـ وما زاد عن أن قال: الحمد لله فقد نجح، فعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( سَيِّدُ الاِسْتِغْفَارِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، إِذَا قَالَ حِينَ يُمْسِي فَمَاتَ دَخَلَ الْجَنَّةَ، أَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِذَا قَالَ حِينَ يُصْبِحُ فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ مِثْلَهُ )) صحيح البخاري هذه سجلت لك، لقد ابتلاك الله فنجحت في الامتحان . قد تجد إنساناً تأتيه مصيبة تافهة جداً فيسبّ كل شيء، يسب الذات الإلهية لمصيبة تافهة، واللهِ رأيت رجلاً خُدشت سيارته خدشاً سبّ الإله سباباً وسب الأنبياء، فقلت: سبحان الله! لخدش طفيف لا يكلف ليرات، لكن يعقوب فقد ابنه، وائتمر إخوته عليه، فقال: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ ( سورة يوسف ) الحِلم سيد الأخلاق : كاد الحليم أن يكون نبياً، والحلم سيد الأخلاق، والحلم له سبب، ترى أن هذا الفعل من الله، وأنّ هذه المصيبة ساقها الله إليك، وهي محض فضل ورعاية واستحقاق، قال تعالى : ﴿ أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ ( سورة آل عمران ) ما من عثرة، ولا اختلاج عِرق، ولا خدش عود، إلا بما قدمت أيديكم، وما يعفُو الله أكثر . ليكن هذا النبي الكريم أسوة لنا في المصائب، والمصائب مِحَكُ الرجال، قال تعالى : ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(156)أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ ﴾ ( سورة البقرة ) قال تعالى : ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ ﴾ ( سورة يوسف ) هذه القصة قصة الذئب غير صحيحة وملفقة، أنتم أردتم له الشر، قال تعالى : ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ(18)وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ ﴾ ( سورة يوسف ) وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ العناية الربّانية : تصور أن طريق القوافل طريق في الصحراء، قد تمر به قافلة أو لا تمر، وطفل في ريعان الشباب، في عمر الأزهار أُلقي في بئر ما لها من قرار، كيف أُلقي؟ أُلقي بحبل فالصعود مستحيل، وهناك قرائن أنه ألقي في البئر وقد خُلع قميصه، في البئر الحيّات، والعقارب، والوَحشة، وضيق التنفس، والظُلمة، لا معين، ولا مغيث، ولا دليل، ولا قريب، لا صديق، ولا أب، هذه مصيبة، ولكنّ الله سبحانه قال للنبي عليه الصلاة والسلام : ﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ ( سورة الطور : الآية 48) إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالمخاوف كلهن أمان *** سيدنا موسى قال تعالى : ﴿ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾ ( سورة القصص ) مستحيل، طفل صغير رضيع، يوضع في صندوق ويلقى في اليم! هذه مجازفة ومغامرة، قال تعالى : ﴿ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ ﴾ ( سورة القصص ) أمران ونهيان وبشارتان، إذا خفت عليه فألقيه في اليم . ﴿ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ ﴾ ( سورة القصص ) سيدنا إبراهيم أُلقي في النار، قال تعالى : ﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾ ( سورة الأنبياء ) قال المفسرون: لو أنّ الله قال: برداً، لمات من شدة البرد، ولكنه قال: برداً وسلاماً، الإله هوَ هو، موجود في كل زمان، هاتِ إيماناً كهذا الإيمان، وخذ رعاية وحفظاً كهذه الرعاية . سيدنا يونس دخل بطن الحوت، في ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة البحر الموحش، وفي ظلمة الليل، هات مصيبة أشد من هذه المصيبة، لم يبق أمل هنا، وبعض المصائب فيها أمل، كمن احترق محله، لا يزال هناك أمل بأن يشتري غيره، ويعيد تأسيسه، توفيت زوجته فيتزوج غيرها، مات ابنه يستطيع إنجاب غيره، معه مرض السكري يتعايش معه، صار معه مرض فبترت يده لا يزال هناك واحدة أخرى، ويُرَكِّب يدا أخرى اصطناعية، لكن دخل بطن الحوت في ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، هنا البطولة، قال تعالى : ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ( سورة الأنبياء ) هذه الآية لنا جميعاً، الفقرة الأخيرة قلبت القصة قانوناً، قال تعالى : ﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ( سورة الأنبياء ) لا تخلو حياتنا من مشكلات، من أزمات وشبح مصيبة، من مرض لم يكن متوقعاً، قل: يا ربِ إنّي كنت من الظالمين، تبت إليك . فلنعد إلى قصتنا، قال تعالى : ﴿ وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ﴾ ( سورة يوسف ) من هو الوارد؟ واردهم هو الرجل المكلف بجلب الماء لهم، من ورود الماء أي ذهب إليه، قال تعالى : ﴿ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ ﴾ ( سورة يوسف ) ألا يجب أن يقول الله عز وجل: فلما رفع الدلو، هذا شيء بديهي، العرب تقول: كل كلام تفهمه إذا لم يذكر يجب ألا يذكر، فالبلاغة في الإيجاز، ولولا الحذف والتقدير لفهم كلام العرب الحمير، هكذا قالوا، هناك حذف دقيق، قال تعالى : ﴿ وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ ﴾ ( سورة يوسف ) الحرُّ لا يباعبأيّ ثمن : يا بشراي، كان يريد شيئاً من الماء، فإذا في الدلو غلام، قال تعالى : ﴿ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ﴾ ( سورة يوسف ) هذه بضاعة غير نظامية لأنّ الحر لا يباع، وأكل ثمن الحر حرام، وهم يعرفون ذلك فأخفوه كبضاعة، وطمعوا أن يبيعوه في سوق العبيد، ويأكلوا ثمنه، قال تعالى : ﴿ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) هو الذي ساق السيارة، الله الذي ساقها في الوقت المناسب، قال تعالى: ﴿ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى ﴾ ( سورة طه ) قال تعالى : ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ ﴾ ( سورة يوسف ) لماذا بخس؟ لأنهم أخفوه كبضاعة، لا ينبغي أن يباع، هذا لقيط، واللقيط حر، وحينما باعوه فقد خالفوا النظام العام، لذلك أرادوا أن يتخلصوا منه بأبخس الأثمان، إذا كان معك بضاعة غير نظامية تبيعها سريعاً لتنجو من مسؤوليتها، وهذا الذي حصل، قال تعالى : ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ ﴾ ( سورة يوسف ) الدراهم كانت تعدّ إذا كانت قليلة، وتوزن إذا كانت كثيرة، مادامت الدراهم معدودة إذاً هي قليلة، وشروه بثمن بخس . معنى : شَرَوْهُ معنى شروه باعوه، شرى بمعنى باع، واشترى في الوقت نفسه، قال تعالى : ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ﴾ ( سورة البقرة : من الآية 207) يعني من يبيع نفسه، قال تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ ﴾ ( سورة التوبة : من الآية 111 ) تقديم بذل المال على النفس : والغريب أن في القرآن الكريم ثماني آيات على وجه الحصر قُرِنَ فيها بذل المال مع بذل النفس، وَقُدِّم بذل المال على بذل النفس : ﴿ وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ﴾ ( سورة التوبة : من الآية 20 ) والعلماء قالوا: قُدِّم بذل المال على بذل النفس لأنّ بذل المال أهون من بذل النفس، إلا في آية واحدة قُدِّم فيه بذل النفس على بذل المال، هذا في عقد البيع يُذكر الأهم على المهم، قال تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ﴾ ( سورة التوبة : من الآية 111 ) قال تعالى : ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنْ الزَّاهِدِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) ما علموا حقيقة يوسف ، لذلك : كَانُوا فِيهِ مِنْ الزَّاهِدِين ما عرفوا أنّ هذا الطفل الصغير الذي باعوه بثمن بخس سيغدو نبياً عظيماً وحاكماً كبيراً لمصر، ما عرفوا ذلك، لذلك الصغار لا يقلل أحد من شأنهم، فهذا الذي أمامك قد يكون مصلحاً اجتماعياً، قد يكون عالماً كبيراً، قد يكون فيلسوفاً، قد يكون داعياً إلى الله عز وجل، قال تعالى : ﴿ وَكَانُوا فِيهِ مِنْ الزَّاهِدِينَ(20)وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ ﴾ ( سورة يوسف ) وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ من فصولالعناية الربانية بيوسف : هذا الذي اشتراه إلى اللآن لا ندري من هو، هذه هي العقدة، لا نعلم من هو، قال تعالى : ﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ﴾ ( سورة يوسف ) أكرميه شيء ، وأكرمي مثواه شيءٌ آخر، المثوى مكان الثوي وهو الإقامة، إذا كان مكان الثوي مكرماً فكيف بصاحب المقام؟ هذه مبالغة في الإكرام، لم يقل: أكرميه، بل أكرمي مثواه، قال تعالى : ﴿ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ﴾ ( سورة يوسف ) عزيز مصر يتبنى يوسف : هذا الإكرام مشوب بالمنفعة، وقد يكرم الإنسان أحياناً ليس ابتغاء الإكرام بذاته، ولكن ابتغاء منفعة ما، هذا الإكرام مَشُوب لا قيمة له، لا تغتر بمن يكرمك لمنزلة أو سلطان، فإنها أوشك أمور الدنيا زوالاً، ابحث عن من يكرمك لذاتك لا لما عندك : رأيت الناس قد ذهبوا إلى من عنده ذهب *** قال تعالى : ﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ﴾ ( سورة يوسف ) استنبط العلماء أن عزيز مصر الذي اشتراه لم ينجب أولاداً، فأراد أن يجعله ابناً له بالتبني، انتهت أول مرحلة من القصة . قال تعالى : ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ ﴾ ( سورة يوسف ) من بئرٍ إلى قصرٍ !!! انتقل من البئر إلى القصر، ومن جفوة الإخوة إلى إكرام السيد . ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ ﴾ هذه بمعنى إذا كان الله معك فمن عليك؟ هذه : ﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ ( سورة الطور : من الآية 48) هذه : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ( سورة الحج : من الآية 38) أنت تريد، وأنا أريد، والله يفعل ما يريد، قال تعالى : ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) قال تعالى : ﴿ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمْ الْأَخْسَرِينَ ﴾ ( سورة الأنبياء ) وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ أرادوا أن يقتلوه فما استطاعوا، أرادوا أن يجعلوه في غيابت الجب فجعله الله في قصر العزيز، نجّاه منهم ومن كيدهم، ومكّن له في الأرض، وهذا هو بعض من مغزى القصة، قال تعالى : ﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) هذا من مغزى القصة فانتبهوا فإن الأمور اشتباه : أحياناً أخوان، الأخ الأكبر يأكل كل الميراث، ولا يبقى لأخيه الأصغر شيئاً، الله سبحانه وتعالى يزيد الصغير نجابة وتوفيقاً وغنىً، ويفقر الكبير إلى أن يقف الكبير بباب الصغير، قال تعالى : ﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) تزوجت امرأة رجلاً فطرق الباب طارقٌ قال: من مال الله، فهمّت أن تعطيه شيئاً من الطعام، وكانا يأكلان دجاجة، فنهرها زوجها وعنّفها، وقال: اطرديه، فطردته، ودارت الأيام، ونشب الخلاف بينهما، وكذلك الشقاق، إلى أن طلقها، وخطبها إنسان ذو مكانة وشأن وغنىً فتزوجته، وبينما هي مع زوجها الجديد طرق الباب طارق، فذهبت لتفتح الباب فاضطربت، قال لها زوجها: من الطارق، قالت: سائل، قال: لماذا اضطربت؟ قالت: لاشيء، قال: قولي، قالت: أتدري من الطارق؟ قال: من؟ قالت: زوجي الأول، زوجي الذي طلقني ظلماً، فقال: أوَ تعلمين من أنا؟ أنا السائل الأول، قال تعالى : ﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) شريكان اتفقا على تجارة في بلد مجاور، ودفع كلٌ منهما مبالغ طائلة لإنشاء معمل، أحدهما نوى نية سيئة لشريكه، الأول معه مال وفير، معه حرفة، فلما تمكّن الأول من دخائل هذه الصنعة وخصائصها وخباياها بدأ يزعج شريكه حتى يخرجه من هذه الشركة، فلما علم شريكه بهذا الأمر قال له: أعطني مالي، أعطاه ماله مع أرباحه كلها عداً ونقداً، وكان هذا في لبنان، أخذ هذا ماله جميعه، وعاد به إلى بلده الشام، وما هي إلا أيام حتى نشبت الحرب الأهلية هناك فاحترق المعمل، وسُرِق المال، قال تعالى : ﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) كن عبد الله المظلوم، ولاتكن عبد الله الظالم، لأنّ الله بالمرصاد، هذه بين شريكين، بين أخوين، بين جارين، بين صديقين، بين زوجين، أحياناً يطلقها ظلماً فيرزقها الله عز وجل زوجاً صالحاً خيراً منه، ويرزقه زوجة لا يرى في الدنيا بلاءً أشد منها، تريه النجوم ظهراً، هذه الزوجة تأخذ حق الأولى التي ظلمها، هكذا هو ربنا عز وجل . هذه القصة ليست للتسلية، وليست لرواية الأحداث، وقعت وانتهت ما لنا ولها، ولكنّ هذه القصة من أجل أن تستنبط منها موعظة وعبرة، الله سبحانه وتعالى مع المظلوم دائماً، فإذا كنت مظلوماً فالله معك، وهو على الظالم، قال تعالى : ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ ( سورة البقرة ) فالله على الظالم ومع المظلوم، قال تعالى : ﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) لا تكن مع الأكثرية : لذلك يجب على الواحد منّا أن لا يكون مع الأكثرية التي لا تعلم، لو أخذت الآن ثلاثة آلاف مليون في الأرض الأكثرية لا تعلم، الأكثرية مع الدنيا ، تبحث عن المال وعن المجد في الدنيا، وعن المتعة الرخيصة، قال تعالى : ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾ ( سورة الأنعام ) أنت مع من؟ مع الأكثرية أم مع الأقلية؟ كن مع الأقلية العالمة، ولاتكن مع الأكثرية الجاهلة، كن مع الأقلية المستقيمة، ولاتكن مع الأكثرية المنحرفة، كن مع الأقلية المنصفة، ولاتكن مع الأكثرية الظالمة، كن مع الأقلية، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَلَعَتْ الشَّمْسُ فَقَالَ : (( يَأْتِي اللَّهَ قَوْمٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نُورُهُمْ كَنُورِ الشَّمْسِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَحْنُ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكُمْ خَيْرٌ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّهُمْ الْفُقَرَاءُ وَالْمُهَاجِرُونَ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ ، وَقَالَ: طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، فَقِيلَ: مَنْ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَاسٌ صَالِحُونَ فِي نَاسِ سَوْءٍ كَثِيرٍ، مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ )) أحمد السيئون كثيرون، ومن علامات قيام الساعة تفيض الدنيا لؤماً، يكون المطر قيظاً، والولد غيظاً، ويفيض اللئام فيضاً، ويغيض الكرام غيضاً، كن مع الكرام القلة، ولاتكن مع اللئام الكثرة . هذا هو المشهد الثاني من هذه القصة العظيمة، قصة هذا النبي الكريم حينما ألقوه في غيابت الجب، ثم كيف صار في قصر العزيز معززاً مكرماً، هذا ابتلاء، وربما كان الابتلاء الذي بعده أشد من هذا، من هذا الابتلاء قد يموت جوعاً فيدخل الجنة، قد يموت عطشاً فيدخل الجنة، قد يأكله ذئب حقيقي، قد تلدغه حية في الجب، هذا الابتلاء أهون من الابتلاء الذي سوف يليه . ابتلاء آخر :وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا قال تعالى : ﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا ﴾ ( سورة يوسف ) لو أنّه فعل لدخل النار، لذلك قال الله تعالى : ﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ ﴾ ( سورة البقرة : من الآية 191 ) لو أنه مات لمات شهيداً، ولكنه حينما يفتن يموت شقياً |
|
|
|
#4 |
|
كبار الشخصيات
|
﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
هذه الآية تم شرحها في الدرس الماضي، قال تعالى : ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ أقوال العلماء في سن الأشُدّ : وقف العلماء في حيرة من تحديد سن هذا الوصف : فقال بعضهم: في الثلاثين. وقال بعضهم : في الخامسة والعشرين . وقال بعضهم: في الثالثة والثلاثين . وقال بعضهم: إذا كان خط الإنسان البياني في صعود فقبل أن يهبط هو أَشُدّ الإنسان، يعني في أوج فتوته وأوج شبابه وأوج صحته . وقال بعضهم: حينما ينبت شعر ذقنه . وقال بعضهم: حينما يحتلم . وقال بعضهم: حينما يبلغ سن الرشد . هناك أقوال كثيرة، ولكنّ المضمون واحد، حينما بلغ هذا النبي الكريم سن الرشد، وأوج شبابه وقوته وفتوته عندئذ جاء الابتلاء . ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ العمر الزمني والعقلي والانفعالي والاجتماعي : هناك شيء، آخر بالمناسبة، فإنّ علماء النفس يفرقون بين أعمار الإنسان، هناك عُمرٌ زمني، افتح بطاقتك الشخصية، واطرح سنة الولادة من السنة الحالية تحصل على رقم هو عمرك الزمني، وقال معظم العلماء: إنّه أتفه أعمار الإنسان لماذا؟ هناك عُمر عقلي، قد ترى إنساناً ناضجاً، تصرفاته حكيمة، فهذا العمر العقلي أخطر من عمر الإنسان الزمني، وهناك عمر انفعالي، انفعالاته منضبطة، متوازن، لا ينهار بسرعة، هذا عمر انفعالي، وهناك عمر اجتماعي، علاقاته الاجتماعية جيدة جداً، الناس جميعاً يحبونه، هذا عمر اجتماعي، وهناك عمر تحصيلي، أي تناسب عمره الزمني مع صفه الدراسي، وكما قلت قبل قليل: العمر الزمني أتفه هذه الأعمار كلها، لأنّ العالِمَ شيخٌ ولو كان حدثاً، والجاهل حَدَثٌ صغير ولو كان شيخاً، على كل في هذه الآية إشارة إلى أنّ هناك فرقاً بين بلوغ الأشد وبين النبل العقلي، قال تعالى : ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ ( سورة يوسف) بلغ أشده تنصرف إلى القوة العضلية، إلى فتوته، إلى شبابه، أما استوى إلى نضجه الانفعالي، ونضجه العقلي، ونضجه الاجتماعي، وما إلى ذلك، قال تعالى : ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) ما هو الحكم ؟ 1 ـ التمكين في الأرض : أما كلمة الحُكم فتعني أشياء كثيرة، إنها تعني من جملة ما تعنيه أن الله سبحانه وتعالى مكنه في الأرض، جعله الوزير الأول عند الملك، جعله حاكم مصر، هذا المعنى الأول، ولكنه لن يصل إلى هذا المنصب إلا بعد أن كان عالماً . أي آتيناه علماً في طريقة الحُكم، أتيناه علما، كيف يحكم، الحكم علم، والدولة تمثل رأس الأمة المُفكر، هذا المعنى الأول، المعنى الأوسع، قال تعالى : ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ (سورة يوسف ) 2 ـ العقل : الحكم هو العقل، لو ألقيت محاضرة على طاولة هل تفهم شيئاً، الإنسان إذا ألقيت عليه محاضرة يفهم، لأنّ الله سبحانه وتعالى زوده بإمكانية التعلم، هنا الحكم إمكانية التعلم، ما قيمة العلم بلا هذه الإمكانية؟ الله سبحانه وتعالى وصف الفكر البشري بأنه الميزان، فقال تعالى : ﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾ ( سورة الرحمن ) ما قيمة الكون وعظمته من دون ميزان تعرف عظمة الخالق من خلاله؟ ما قيمة الميزان من دون كون؟ الكون والعقل متكاملان، بالعقل تعرف عظمة الخالق من خلال خلقه، وبالكون يتبدى للعقل عظمة الخالق، لابد من صنعةٍ مُعجزة، ولابد من جهاز يدرك هذا الإعجاز . إذاً : ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ 3 ـ الرؤية الصحيحة : معنى آتيناه حكماً أي الفهم، أي قابلية الفهم، قابلية التعلم، قابلية الكسب، أي آتيناه عقلاً وفكراً، هذا المعنى الثاني، المعنى الثالث الحُكم هو الرؤية الصحيحة، الإنسان أحياناً يدمر ذاته من رؤية مغلوطة، قال تعالى : ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ ( سورة الحج ) إذا امتلك الإنسان رؤية صحيحة فقد امتلك كل شيء، أحياناً يرى الإنسان أن المغنم في كسب المال الحرام، هذا أعمى القلب، والمؤمن يرى أنّ الغنيمة في كسب المال الحلال، أحياناً يرى الإنسان أنّ الغنيمة في العدوان على أعراض الناس، و يرى المؤمن أن الغنيمة في قناعته بما آتاه الله، إذاً الفرق بين السعيد والشقي، الفرق الجوهري بين أن تكون في الأوج وأن تكون في الحضيض، هذه الرؤية الصحيحة . فمن معاني الحُكم أنّ الحُكْمَ إصابة الحُكْمِ، الحُكم على الأشياء، قد تحكم على إنسان كسب مالاً حراماً بأنه ذكي هذا هو العمى بعينه، وقد تحكم على إنسان كسب مالاً حراماً بأنه غبي هذا هو الحكم الصحيح، فالحكم أن تصيب الحكم الصحيح على الأشياء، أي أن تكون تقديراتك صحيحة، أن تأتي مطابقة للواقع، هذا هو المعنى الثالث، الحكم من القدرة على إصابة الحكم الموضوعي . 4 ـ الحكمة: والمعنى الرابع: الحكم هو الحكمة، وهو أن تكون متعلماً علماً ومطبقه في الوقت نفسه، فالعالِم الذي يعمل بعلمه هو الحكيم، أما إذا تعلم المرء علماً ولم يطبِّقه في حياته فليس بحكيم، العلم حجة عليه، لا يكون العلم حجة له إلا إذا طبّقه . والمعنى الأخير للحكم: من الحكمة، أي أن تضع كل شيء في موضعه، أن تكون قاسياً في موطن القسوة، وأن تكون متسامحاً في موطن التسامح، أن تكون رحيماً في موطن الرحمة، أن تكون متشدداً في موطن الشدة، أن تكون كريماً في موطن الكرم، أن تكون حريصاً في موطن الحرص، الأحمق حيث يجب أن يكون كريماً وبخيلاً، وحيث يجب أن يبخل يتكارم، حيث يجب أن يعفو ينتقم، وحيث يجب أن ينتقم يعفو، فالحكمة أن تضع كل شيء في موضعه الصحيح، أن تكون لك مواقف حكيمة . نعيد على أسماعكم المعاني العدة المستنبطة من كلمة الحكم : الحكم أولاً: أن تكون حاكماً، ولما بلغ أشده واستوى جعلناه عزيز مصر، والحاكم يحتاج إلى علم، لأن الحاكم عقل الأمة، دماغها المفكر، أي علمناه كيف يحكم أو جعلناه حاكماً لأنه كان عالماً، هذا هو المعنى الأول . والمعنى الثاني: الحكم بمعنى أن تكون عالماً عاملاً مطبّقاً، كل الناس هلكى إلا العالمين، والعالمون هلكى إلا العاملين، والعاملون هلكى إلا المخلصين، والمخلصون على خطر عظيم . والمعنى الثالث: الحكم هو إمكانية الفهم، هذا الذي آتاه الله قدرة فائقة على الفهم السريع والإدراك الخاطف والإدراك العميق والإدراك الدقيق والإدراك الصحيح، هذه نعمة كبرى ينعم الله بها على بعض عباده . شيء آخر، الحكمة أن تضع كل شيء في موضعه، تعرف متى تبتسم، متى تُقَطِّب، متى تسمح، متى تحاسب، متى تعفو، متى تصفح، متى يجب أن تكون قوياً، متى يجب أن تكون ضعيفاً أو أن تبدو ضعيفاً، متى يجب أن تُظهر أنك غبي . ليس الغبي سيداً في قومه لكنّ سيد قومه المتغابي *** من الذكاء البارع أن تبدو في بعض المواقف الحرجة أنك غبي، من الذكاء اللامع أن تبدو وكأنك مسكين في بعض الحالات، فحينما تضع لكل شيء موضعه، حينما تسلك السبيل الصحيح فأنت حكيم، والله سبحانه وتعالى يقول : ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) العلم : والعلم واسع جداً، إنّ الله عالِمٌ يحب كل عالم، العلم بالله وعلامته خشيته، والعلم بالله من أرقى العلوم، والعلم يشرف بشرف موضوعه، فأي علم تعلمته؟ فلان تعلّم الفيزياء، الموضوع القدرة والطاقة والمادة وتحولاتهما، متعلم علم كيمياء، هناك صفات كيميائية تطرأ على العنصر تعلُمِها وتعلُم قوانينها، هناك عالِم بالطب، هناك عالِم بالفلك، هناك عالِمٌ بالرياضيات، هناك عالِمٌ بالشرع، وهناك عالِم بالله، فإذا كان العلم يشرف بشرف موضوعه فأرقى العلوم جميعاً أن تكون عارفاً بالله سبحانه وتعالى، هذا هو أرقى العلوم قاطبة، ولما بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً، علماً بنا، علماً بشرعنا، وعلماً بتفسير الرؤى، وعلماً بأمور الدنيا، قال تعالى : ﴿ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ ( سورة يوسف ) فكأن كلمة علم هنا شملت العلم بالله، والعلم بأمر الله، والعلم بمخلوقات الله، أو العلم بالحياة، قال تعالى : ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ ( سورة القصص ) لو أن الله سبحانه وتعالى أنهى الآية عند هذه الكلمة، إذاً ليس هذا الكلام كلام الله، لماذا؟ لماذا آتيته علماً وحكماً يا رب؟ لكن ربنا عز وجل قال : ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ ( سورة القصص ) وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ عطاء الله يجري بأسباب وقوانين : بيّن الله سبحانه وتعالى أن عطاءه وفق أسس ثابتة، أنّ عطاءه يجري مجرى القانون، عطاء الله سبحانه وتعالى ليس جزافاً، ملك الملوك إذا وهب بعضهم يقول: لا تسألنّ عن السبب، ليس هناك قاعدة، هذا كلام مغلوط ، عدّلت هذا البيت تعديلاً طفيفاً : ملك الملوك إذا وهب قم فاسألنّ عن السبب الله يـعطي من يشاء فقف على حدِّ الأدب عطاء الله سبحانه وتعالى وفق أسس ثابتة، كيف تمنح الدولة منحاً للموظفين؟ أسس، من كان راتبه كذا وكذا، يأخذ على المائة الأولى كذا، والمائة الثانية كذا، والمائة الثالثة كذا، وعلى كل ولد كذا، هذا عطاء إنسان . ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ العطاء سببه، إنّ هذا العطاء لم يكن جزافاً، إنما كان وفق أسس عادلة صحيحة، هذا المعنى الأول . قصة يوسف قانون : والمعنى الثاني: وكذلك نجزي المحسنين ، قلَبَ هذه القصة إلى قانون ثابت ، والعلماء يقولون : إنّ كلمة وكذلك نجزي المحسنين تصنف في كتاب الله تحت عنوان كلمات الله ، يعني نواميسه في خلقه ، الأسس الكبرى التي يعامل بها عباده.﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ أنت أيها الإنسان، يا فلان الفلاني، يا من تعيش في عام ألف وتسعمائة وستة وثمانين، يا من تعيش في هذا العام، إن الذي انطبق على سيدنا يوسف ينطبق عليك، كن محسناً، وانظر كيف يعاملك الله سبحانه وتعالى، لا أجد آيات في كتاب الله أشفى للغليل من هذه الآية، قال تعالى : ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ ( سورة الجاثية ) هذا من خامس المستحيلات، قال تعالى :﴿ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ﴾ ( سورة الجاثية ) بيت هذا كبيت هذا، لا والله، زوجة هذا كزوجة هذا، لا والله، دخل هذا كدخل هذا، لا والله، أولاد هذا كأولاد هذا، مكانة هذا كمكانة هذا، قال تعالى :﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ ﴾ ( سورة السجدة ) ﴿ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ﴾ ( سورة ص ) فلذلك هذه بشرى للمؤمنين، كما أن هذا النبي الكريم بلغ ما بلغ بإحسانه، وصل إلى ما وصل إليه باستقامته، رفعه الله مكاناً علياً لعفته، الباب مفتوح، والطريق سالك، والإله موجود، والله هو هوَ، ومعاملته هي هيَ، وقوانينه هي هيَ، لا تتبدل ولا تتغير ،ولا تعدّل ولا تجمد، ولا توقف، ولا يضاف عليها، ولا يحذف منها، أبشروا، كن له كما يريد يكن لك كما تريد، سلِّم له فيما يريد يجعل حياتك كما تريد، لذلك قال تعالى : ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) هكذا نجزيهم على مر الأيام، على مر العصور، في كل الأصقاع، في كل الأقاليم، في كل البلاد، في البلاد المتقدمة و البلاد المتخلفة، وفي شرق الأرض وفي غربها، في شمالها وفي جنوبها، على البر وفي البحر وفي الجو، قد تحترق طائرة، ولا ينجو منها إلا واحد، قال تعالى:﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ ( سورة يوسف : الآية 22) ﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ ( سورة الطور : الآية 48) ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ( سورة الحج : الآية 38) ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَانُ وُدًّا ﴾ ( سورة مريم ) هكذا هذه الآية، يجب أن تكون في قلوبكم جميعاً، قال تعالى : ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) ما استرذل الله عبداً إلا حظر عليه العلم والأدب، إذا استرذله، رآه رذيلاً، تافهاً، سخيفاً، شهوانياً، أنانياً، مستعلياً، دنيء النفس، شهواني السلوك، ماذا يفعل معه؟ يبقيه غنياً، يبقيه قوياً، يعطيه الدنيا كما يشتهي، يفتح له أبواب الدنيا كلها، قال تعالى :﴿ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ( سورة الأنعام : الآية 44) ولكنه يحظر عليه شيئين فقط العلم والأدب، ما استرذل الله عبداً إلا حظر عليه العلم والأدب، فإذا أحبه آتاه حكماً وعلماً، إنّ الله أعطى فرعون المُلك وهو لا يحبه، وأعطى قارون المال وهو لا يحبه، وأعطى الأنبياء العلم والحكمة وهو يحبهم، فانظر أيها المؤمن عطاؤك من أي نوع علم وحكمة؟ علم وأدب؟ أم مال وجاه ؟ أحد العلماء قال: من أحسن عبادة الله في شبيبته، أي الشباب، آتاه الله الحكمة في اكتهاله، إذا صار كهلاً تجده وقوراً، حليماً، حكيماً . الآن دخلنا إلى عقدة القصة، قال تعالى : ﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ ﴾ ( سورة يوسف ) امتحان آخر : وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ المراودة : راودته امرأة العزيز، وبعض العلماء يقولون: إنّ هناك نظرات وإغراءات وأخذاً وردّاً من امرأة العزيز، ولكنّ الله سبحانه وتعالى اكتفى بالموقف الأخير لأنه أشد المواقف جرأة وأشدها وقاحة، وأشدها حتماً ﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ ﴾ ( سورة يوسف ) ومعنى راودته: بمعنى دعته دعوة رقيقة هادئة، دعته إلى نفسها، وراودته التي هي في بيتها عن نفسه، دعته إلى أن يكون كزوجها، قال تعالى : ﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتْ الْأَبْوَابَ ﴾ ( سورة يوسف ) إحكام غلق أبواب القصر : لمَ لمْ يقل الله سبحانه وتعالى: غَلَقت، بل غَلّقت، لأن فيه مبالغة، قال العلماء: وزن فعّل يفيد التكثير، إما تكثير الأبواب أو المبالغة، فإذا كان لهذا المسجد سبعة أبواب، أو خمسة أبواب نقول للقيِّم عليه: أغَلّقت الأبواب، لا نقول له: غَلَقت الأبواب، لأن الأبواب كثيرة، أغلّقتها، وإذا كان باب الصندوق الحديدي وفيه ثروة طائلة نقول له: أغَلّقته، يعني أقفلته، فإما وزن فعّل في الإغلاق يعني المبالغة الإرتاج، وإما يعني كثرة الأبواب . يروى أنّ رجلاً راود امرأة عن نفسها، وغلّق الأبواب كلها، فقالت له كلمة جعلته يقع مغشياً عليه، قالت: انظر، هناك باب واحد لا تستطيع أن تغلقه، لو غلّقت كل الأبواب فهناك باب واحد لا تستطيع أن تغلقه؛ إنّه باب السماء، عندئذ وقع مغشياً عليه، وأدركته الخشية، وترفّع عن هذا العمل . امرأة العزيز غلّقت الأبواب، وراودته التي هي في بيتها عن نفسها، ودَعته إلى المعصية الكبيرة، دعته إلى خيانة زوجها، قال تعالى : ﴿ وَغَلَّقَتْ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ ﴾ ( سورة يوسف ) وَقَالَتْ هَيْتَ هناك سبع قراءات لـ ( هيت )، قالت : هَيْتَ لك، أي تعال وأقبل، وهِيْت لك، وهَيْتِ لك، وهِئْتُ لك، أي تهيأت لك، إما تعال وأقبل، أو تهيأت لك، هِئْتَ لك، وهِئْتُ لك، وهِئْتِ، وهَيْتَ، وهَيْتِ، كل هذه دعوة صريحة إلى أن يرتكب المعصية معها، قال تعالى : ﴿ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ﴾ ( سورة يوسف ) جواب المخلَصين :مَعَاذَ اللَّهِ أعوذ بالله أن أفعل هذا، هذا موقف الأنبياء، هذا موقف المؤمنين، فما قولكم بالأنبياء؟ قال تعالى : ﴿ وَلَا يَزْنُونَ ﴾ ( سورة الفرقان ) هذه ليست ( لا )الناهية، لم يقل الله عز وجل : ولا تزنوا، بل قال : ﴿ وَلَا يَزْنُونَ ﴾ ( سورة الفرقان ) ينفي عنهم الزنى، فمستحيل في حقهم أن يزنوا، لكن بعض المفسرين سامحهم الله أورد روايات ما أنزل الله بها من سلطان، أنه بلغ منها مبلغ الرجال، وكان على وشك أن تقع الفاحشة، لولا أنّ الله سبحانه وتعالى أخرج له أباه من الجدار، وعضّ على إصبعه، لولا أنّ ملَكاً نزل من السماء، ودفعه في صدره فخرجت الشهوة من أنامله، لولا أنّه حينما استلقى رأى آيات القرآن مكتوبة على السقف، هذه روايات إسرائيلية ما أنزل الله بها من سلطان . مثلاً: إذا عرضت على أحد ما مبلغا من المال كرشوة وقال لك: أعطني إياه، عدّه، وضعه في جيبه، وبعد ساعة، أو بعد نصف ساعة قال لك: لا والله لا آخذه، هذا نقص كبير لمجرد أنّه تردد في الأمر، لمجرد أنّه همّ أن يأخذه، لمجرد أنّه قَبِلَ أن يأخذه مبدئياً فقد وقع في نصف الذنب، فإذا قلنا: إنّ هذا النبي العظيم أغرته سيدته، وهمّ أن يواقعها، وبلغ منها مبلغ الرجال، وتفصيلات ما أنزل الله بها من سلطان، إلى أن رأى أباه في الحائط يعض على إصبعه، إلى أن رأى السقف قد كُتِب آيات قرآنية، إلى أن جاء ملَك، ودفعه من صدره فأخرج بذلك الشهوة من أنامله، لا والله ما أنزل الله بهذا من سلطان، قال تعالى : ﴿ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ﴾ ( سورة يوسف ) أعوذ بالله أن أفعل هذا، مستحيل أن أفعل هذا، هذا لا يليق بي، قال تعالى : ﴿ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾ ( سورة يوسف ) إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ هذه لها تفسيران : المعنى الأول : رب العزة الذي نقلني من البئر إلى القصر، من الوحشة إلى الأنس، من الجوع إلى الشبع، من العطش إلى الري، من الضياع إلى العناية، أنا أعصيه؟! أتجاوز أمره؟ أفعل ما نهاني عنه معاذ الله؟ المعنى الثاني : أما التفسير الثاني: ربي يعني سيدي، هل أخون سيدي؟ زوجك الذي رباني وأنشأني في هذا القصر، وأكرمني أخونه في زوجته، معاذ الله، إنه ربي أحسن مثواي وأخونه؟ أهذا هو الكرم أن أرد على الإحسان بالإساءة؟ معاذ الله : ﴿ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾ قال عليه الصلاة والسلام : (( الإيمان عفة عن المحارم )) ورد في الأثر (( الإحسان عفة عن المحارم ، عفة عن المطامع )) ورد في الأثر (( الإيمان عفيف عن المحارم ، عفيف عن المطامع )) ورد في الأثر والعلماء فرّقوا بين اللذة والسعادة، اللذة تأتي من ممارسة الشهوة، ولكنّ السعادة تأتي من ترك الشهوة، إذا تركت شهوة لا ترضي الله عز وجل تسعد إلى الأبد، ألا يا رُبّ شهوة ساعة أورثت حزناً طويلاً، ألا يا رُبّ أكلة منعت أكلات، قال تعالى :﴿ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) الزنى ظلمٌ : الزنى ظلم، ظلمٌ للنفس قبل كل شيء، لأن الزاني محجوب عن الله عز وجل، مقطوع، سيدنا عثمان كان على المنبر فقال : << أيدخل أحدكم وأثَرُ الزنى بين عينيه؟ فقيل: يا خليفة رسول الله، أَوَحيٌ بعد رسول الله؟ قال: لا، اتقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله >>، وينطق بتوفيق الله، فالمستقيم تظهر استقامته في وجهه، سيماهم في وجوههم، لو أنّ الوجه الحسن رجلٌ لكان رجلاً صالحاً، العفيف في وجهه، البريء في وجهه، الصافي في وجهه : ﴿ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ ( سورة الأنعام : الآية 21) الزنى ظلم، ظلم للإنسان، والزنى ظلم للمزنيِّ بها، هذه التي زنيت بها لا سمح الله لو جاءتك يوم القيامة، وقالت لك: أنا أختك في الإنسانية، إنك بهذا العمل مرّغتني في الوحل، وجعلتني أشقى نساء الأرض، حينما ذهب جمالي نبذني الناس إلى قارعة الطريق، صرت متسولة، أهذا يرضيك؟ لو كنت الآن زوجة لخمسة شباب بعضهم أطباء، بعضهم صيادلة، بعضهم تجار، هذا جاءني، وقال: يا أمي، هل لك حاجة، ولي بنات زوجتهم، كنت سيدة أسرة كبيرة . قال لي شخص: طرق الباب الساعة الرابعة فجراً فتحت فلم أجد أحداً، فلما وقعت عيني على الأرض رأيت محفظة كبيرة، فتحتها فوجدت غلاماً، طفلاً مولوداً لتوه، قلت: سبحان الله! حينما يتم زواج شرعي، وتحمل المرأة الأهل يفرحون، يُعد لهذا المولود، يجهز له مهاده، تجهز له ملابسه، تعيش الزوجة في حلم الولد بعد أشهر والأب كذلك، يأتي المولود، يأتي الناس مهنئين، تأتي الهدايا، يفرح الناس، هذا هو الطريق المشروع، فإذا كان المولود من زنى فقد يوضع هذا المولود في حاوية القمامة، على قارعة الطريق، في الحديقة العامة، والحدائق العامة في أوروبة يجمع منها اللقطاء بالعشرات والمئات والألوف العام، وقال بعضهم: حوالي ثلث بعض الشعوب في أوروبة من أولاد الزنى، هذا ما ذاق حنان الأب، ما ذاق حنان الأم، هؤلاء الذين يديرون حروباً طاحنة يعيشون على أنقاض البشرية، يقتلون في المستعمرات الألوف المؤلفة، هؤلاء قد يكونون ما ذاقوا حنان الأب، ولا حنان الأم، ولا العطف، فلذلك : ﴿ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ ( سورة الأنعام : الآية 21) الزنى ظلم للزاني ، وظلم للمزني بها ، وظلم للمجتمع ، قال تعالى :﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ﴾ ( سورة يوسف ) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ أي همت به، همت بجذبه . إيّاكم وشطحات المفسرين في هذه الآية : سامح الله بعض المفسرين الذين توهموا أن هَمّهُ بها كهمِّها به، إذا رأيت في الغرفة أفعى هي تهم أن تلدغ إنساناً، وهو يهم أن يقتلها، يا تُرى هل همه كهمها؟ إذا رأيت أفعى في غرفة، نقول لك: لقد هممت بها، وهمت بك، ماذا تفهم من هذا؟ همت باللدغ، أما أنت فهممت أن تقتلها لا أن تلدغها، لابد من يكون همك غير همها، ولقد همت به، أغرته، جذبته، تهيأت له، وهمّ بها همّ بدفعها، أو همّ بالهروب منها، هذا التفسير الوحيد الذي يليق بهذا النبي الكريم، قال تعالى : ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا ﴾ ( سورة يوسف ) لم يهم بها همّ فعل، ولم يهم بها همّ نفسٍ، ولم يهمّ بها همّ الرجل بزوجته، ولكنه همّ بها همّ ردٍ، وهم دفعٍ، بل وهم ضرب، لشدة حرجه، هذا المعنى الذي يليق بهذا النبي الكريم . قال تعالى : ﴿ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ ( سورة يوسف ) وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ لولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها، لو أتيت بمائة رجل ووضعتهم في ظرف سيدنا يوسف، كم منهم مَن يقول: معاذ الله؟ لا تعرف كم، ربما واحد أو اثنان، لماذا؟ لأنهم لم يروا برهان ربهم، ما كان في قلبهم نور يهديهم إلى الطريق الصحيح، هذا هو النور، الصلاة نور، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، الكافر يرى الحق باطلاً ويرى الباطل حقاً، وإذا رأى الحق حقاً لا يستطيع أن يتبعه، وإذا رأى الباطل باطلاً لا يستطيع أن يجتنبه، والدعاء المأثور كما ورد في مختصر تفسير ابن كثير حيث لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم : " اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه " . قال تعالى : ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ ( سورة يوسف ) في الكلام تقديم وتأخير : هذا التفسير مقبول، يعني لولا أنك جئتني لجئتك في البيت، أنا هل أتيتك إلى البيت؟ لا، لأنك أتيتني، هذا هو المعنى الدقيق . ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ هناك تقديم وتأخير، أي: ولولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها، و( لولا )حرف امتناع لوجود، لولا المطر لهلك الزرع، امتنع هلاك الزرع لوجود المطر، قال تعالى : ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ السوء والفحشاء : السوء ما يسوؤه في نفسه، والفحشاء ما يفضحه بين الخلق، السوء داخلي، والفحشاء خارجي، إذا ورد إلى خاطر الإنسان خواطر سيئة فهذه تسوؤه إذا تصور نفسه في معصية، هذا الخاطر يسوؤه، لكنه إذا فعل هذا الخاطر هذه فحشاء، هذه تفضحه، هناك شيء يسوؤك، وهناك شيء يفضحك، الخواطر السيئة تسوء، لكنّ المعاصي تفضح :﴿ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾ مَن هم المخلَصون؟ كنت أظنّ أنها المخلِصين فإذا هي المخلَصين بالفتح، يعني أخلَص لله فصار مُخْلَصاً من كل شائبة، مخلِص اسم فاعل، ومخلَص اسم مفعول، أخلص لله فأخلصه الله من كل شائبة، وجعله نقياً طاهراً، قال بعضهم: المؤمن طفل كبير بل ذاتي، صافٍ لكنه عاقل وناضج، فإذا أردت أن تجمع بين ميزات الطفولة ببراءتها و صفائها وميزات الرجولة برجاحة عقلها فهي في المؤمن، المؤمن يجمع بين الصفاء والبراءة، والطهر والعفاف، والحكمة والنضج، والعقل والفهم، << لست بالخب ـ لست من الغباء ، لست من الخبث بحيث أكون خباً أي خادعاً ، ولست من الغباء بحيث أكون مخدوعاً ـ ولا الخب يخدعني >>، قال تعالى : ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ(24)وَاسْتَبَقَا الْبَابَ ﴾ ( سورة يوسف ) قانون عام :كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ نصرف عنه، وليس هذا التصرف خاصاً بهذا النبي، إنّ هذا قانون أيضاً، كل من كان مخلِصاً فصار مخلَصاً صرف الله عنه السوء والفحشاء، ما يسوؤه في نفسه وما يفضحه بين خلقه أبداً، هذه قاعدة عامة، كل من كان مخلِصاً صار مخلَصاً، وصرف الله عنه السوء والفحشاء . قال تعالى : ﴿ وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ ﴾ ( سورة يوسف ) وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ من الدين الفرارُ من الفتنة : حينما شعر أن الموقف حرج جداً، وأنها مصرِّة ما كان منه إلا أن استبق الباب، واستبقا، وليس استبق، وإنما استبقا مثنى، تسابقا هو وهي إلى الباب؛ هو لينجو، وهي لتقبض عليه لتحمله على الزنى، أيضاً الاستباق مختلف، لو أن الاستباق في سباق الهدف واحد وهو بلوغ الهدف، أما هنا فله معنى آخر، هو أراد بهذا الرفض أن ينجو من الباب، وهي أرادت أن تبقيه في الغرفة، طبعاً أدركته، وأمسكته من قميصه من خلفه فانجذب منها عنيفاً فتمزق القميص . ومن غرائب الصدف أنّ زوجها جاء إليهما عن غير قصد، الله عز وجل قال : ﴿ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾ ( سورة يوسف ) وقال أيضاً : ﴿ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾ ( سورة يوسف : الآية 28) قال تعالى : ﴿ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا ﴾ ( سورة يوسف ) مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا صدق مَن قال: ضربني وبكى ، وسبقني واشتكى : هناك علماء استنبطوا أنها لا تحبه، فرقوا بين الشهوة الجنسية والحب الشريف، لو أنها أحبته لما أوقعته في هذه الورطة الكبيرة، إنها لا تحبه لنفسيته، تحبه لشكله، هذا حب شهواني، هناك حب روحي، وهناك حب شهواني، والدليل أنه حينما امتنع منها أرادت أن تسحقه، أن تجعله أمام زوجها خائناً، أن يبدو لزوجها وقد خانه، قال تعالى : ﴿ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ ( سورة يوسف ) قال تعالى :﴿ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ ﴾ ( سورة النساء ) إلا في حالة واحدة ما هي ؟﴿ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ﴾ ( سورة النساء ) قال سيدنا يوسف : ﴿ قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ﴾ ( سورة يوسف ) مرحلة الدفاع عن النفس : قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي أنا بريء، فإذا ظُلم أحد فلا ينبغي عليه أن يسكت، وإلا يكون أحمق، فلان فعل كذا، ولست أنا، إذا اتهمت أنك فعلت كذا وكذا، ولم تفعل شيئاً فلان فعله، وهذه ليست غيبة، إذا ما اتهمك أحدٌ تهمة باطلة، وأنت بريء منها، وفعلها إنسان آخر فقل له : فلان فعلها، قل له: لم أفعلها أنا، قال : ﴿ قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ﴾ ( سورة يوسف ) برودة الطبقة المخملية : يقولون: إنّ عزيز مصر، هذه الطبقة الأرستقراطية الراقية عندها برودة وما عندها غيرة، قال لي: ماذا أفعل وجدت عندها شخصاً لا حول ولا قوة إلا بالله، فهذا ليس برودة، هذا تلبد الحس، يبدو أنه يأكل لحم خنزير حتى خنزر، تعجب العزيز، هو أم هي؟ هذا دليل كالشمس ، ثم ماذا ؟ استشار أحد المخلِصين له، وكان قريباً لها، قال تعالى : ﴿ قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ ﴾ ( سورة يوسف ) أي أقبل عليها فدفعته، قال تعالى :﴿ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنْ الْكَاذِبِينَ(26)وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ ﴾ ( سورة يوسف ) أي هرب منها فتبعته فأمسكته فَقُدَّ قميصه من دبر، قال تعالى :﴿ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنْ الصَّادِقِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) هذا تحقيق، الله علمنا التحقيق الجنائي، قال تعالى :﴿ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾ ( سورة يوسف ) ما الذي فعله؟ لاشيء، أبقاها، انزعج قليلاً من هذه الخيانة الزوجية . يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنْ الْخَاطِئِينَ قال تعالى : ﴿ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ(28)يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنْ الْخَاطِئِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) أين أنت أيتها العفة؟ أعرض عن هذا، أي استرنا، كل هذه الرفعة التي حصّلها هذا النبي الكريم بفضل هذا الموقف الأخلاقي، كل هذه الرفعة بفضل هذه العفة، شيء ثمين جداً أن تكون عفيفاً، من السهل جداً أن يكون المرء دنيئاً، ومن البطولة أن يكون عفيفاً، لو أنه فعل ما دعته إليه ما كان سيدنا يوسف أساساً . قال لي شخص قد حجّ في سن مبكرة، وفتح مكتبة بأحد أحياء دمشق أمام المكتبة ثانوية بنات، قال لي: يظهر أنه يوجد بنت فاسقة جداً، لا أهل لها، وليس لها تربية، وقفت على المكتبة في ضحك وابتسام، وكلام وغزل، فأغلق المحل ولحق بها، قال لي: في الطريق قلت لنفسي: أنا قد حججت، وبفعلتك هذه تُذهب حجتك، حسب الظاهر أنه قد غلب عليه الورع، وتصور حجته، وكان هناك ( الترام )، ينزل ببطء فركب به ورجع، هذا الإنسان أقسم بالله العظيم أنه في اليوم التالي جاءه أحد وجهاء الحي فقال له: يا بني، هل أنت متزوج ؟ فأجابه: لا، فقال له: لك عندي فتاة تناسبك، قال لي: ظننت أنّ عنده ابنة سوداء عوراء كتعاء عرجاء، وقال لي: أرسل أهلك ليروها يا بني، أرسل أهله فإذا هي قمة في الكمال والجمال، في اليوم الثالث زاره مرة أخرى قال له: كيف وجدوها، فقال له: والله على العين والرأس، ولكن ليس معي أي شيء، فقال له: هذا ليس شغلك، الرجل كان مليئاً، ميسور الحال، زوجه هذه الفتاة وشاركه في العمل، ولا يزال حياً يرزق، وهو أحد تجار الزيت الآن، بفضل أنه قد ركب ( الترام )،وعاد إلى المحل . أحد الطلبة الكرام قال لي : إنه مر له على التخرج من الجامعة أربع أو خمس سنوات، ولم يتمكن من الزواج، فضاقت نفسه، والزواج حاجة طبيعية، ليس هناك بيوت ودخله محدود، وقال لي: إنه كان في حماة يقضي الخدمة الإلزامية، ولا يوجد باص للشام ، فركبت إلى حمص، من حمص وجدت ميكرو باص فركبت به، جلس بجانبي رجل ما عرفته، بعد حوالي نصف ساعة من السير قال لي: ما اسمك، فقلت له: فلان، فسألني ماذا أعمل؟ فأجبته بأني مُدَرّس، فقال لي: هل أنت متزوج يا بني؟ فقلت له: لا، فقال له: أنا عندي بيت و زوجة لك، شيء غريب، قال لي: كان الدعاء بحماة، وبعد ساعة من الدعاء الله عز وجل استجاب لي، فإذا كان الإنسان عفيفاً عن محارم الله فمع الله لا تضيع هذه العفة، سوف تجد شيئاً يسعدك طوال الحياة، تأتيك زوجة تسرك إذا نظرت إليها، وتحفظك إذا غبت عنها، وتطيعك إذا أمرتها، هناك جارية عندما رأت سيدنا يوسف عزيز مصر، وكانت تعرفه عندما كان عبداً هي كبيرة غي السن، قالت مقولتها الشهيرة: " سبحان الذي جعل العبيد ملوكاً بطاعته، وجعل الملوك عبيداً بمعصيته " . هذه القصة ليست للمتعة، لكنها للتطبيق، كن عفيفاً، غض بصرك عن محارم الله، قال تعالى : ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ ﴾ ( سورة طه ) لا تنظر، الله سبحانه وتعالى يكرمك، ويجبرك، ويسعدك إذا كففت عن محارمه . والحمد لله رب العالمين لا تفرح بجمال يأكله الدود !!! هناك قول لا أعرف مدى صحته مبثوث في كتب التفاسير، قالت له امرأة العزيز: ما أحسن صورة وجهك! فقال يوسف عليه السلام: في الرحم صورني ربي، قالت: ما أحسن شعرك! قال: هو أول شيء يبلى مني في قبري، قالت: ما أحسن عينيك! قال: بهما أنظر إلى ربي، قالت: ارفع بصرك، وانظر في وجهي، قال: إني أخاف العمى في آخرتي، قالت: أدنو منك، وتبتعد مني، قال: أريد بذلك القرب من ربي، قالت: القيطون فرشته، أي السرير، قال: القيطون لا يسترني من ربي، قالت: الفراش من حرير، قال: يذهب بنصيبي من الجنة، المؤمن الله أغلى عليه من كل شيء، يحس بسعادة من عفته لا توصف والله، ولا يعرفها إلا من ذاقها، هذا الشهواني، العوام يعبرون عنه أنّ نفسه خضراء، تجده دنيء النفس، محتَقَراً، تافهاً، أما المؤمن فعفيف، حتى كان النبي الكريم عليه الصلة والسلام أشد حياءً من العذراء في خدرها، هكذا كان النبي الكريم . |
|
|
|
#5 |
|
كبار الشخصيات
|
﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ ﴾
( سورة يوسف ) من شخصيات قصة يوسف : عزيز مصر وامرأته : الحقيقة أننا أول مرة نعرف أنّ سيدنا يوسف كان في بيت عزيز مصر، وأنّ المرأة التي راودته عن نفسها هي امرأة العزيز، وهذه طريقة في حبكة القصة رائعة جداً، أخّر إعطاء القارئ هوية هذا الرجل الذي اشتراه : ﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ ﴾ من ؟ لا نعرف .﴿ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ﴾ ﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا ﴾ بعد مرحلة متقدمة من القصة، عرفنا أنّ هذه المرأة التي راودته عن نفسها هي امرأة العزيز، وأنّ هذا الرجل الذي اشتراه هو عزيز مصر، قال تعالى : ﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ ﴾ ( سورة يوسف ) وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ هكذا يشيع لخبر فاحذر!!! يبدو أنّ هؤلاء النسوة هنّ من الطبقة الراقية، رقياً دنيوياً، من طبقة الأغنياء والمقربين إلى القصر . ﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ ﴾ يبدو أنّ قصة هذا النبي الكريم قد شاعت في المدينة وسريعاً ما تناقلتها الألسنة، ورجفت بها القلوب، قال تعالى : ﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ ﴾ ( سورة يوسف ) مكر النسوة في الكلام : امْرَأَةُ الْعَزِيزِ!!! كأنهم يقصدون أن امرأة العزيز المرأة الثانية في هذا المجتمع، المرأة الأولى امرأة الملك، وامرأة العزيز هي المرأة الثانية، على علو قدرها، وعلى عظم شأنها تراود فتاها عن نفسه، قال تعالى : ﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ﴾ ( سورة يوسف ) وصل حبها له إلى شغاف قلبها، وصلت محبته إلى أعمق ما في قلبها، مَلَك عليها قلبها، استحوذ عليها، وذهب بها كل مذهب، قال تعالى :﴿ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ ( سورة يوسف ) قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ كأنهن يترفعن عن هذا المستوى، كأنهن يقبحن عملها، ويزرين بها، وينحن عليها باللائمة : ﴿ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ ردُّ الفعل : لكنّ امرأة العزيز امرأة ناضجة عرفت أبعاد هذه الفضيحة، وكيف أنّ قصتها مع فتاها قد شاعت في المدينة، وقد لهجت بها الألسنة ولاكتها، وتناقلها الناس، ولاسيما فيما بين الطبقة الراقية، المجتمع الراقي بالمقياس الدنيوي، من خلال هذا المجتمع المقرب إلى العزيز، قالت في نفسها: لابد من مكر يطفئ هذه القصة، قال تعالى : ﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ﴾ ( سورة يوسف ) دقة القرآن :بِمَكْرِهِنَّ كأن نقل هذا الحديث مكر منهن، كأن نقل هذا الحديث وإشاعته وتناقله شفاء لما في صدورهن، كأن هناك منافسة بين امرأة العزيز وبقية النساء المقربات، هناك منافسة خفية، وهذا يؤكده قوله تعالى : ﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ﴾ ( سورة الحشر ) حقيقة الرقي والحضارة : الكفار إذا بدوا لك متجمعين فهم في الحقيقة متفرقون، إذا بدوا لك متحدين فهم في الحقيقة متنافسون، لأن الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ﴾ ( سورة الحشر ) فامرأة العزيز أرادوا بها كيداً عن طريق نقل هذه القصة وترويجها وإشاعتها وكثرة الحديث فيها من أجل أن يحطمن سمعتها، إذاً هناك عداءٌ خفي، فلما سمعت بمكرهن دبرت لهن خطة وكيداً محكماً، أرسلت إليهن، الحقيقة هذا المجتمع الراقي يسمونه المجتمع المخملي، هذا المجتمع الراقي في نظر الناس هو عند الله ليس راقياً، لأن هناك نظافة المظهر وهناك نظافة المخبر، قد تعيش في بيت فخم، وقد ترتدي أجمل الثياب، وقد تستعمل أغلى العطور، وقد تركب أجمل السيارات، وقد تأكل ما لذ وطاب، وقد يكون وقتك ممتلئاً بالمواعيد واللقاءات والحفلات والسهرات الممتعة والنزهات، ولست عند الله شيئاً مذكوراً، وقد يأتي إنسان فقير لا يعرفه معظم الناس فيخلص العبادة لله عز وجل، ويستقيم في معاملته فهو عند الله نظيف . مثلاً: إنسان يعمل في مهنة عضلية مجهدة لو أنه يعمل في تصليح السيارات مثلاً، ويرتدي ثياب سوداء مثقلة بالشحوم، لو أنه جاءته سيارة فأحكم إصلاحها، وأتقنه، وأخذ أجراً معتدلاً، وقدّم خدمة، هذا الوضع الذي هو فيه وضع نظيف جداً، إنه نظيف من الداخل، وقد قال لي رجل لا أشك أنّ غرفته التي يجلس فيها يزيد ثمن ما فيها من أثاث على مئات الألوف قال لي: إنّ عملي قذر، يرتدي أجمل الثياب، ويتكئ على أفخم الأثاث، ويستعمل أفخر العطور، وقال لي بالحرف الواحد: إنّ عملي قذر، فالقذارة والنظافة أيها الإخوة من الداخل، المؤمن نظيف من الداخل؛ استقامته وعفته، ومروءته وشجاعته، ونزاهته وأعماله الطيبة، هذه التي ترفعه عند الله، أما هذا المجتمع الذي يبدو لك مجتمعاً راقياً يتقلب في ألوان النعيم فليس عند الله بشيء، قال تعالى : ﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ ( سورة آل عمران ) قال تعالى : ﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ ﴾ ( سورة يوسف ) أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً إياكم ومكر المرأة ، فإنها تغلب ذا اللبّ : وجهت إليهن دعوة إلى قصرها لتناول طعام أو فاكهة، وليس في القرآن الكريم ما يؤكد هذا أو ذاك، قال تعالى : ﴿ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً ﴾ ( سورة يوسف ) أي جعلت لهن أماكن مريحة جداً، أثاثا فاخرا، طنافس وثيرة، متكآت من ريش النعام، قال تعالى :﴿ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا ﴾ ( سورة يوسف ) من أجل أن تستعملها في تقطيع الفاكهة أو تقطيع اللحم، على كلٍّ قدّمت لهن طعاما أو فاكهة ثمينة، قال تعالى : ﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتْ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ﴾ ( سورة يوسف ) وَقَالَتْ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ امرأة العزيز تعتذر للنسوة بالواقع : أمرته وهو الغلام في قصرها، وعليه أن ينفذ ما تأمره به، أمرته أن يخرج أمام هؤلاء النسوة اللائى يمثلن نخبة المجتمع الراقي، قال تعالى : ﴿ وَقَالَتْ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ ﴾ ( سورة يوسف ) الله أكبر ، لقد قطَّعن أيديهن لرؤيته : يعني عظّمنه، دُهشن لجماله، وهناك مفسرون كثيرون ورواة كثيرون أجهدوا أنفسهم في وصف هذا النبي الكريم، وفي خلع صفات الجمال عليه، مع أنّ المرأة لا يستهويها في الرجل جمال بني جنسها، بل يستهويها صفات خاصة به، سيدنا موسى قال تعالى عنه : ﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾ ( سورة القصص ) رأس مال الرجل : القوة والأمانة : ما الذي أعجبها فيه؟ أعجبها قوته وأمانته، هو ما الذي أعجبه فيها حياؤها، قال تعالى : ﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ﴾ ( سورة القصص) فالمرأة تحب في الرجل القوة والعفة، والأمانة والقوة، والحماية والرعاية والشجاعة، فإذا بالغ الرجل في التزين والتجمل، والتعطر والتكسر، وترفيع الصوت، وتزيين صدره ببعض الحلي ومعصمه ببعض السلاسل تقليدا للنساء في زيِّهن، فهذا الرجل لعنه الله عز وجل، لقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : (( لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ )) مسند الإمام أحمد قال تعالى : ﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾ ( سورة القصص ) بينما أعجبه فيها حياؤها ، لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام : (( من علامات قيام الساعة أن يرفع الحياء من وجوه النساء، وتذهب المروءة من رؤوس الرجال )) ورد في الأثر إلا الديّوث أعيت مَن يداويه !!! لا مروءة عند الرجال، و لا حياء في وجوه النساء . (( والديوث لا يروح رائحة الجنة ، فقيل يا رسول الله : وما الديوث ؟ قال الذي لا يغار على عِرضه ويرضى الفاحشة في أهله )) ورد في الأثر هذا الذي يسمح لزوجته أن تخرج إلى الشرفة بقميص النوم هذا عند الله ديوث، لأنه لا يغار على عرضه، هذا الذي يسمح لزوجته أن تتزين وهي معه في الطريق هذا لا يغار على عرضه، هذا الذي يسمح لزوجته أن تقدم المشروب لضيوفه ديوث لا يغار على عرضه، إن كان الذين يرضون الفاحشة في أهلهن قلائل، فالذين لا يغارون على أعراضهن كثر، إذاً: حينما بالغ المفسرون والرواة في وصف هذا النبي الكريم بصفات جمالية منتزعة من صفات النساء وقعوا في وهم كبير، إنّ الذي أعجبها فيه عفته، إنّ الذي أعجبها فيه قوته، إن الذي أعجبها فيه طهارته، وكان جميلاً، لكن أن نقصر ميزاته على جماله وحده فهذه مبالغة ليست واقعية، على كلٍّ، قال تعالى : ﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتْ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ ( سورة يوسف ) معنى تقطيع الأيدي : لئلا يذهب بكم الظن إلى أنهن قطّعن أيديهن تقطيعاً تاماً، لا، معنى قطّعن أيديهن في اللغة جرحن أيديهن، الإنسان أحياناً يستعمل سكيناً حاداً، ويلهو مع إنسان في حديث، فإذا به يجرح إصبعه، معنى قطّعن أيديهن أي جرحن أصابعهن، قال تعالى : ﴿ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا ﴾ ( سورة يوسف ) كمال الأنبياء : إنه فوق البشر لكماله، والأنبياء كذلك ، قال الشاعر : وأجمل منك لم ترَ قط عيني وأكمل منك لم تلد النساء خُلقـتَ مبرّأً من كل عيب كأنك قد خُلقت كما تشاء *** الله سبحانه وتعالى يهب أنبياءه جمال الخَلق والخُلُق، أصحاب محمد الكرام سحروا به أُخذوا به، أخذ كل قلوبهم، قال أحدهم: " ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً "، سُحروا بكماله ورقته، وحلمه وشجاعته، وذكائه وفطنته، ورحمته وعدله وإنصافه، وهكذا المؤمن، لا أقبل أن يكون المؤمن بغيضاً عند الناس، لا يمكن أن يكون هذا صحيحاً، كيف يكون هذا صحيحاً وهو متصل بالله عز وجل، ولله الأسماء الحسنى، وكل من اتصل بالله عز وجل لابد من أن يشتق من أسمائه الحسنى، يجب أن يكون المؤمن محبوباً لتواضعه وإنصافه وعفته لاستقامته، قال تعالى : ﴿ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ(31)قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ﴾ ( سورة يوسف ) فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ عزيز تواجه النساء بالواقع الذي لا يصبرن عليه : هذا هو، إنكم تحدثتم عني في غيبتي، وأنحتم عليّ باللائمة من دون أن تعرفوا حقيقة هذا الفتى الذي شغف قلبي به حباً، هذا الذي شغف قلبي به حباً أمعي حقٌ بهذا؟ قال تعالى : ﴿ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ ( سورة يوسف ) منتهى الوقاحة : منتهى الوقاحة أن تعلن عن شغفها، وعن غريزتها، وعن حاجتها إليه أمام نسوة من علية القوم، قال تعالى : ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ﴾ ( سورة يوسف ) وهذه أول براءة له عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فاستعصم، لا كما يقول بعض المفسرين: ولقد همّ بها، أي بلغ منها مبلغ الرجال، لا، هو همّ بدفعها، أو همّ بالهروب منها، أو همّ بضربها، على قول بعض المفسرين، لأن عملها كان في منتهى الوقاحة، قال تعالى : ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) مرحلة التهديد : وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ لا زالت مصرة على أن تراوده عن نفسه مرة ثانية، لا زالت مصرة على أنها لابد من أن تصل إليه إما بالحسنى، وإما عن طريق السَجن والتعذيب، قال تعالى : ﴿ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ(32)قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾ ( سورة يوسف ) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ : السجن بدل المعصية والفتنة في الدين : لم يقل الله عز وجل: مما تدعوني إليه، كان مع واحدة فصار مع المجموع، في بعض التفسيرات أنّ كل من حضر هذا الحفل البهيج بدأ يقنعه على حدة أن يستجيب لنزوتها، لنزوة امرأة العزيز، كان مع واحدة، فصار مع المجموع .﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾ هنا نقف قليلاً، إذا أُمرت بمعصية أين أنت من هذا النبي الكريم، هل تقول: لا أستطيع يا أخي؟ ما تمكنت، أمرتُ بهذا، أم تقول: ﴿ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾ هذا امتحان دقيق، قد يوضع إنسان في موضع صعب، قد يُؤمر بمعصية الله، قد يؤمر بعمل لا يرضي الله، يجب أن يكون موقفك واضحاً، يجب أن لا تأخذك في الله لومة لائم، يجب أن ترى أنّ الله هو كل شيء قدير، ولا إله إلا الله، قال تعالى :﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ﴾ ( سورة فاطر : الآية 2) ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾ ( سورة الزخرف : الآية 84) ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ ( سورة الحديد : 4) ﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾ (سورة الأعراف : 54) ﴿ لَهُ الْحُكْمُ ﴾ ( سورة القصص : الآية 70) ﴿ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ ( سورة يوسف : 64) ﴿ وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ﴾ ( سورة غافر : الآية 20 ) ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ﴾ ( سورة الأحزاب : الآية ) قال تعالى : ﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ﴾ ( سورة يوسف ) وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ قمة التوحيد والاستسلام لله : هذا هو التوحيد، يا رب، أنا أصمد أمام كيدهن، وأمام إغرائهن بمعونتك، فإذا تخليت عني فلا أستطيع أن أصمد أبداً، إنّ مقاومتي تنهار إذا تخليت عني، كما قال تعالى : ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ ( سورة الفاتحة ) لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول عن معصية الله إلا بالله، ولا قوة على طاعته إلا به، هذا هو التوحيد، هذا الذي يقول أنا لا أفعلها أبداً، هذا مشرك، يا رب أعني على طاعتك، يا رب لا تكلني إلى نفسي طرفة عين، يا رب أنا بك و إليك، من أنا حتى أقول أنا لا أفعلها، هذا هو الشرك، أي أشركت نفسك مع الله عز وجل، لو عرفت ما عند الأنبياء من تواضع لله عز وجل ومن افتقار إليه، ومن استسلام لأمره لتأدبت بهذا الأدب : ﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ﴾ ( سورة يوسف ) كيد المرأة عظيم : ربنا عز وجل قال في هذه القصة بالذات : ﴿ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾ ( سورة يوسف : الآية 28) وقال في موطن آخر :﴿ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾ ( سورة النساء ) الشيطان ومن معه كيده ضعيف، لكن المرأة كيدها عظيم، لأن لك عند المرأة حاجة، وقد تكون هذه المرأة زوجتك، لك عندها حاجة فتستغل هذه الحاجة لتحملك على معصية، لتنفذ مأربها، لتفعل ما تشاء، لتكون هي المسيطرة، لتسير البيت وفق أهوائها، لتفعل ما تفعل من أجل أن تظهر، فإذا هذا على حساب دينك، لذلك إياك أن تنهار مقاومتك أمام كيدهن : ﴿ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾ ( سورة يوسف : الآية 28) قال تعالى : فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ﴾ ( سورة يوسف ) جاء الفرَجُ : فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ لماذا استجاب له ربه فصرف عنه كيدهن؟ لشيء واحد، لأنه كان صادقاً في هذا الطلب، أنت أيها الأخ الكريم لا تملك إلا الطلب، إن عرف الله عز وجل صدق طلبك وإصرارك على طاعته، و إصرارك أيضاً على بعدك عن معصيته يستجب لك، لذلك جاء في الحديث الشريف : (( ما كان الله ليعذب قلباً بشهوة تركها صاحبها في سبيل الله )) ورد في الأثر إذا أنس الله منك صدقاً في طلب طاعته وصدقاً في البعد عن معصيته أعانك على طاعته، وصرف عنك معصيته، فإن كنت ضعيفاً، إن كنت متردداً، إن كنت ميّالاً إلى المعصية تخلّ عنك، فتغلب عليك الشيطان، ففعلت المعصية، ليكن هذا النبي الكريم قدوة لك في مواجهتك للمغريات، قال تعالى : ﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ(33)فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ﴾ ( سورة يوسف ) إنّ صرف الله عز وجل كيدهن عنه كان بطريقين: الأول: أنّ الله عز وجل ألقى في قلوبهن اليأس من الوصول إليه . والطريق الثاني: أنّ الله سبحانه وتعالى ألقى في قلبه بغضهن، هو كرههن وهنّ يئسن منه، هذا فعل الله عز وجل، قال تعالى : ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ ( سورة يوسف ) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ سميع لقولك، ولو لم تقل، هو عالم بحالك، لو أنك لم تقل، لكنه في نفسك، في أعماق نفسك لا تريد أن تعصي الله، الله عليم، إن تقل، وإن لم تقل يعلم ما في نفسك . أحياناً الإنسان ينسى تعقيبات الآيات في القرآن الكريم، ويقول لك: إنه هو الغفور الرحيم، غير مضبوطة، إنه هو السميع العليم، لأنك أيها الإنسان إما أن تدعوه فيسمعك، وإما أن تسكت فيعلم حالك، إنه هو السميع العليم، إذا واجه أحدنا مشكلة أو ضغطاً أو إكراها أو إغراءً يستطيع أن يدعو الله سراً وشفتاه مضمومتان في قلبه، يا رب ليس لي إلا أنت : ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ اصرف عني هذا الشر، قال تعالى :﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ ﴾ ( سورة يوسف ) الامتحان المُوَالي : السجن : دقة القرآن :بَدَا لَهُمْ لم يقل الله عز وجل: بدا لهن، بدا لهم، دخل العزيز في هذا الموضوع، العزيز زوجها والمستشارون والخبراء والمقربون إليه تداولوا في هذه الفضيحة، وهذه السمعة السيئة التي جلبت لهم المذمة والعار، ماذا يفعلون؟ إنّ هذه الزوجة تحت سمع زوجها وبصره، ويا له من زوج غيور! تحت سمعه وبصره مصرة على أن تصل إليه، ولقد دعت النسوة في المدينة أيضاً تحت سمعه وبصره، ولابد من أنّ قولها قد وصل إليه : ﴿ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ ﴾ فأي زوج هذا؟ وأية رجولة هذه؟ وأية غيرة ينطوي عليها؟ هذا عزيز مصر، لكنه استشار المقربين والأباعد، والكبراء والصغار ومن في الحاشية، بدا لهم جميعاً أنه من أجل إطفاء هذه الفتنة، وتطويق هذه الحادثة، وتقليص هذه الإشاعة، لابد من أن يسجن هذا الفتى البريء، لم يستطع أن يصل إلى زوجته، ويسيطر عليها، فكان الحل ظالماً، أمر بسجن هذا الفتى البريء الذي ما خانه قط، والذي يقطر براءة وطهراً وعفافاً :﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الْآيَاتِ ﴾ اعجب للآيات التي حكمت على يوسف بالسجن!!! أية آيات؟ آية أنّ قميصه قدّ من دبر ؟ آية : ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ﴾ كل هذه الآيات الدالة على طهارته وعفته واستعصامه بالله عز وجل على الرغم من كل ذلك بدا لهم أن يسجنوه، قال تعالى : ﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ﴾ ( سورة يوسف ) المهمّ أن يغيب عن أنظار الناس : إلى أجل غير مسمى، إلى أن تنطفئ الفتنة، إلى أن ينقطع الحديث في هذا الموضوع، إلى أن تنسى امرأة العزيز هذا الغلام، ودخل السجن، سوف نستنبط بعد قليل أنه كان في السجن نبياً، كما أنه نبي خارج السجن هو نبي داخل السجن بمعرفته، بإحسانه، بمعاونته للآخرين، برحمته، الإنسان هو هوَ، هذا الذي تتبدل أخلاقه من ظرف إلى ظرف أخلاقه مزيفة، هذا الذي يبدو في الرخاء وديعاً، و في الشدة وحشاً هذا ليس أخلاقياً، هذا الذي يبدو في الغنى سموحاً وفي الفقر بخيلاً ليس كريماً، لكن البطولة أن تكون أنتَ أنت في الرخاء والشدة، في النعيم والشقاء، في الصحة والمرض، في القوة والضعف، في إقبال الدنيا وإدبارها، خارج السجن وداخل السجن هو هوَ نبي، قال تعالى : ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ﴾ ( سورة يوسف ) فصل آخر في السجن : وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ مَن هما الفتيان ؟!! هناك قصة يرويها القرطبي في تفسيره: أن الملك كان عنده طباخ كرئيس الطهاة، ورجل يقدم له الشراب، يبدو أن هذا الملك عمّر طويلاً ودام حكمه طويلاً، فائتمر عليه بعضهم في قتله عن طريق دس السم في طعامه وشرابه، فالطباخ وضع السم في الطعام، أما صاحب الشراب فأبى، فلما قدم الطعام للملك جاء صاحب الشراب وقال: احذر يا مولاي أن تأكل الطعام فإنه مسموم، فقال الطباخ: يا مولاي والشراب أيضاً مسموم، قال الملك: اشرب فشرب صاحب الشراب، فتأكد الملك أن صاحب الشراب صادق، فأمر الطباخ أن يأكل من الطعام فأبى، فلما أبى أُطعم الطعام لحيوان فمات من توه، فأمر الملك أن يساق الفتيان إلى السجن ريثما يتم التحقيق . قال تعالى : ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ﴾ ( سورة يوسف ) رؤيا الفتيين في السجن : معنى الخمر : الخمر هنا يعني العنب، هذه كأن تقول مثلاً: رعينا الغيث، يعني رعينا كلأً أنبته الغيث، عصرنا عنباً فصار خمراً، قال تعالى : ﴿ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ﴾ يعني أرى في المنام، قال تعالى : ﴿ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ﴾ ( سورة يوسف ) ما تأويل هذه الرؤيا؟ قال تعالى : ﴿ إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) يوسف المحسن وهو في السجن : هو محسن حتى في السجن، وهو في آلامه محسن، وهو في تقييد حريته محسن، وهو مع السجناء محسن، قال تعالى :﴿ إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) هذا الذي يسيء ويصلي معنى ذلك أنه لم يصلِ، جوهر الدين في الإحسان، هذا الذي يكرهه الناس ليس مسلماً، هذا الذي يبغضه الناس ليس مؤمناً، هذا الذي يتأذى منه الناس لا يعرف الله عز وجل، هذا يصلي صلاة شكلية لا شأن لها عند الله، هذا يصوم صياماً شكلياً لا قيمة له عند الله، من لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله، من شاء صام، ومن شاء صلى، ولكنها الاستقامة . (( من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً )) الطبراني عن ابن عباس عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ )) البخاري قال تعالى : ﴿ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) استمعوا أيها الإخوة الأكارم إلى هذا القول الفصل في الدعوة إلى الله، نبي كريم يُسأل عن تفسير الرؤيا وهو في السجن، هو في أشد حالاته ضعفاً، لا ينسى الله عز وجل، يدعو إليه، هذا يذكرني بدعاء سيدنا يونس عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام وهو في بطن الحوت في ظلمات ثلاث، في ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، قال تعالى : ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ ﴾ ( سورة الأنبياء : الآية 87) افحص نفسك في ساعات الشدة أتذكر الله عز وجل؟ فاستجاب له ربه . قال تعالى : ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ( سورة الأنبياء ) وهذا النبي الكريم وهو في السجن، هنا استنباطات كثيرة جداً، أولاً: هذان الفتيان جاءاه بسؤال، فالسؤال يشغل بالهما، فكي يطمئنا وكي يستمعا إليه، كي يصغيا إليه، قال تعالى : ﴿ قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ﴾ ( سورة يوسف ) مقدمة دعوية بين يدي تفسير رؤيا الفتيين : 1 ـ قضاء أشغال المدعو أوَلاً : تفسير هذين المنامين سيحصل بعد قليل، سأفسر لكما هذين المنامين قبل أن تأكلا الوجبة الثانية اطمئنا . إذا جاءك إنسان بحاجة، وأنت أردت أن تعظه لا يستمع إليك، اقض له الحاجة أولاً، ثم عظه ثانياً، أو عِده بإنجاز هذه الحاجة حتى يطمئن، عندئذ قدّم له الدعوة الخالصة، هذه النفس مشغولة، قلبه مشغول، مغلق، فالذي يعظ الناس في الأوقات الحرجة وهم مشغولون هذا لا يملك حكمة أبداً، لابد من أن يكون القلب فارغاً لك، لابد من أن تكون ساحة النفس فارغة لموعظتك، لابد من أن يكون هناك فراغ كي يتلقى الإنسان هذا الحق، فإذا كانت ساحة النفس مشغولة، أو كان القلب منشغلاً لابد من قضاء حاجته قبل دعوته إلى الله، سيدنا يوسف كان حكيماً جداً، وطمأنهما، قال تعالى: ﴿ قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ﴾ ( سورة يوسف ) 2 ـ نسبة الفضل إلى الله : نبأتكما أنا بتأويله، لكنه موَحّد، قال تعالى : ﴿ ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ﴾ ( سورة يوسف ) إذا كان الإنسان في بحبوحة، أو على شيء من العلم، أو على شيء من الوسامة والجمال، أو على شيء من الجاه، إذا قال: أنا، فقد أشرك، إذا قال: لقد تفضل الله علي، لقد أكرمني ربي، لقد يسّر الله لي هذا البيت، لقد أكرمني، ونجحت في هذه الشهادة، لقد حباني الله بهذه الوظيفة، لقد متعني الله بهذه الصحة، لقد رزقني الله هذه الزوجة، هكذا المؤمن، ليس من باب الأدب، ولكن من باب الحقيقة، هذه هي الحقيقة، قال تعالى :﴿ ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) 3 ـ بيان الباطل : عاش سنوات طويلة في قصر عزيز مصر، هؤلاء وصفهم هذا النبي الكريم بصفتين دقيقتين، قال تعالى : ﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ ( سورة يوسف ) لا يؤمنون بالله، يؤمنون بالملذات، يؤمنون بالدنيا، يؤمنون بما فيها، أما بالله فهم عنه غافلون، هم عنه معرضون، جعلوا كتاب الله وراء ظهورهم، جعلوا قيم الله عز وجل وراء ظهورهم، جعلوا أوامره خارج اهتمامهم، جعلوا نواهيه ضمن رغباتهم، قال تعالى : ﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ(37)وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ ( سورة يوسف ) 4 ـ نفي الشركوالنحذير منه : جوهر هذه الدعوة هو التوحيد، الدين كله توحيد، الدين كله ملخّص في قوله تعالى : ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ ( سورة محمد : الآية 19) هذا هو الدين، ما كان لنا، يعني يستحيل علينا، مستحيل أن نشرك،( ما كان )من أشد أنواع النفي، لا نشرك، ولا نريد أن نشرك، ولا يمكن أن نشرك، ولا يعقل أن نشرك، كل هذه الأدلة الدالة على عظمة الله وبعدها نشرك؟ قال تعالى : ﴿ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ ﴾ ( سورة يوسف ) 5 ـ النعم كلها من الله : هذه النعمة التي أنتم فيها نعمة سماع الحق، نعمة الهدى هذه هي الفضل الحقيقي، ومهما تناولنا من الطعام ما لذ وطاب، ومهما كانت بيوتنا فاخرة، ومهما كانت أموالنا طائلة، ومهما كنا سعداء في بيوتنا، ومهما كان دخلنا كبيراً فلابد من مفارقة الدنيا، وكل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت، لابد من أن نوسد الثرى، تقول الأرض: يا من تمشي على ظهري لابد من أن أضمك إلى صدري، لابد من أن أضمك إلى بطني، اذهبوا إلى المقابر تجار، علماء، موظفون، أشخاص مهمون، كانوا أحياء مثلنا، لهم بيوت، لهم زوجات، لهم مكانة اجتماعية، كانوا يأكلون ويتنزهون ويسهرون ويمرحون، هم تحت أطباق الثرى، ونحن سوف نكون مثلهم إن عاجلاً أو آجلاً، ذلك من فضل الله علينا، هذا هو الفضل الحقيقي، قال تعالى : ﴿ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) هذه طريقة في الدعوة إلى الله بليغة، طرح عليهم سؤالاً، قال تعالى :﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ ﴾ ( سورة يوسف ) 6 ـ الدعوة إلى توحيد الله : تحبباً لهما، وإيناساً لقلبهما، ناداهما بالصاحبين . ﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾ أي أن تخاف من زيد، ومن عبيد، ومن سعيد، ومن عمر، ومن خالد، أم أن تخاف من الله وحده؟ أن ترضي زيدا أو عبيدا أو فلاناً أو علاناً، أو أن ترضي الله وحده ؟ من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها، كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، قال تعالى :﴿ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ ﴾ ( سورة التوبة : الآية 13) اعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها، من أصلح فيما بينه وبين الله أصلح الله فيما بينه وبين الناس، من حسنت سريرته جعل الله علانيته حسنة، قال تعالى :﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾ ( سورة يوسف ) معنى القهار أمره هو النافذ أمره هو الذي يطبق، قال تعالى : ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ﴾ ( سورة يوسف ) 7 ـ الآلهة أسماء لمسمياتباطلة : في اليابان يعبدون الميكادو، يرونه إلهاً، في لبنان وضعوا على قمم الجبال تماثيل للعذراء، وقالوا: هذه سيدة لبنان، إنها تحميه، هل حمته من الحرب الأهلية ؟ ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ﴾ ليس لها قوة عقلية مقنعة، وليس لها قوة مادية آثرة، ليست منطقية ولا واقعية، إن هي إلا أسماء سميتموها، فإذا قام أحدكم، وكتب اسمه، وكتب تحت اسمه مثلاً: وزير دفاع، هل يعني ذلك أنه أصبح وزير دفاع؟ هي كلمة كتبتها، هل لها حقيقة؟ هل هناك من أحد يأتمر بأمرك؟ هل هناك من أحد يستجيب لك؟ هل تأخذ على هذه البطاقة درهماً واحداً؟ إن هي إلا أسماء سميتموها، إذا كتبت كلمة بحر على قطعة من ورق، هل هذا هو البحر، هذه كلمة بحر، كلمة هذه إن كأساً من الماء يبل ثوبك، أما إذا كتبت مليون بحر، اكتب المحيط الأطلسي مع المحيط الهادي مع البحر المتوسط مع القطب الشمالي، وضع هذه الورقة في جيبك تبقى جيبك جافة، هذه كلمة حبر على ورق، فهذا الذي يعبد إنساناً من دون الله : ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ﴾ ما أعطاها الله قوة، لم يعطها قوة عقلية مقنعة، وهذه القبيلة التي جعلت رباً لها من تمر فلما جاعت أكلته، فقالوا: أكلت ودٌ ربها، وهذا الذي جاء ليعبد صنماً فرأى على رأسه بللاً، وعرف أن ثعلباً قد بال على رأسه، فقال : أربٌ يبول الثعلبان بــرأسه لقد ضل من بالت عليه الثعالب *** غير مقنع، البقرة في الهند إذا سارت في عرض الطريق قطعت السير ساعات طويلة، إذا دخلت إلى بقالية تأكل هذه البقرة ما لذ وطاب من الفاكهة، وصاحب البقالة ممتن أشد الامتنان لأنها مقدسة، يأخذون روث البقر، ويضعونه في غرف الاستقبال في الأعياد تبركاً بها، يكحلون أعينهم ببولها ، هذه خرافات، قال تعالى : ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ﴾ ( سورة يوسف ) هذه الآلهة كلها باطلة، لا تقدم ولا تؤخر، ولا تنفع ولا تضر، كله باطل في باطل .﴿ إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ﴾ حتى السحر . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )) مسند الإمام أحمد كما قال أيضاً : (( من أتى ساحراً فلم يصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوماً ، ولا دعاء أربعين ليلة )) ورد في الأثر ﴿ إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ﴾ هذا المتشائم من رقم معين، من لون معين، هذا باطل، قال تعالى : ﴿ إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) 8 ـ هذا هو الدين القيّم : هذا هو الدين القيّم، الدين الخضوع، فلا تخضع إلا للحق، ولا تخضع إلا للذي خلقك، لا تخضع إلا لمسير الكون، وهو الله رب العالمين، لا تخضع إلا لمن بيده الأمر، لا تخضع إلا لمن بيده الحكم والحياة والموت، لا تخضع إلا لمن بيده الرزق، قال تعالى : ﴿ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ﴾ ( سورة يوسف ) هذا هو الدين، عندما لا تأخذ الإنسان في الله لومة لائم ، لا يطيع مخلوقاً في معصية الخالق، هو مع الله دائماً، مع أمره حيث أمره، وإذا نهاه عن شيء ابتعد عنه، تقول لي: عادات، تقاليد، تيار عام، هناك ضرورات، المجتمع هكذا يريد، زوجتي صعبة، بناتي لم يرضوا معي، هذا كله كلام مردود : ﴿ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ﴾ أنت بذلك تساوي المخلوق بالخالق تماماً كمن يدخل في سلك الجيش، ويتلقى أمراً من قائد الجيش، وأمراً من عريف، وأمر العريف متناقض مع أمر قائد الجيش، فيستجيب لأمر العريفـ ويعصي قائد الجيش، ولا يعرف مغبة هذا العمل، هذا مثل قريب؛ خالق الكون قال لك: افعل ولا تفعل، يأتي إنسان جاهل، مغرضٍ، فانٍ، ويقول للذي أمرك الله أن تفعله: لا تفعله، وللذي نهاك أن تفعله : افعله، أين أنت؟ أين عقلك؟ أين تفكيرك؟ جاء الآن الوقت المناسب لتفسير الرؤيا، قال تعالى : ﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ﴾ ( سورة يوسف ) تعبير رؤيا الرجلين : أما أحدكما فينجو، ويخرج من هذا السجن، ويعود إلى عمله في القصر ساقياً للملك، قال تعالى : ﴿ وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ ( سورة يوسف ) لابد من أن يُقتل، ومن معجزات هذا النبي الكريم أنّ الله سبحانه وتعالى أطلعه على بعض الغيب، قال تعالى :﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا(26)إِلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ﴾ ( سورة الجن ) هذا أخذٌ بالأسباب ، ولا تلتفت إلى قول آخر : هذا النبي هكذا قال: قضي الأمر، وهذا الأمر كأنه وقع وانتهى، سيدنا يوسف الآن حينما عرف أنّ أحد هذين الصاحبين سينجو وسيعود إلى عمله في القصر، قال تعالى : ﴿ وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ ( سورة يوسف ) أي أظهر للملك قصتي وبراءتي ومظلمتي، هنا حول هذا الموضوع وقف المفسرون وقفات طويلة ، بعضهم قال: إنّ الله سبحانه وتعالى عاقب هذا النبي الكريم لأنه طلب من هذا الرجل أن يذكره عند الملك، ونسي أن يطلب هذا من الله عز وجل، هذا بعض الآراء، لذلك في بعض التفاسير كلمات يمكن أن نقرأها عليكم: جاءه جبريل فقال: يا أخا المنذَرين، مالي أراك بين الخاطئين، يا طاهرُ ابن الطاهرين يقرئك ربك السلام ويقول لك: أما استحييت إذ استغثت بالآدميين، وعزتي لألبثنك في السجن بضع ، قال: يا جبريل أهو عني ؟ قال: نعم، قال: إذاً لا أبالي ، بعضهم قال: جاءه جبريل فقال له: يا نبي الله من خلصك من القتل على أيدي إخوتك؟ قال: الله، قال: فمن أخرجك من الجب؟ قال: الله تعالى، قال: فمن عصمك من الفاحشة ؟ قال : الله تعالى ، قال : فمن صرف عنك كيد النساء ؟ قال: الله تعالى قال: كيف وثقت بمخلوق وتركت ربك؟ فلم تسأله؟ وجاء في بعض الأحاديث الشريفة أن : (( رحم الله أخي يوسف لولا الكلمة التي قالها: اذكرني عند ربك ، ما لبث في السجن بضع سنين )) كنز العمال لكن الحقيقة أن هذا الحديث ضعيف جداً، هكذا قال الحافظ بن كثير، ضعيف جداً، والعلماء يقولون: الإنسان مطالب أن يسعى، إذا كان في ضائقة وفي مظلمة، وعرف أن هناك شخصاً له يد طولى، فإذا عرض عليه مظلمته فلا ضير عليه، إذاً نحن نرجح أنّ هذا النبي الكريم ما وقع في خطأ أبداً، هذا من باب السعي، هذا من باب الأخذ بالأسباب، ثم التوكل على الله |
|
|
|
#6 |
|
كبار الشخصيات
|
وَقَالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ
الملِك يأمر بإطلاق سراح يوسف : أيها الإخوة المؤمنون، حينما سمع الملك تفسير الرؤيا التي رآها، وكان تفسيراً دقيقاً معبراً خطيراً، قال عندئذ : ﴿ ائْتُونِي بِهِ ﴾ أي أطلقوا سراحه، أريد أن أراه، استعظم علمه، وهاله هذا التفسير الدقيق، فقال : ﴿ ائْتُونِي بِهِ ﴾ فلما جاءه الرسول ليخرجه من السجن بعد بضع سنين قدرها العلماء بسبع سنين، قال: ﴿ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ ﴾ موقف يوسف : إظهار البراءة ثم الخروج : هاتوا لي سجيناً واحداً يمضي في السجن سبع سنين، ثم يأتي أمر الإفراج عنه، ويرفض أن يخرج من السجن حتى تظهر براءته، لأنه دخله مظلوماً، مضطهداً، فإذا خرج من السجن كانت حريته أغلى من سمعته، لكن سمعته وطهارته وبراءته وعفافه وإخلاصه أغلى عنده من حريته، لذلك رفض أن يخرج حتى يتأكد الملك من براءته، قال تعالى : قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ ﴿ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ ﴾ ( سورة يوسف ) أي إلى سيدك، هل يقول له: إنّ امرأة العزيز هي التي راودتني عن نفسي، لا زالت في مكانها، ولازالت قوية، هل يقول له: إن امرأة العزيز هي التي راودتني عن نفسي، عندئذ يفتضح أمر زوجها، وهو الذي أكرمه، وأحسن مثواه . بلاغة يوسف وحسن اختياره العبارة : دققوا أيها الإخوة في العبارة التي قالها هذا النبي الكريم، قال تعالى : ﴿ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ ﴾ ( سورة يوسف ) لو أن هذا النبي الكريم قال: ارجع إلى ربك فأبلغه أني بريء، ليس في هذا الكلام إثارة، لو أن هذا النبي الكريم أعلم الملك بالقصة، ارجع إليه، فقل: القصة كذا وكذا، الملك قد يصدقها وقد لا يصدقها، قد يقول: ما من سجين إلا وهو يظن أنه بريء، لو أن هذا النبي الكريم تلا على هذا الرسول قصته، وأوكله أن يبلغها للملك، ما كان بهذا الكلام بليغاً ولا حكيماً، لو أنه أعلمه مجمل البراءة، فاسأله، وجّه له سؤالاً، لو قال: ما شأن امرأة العزيز؟ لقد فضح سيده، وأحرجها فأخرجها عن طورها، قال تعالى : ﴿ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ ( سورة يوسف ) فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ أهمية الانتفاع من الفراغ : لم يذكر هذا النبي الكريم موضوع المراودة، ولا موضوع الخيانة، لا من قريب ولا من بعيد، إنما غيّر وجهة الحديث : ﴿ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ أي أن هناك حادثة فريدة من نوعها تلفت النظر، نسوة قطعن أيديهن في قصر عزيز مصر، اسأل سيدك، اسأل هذا الملك ما تفصيلات هذه القصة؟ ما ملابساتها؟ ما نتائجها؟ قال تعالى : ﴿ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴾ ( سورة يوسف ) هذا العمل سماه هذا النبي الكريم كيداً، إن ربي بكيدهن عليم . اطمئن فإن الله يعلم كيد الكائدين : أنت أيها الأخ الكريم إذا كان هناك من يدبر لك كيداً يكفيك طمأنينة، ويكفيك ثقة بالله عز وجل أن الله عليم بهذا الكيد، لذلك قال بعضهم: كفاك نصراً على عدوك أنه في معصية الله، مهما كاد لك، ومهما دبر لك إن هذا الكيد بعلم الله، إن هذا الكيد سوف يحبطه الله عز وجل، قال تعالى : ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15)وَأَكِيدُ كَيْدًا ﴾ (سورة الطارق ) وقال تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ( سورة الحج ) وقال : ﴿ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴾ ( سورة يوسف ) يوسف يقطع الطريق عن كلّ عدوّ : الحقيقة لو أنّ هذا النبي الكريم يوسف عليه السلام خرج من السجن، وعفا عنه الملك ومكنه في الأرض فإنّ أي حاسد له يستطيع أن يصل إلى الملك، ويقول: هذا خائن، لقد خان سيده عزيز مصر، لكنه حينما رفض أن يخرج حتى تثبت براءته، وحتى يثبت للملك براءته فعل هذا حتى يقطع الطريق على كل حاسد واشٍ من أن يصل إلى الملك ، إنها حكمة بالغة في عدم خروجه من السجن . شيء آخر، لو أنه قال للملك: اسأله ما قصتي، الملك قد ينسى الموضوع، اسأله لماذا دخلت السجن؟ هو رجل دخل السجن، لكن حينما ذكر له بعض التفصيلات، ما بال النسوة التي قطعن أيديهن؟ جعله في موطن الجواب، فالملك لا ينبغي أن يكون جاهلاً فيما يجري في ملكه، حثه على التحقيق، أعطاه حادثة غريبة تستدعي التأمل، ستر امرأة العزيز إكراماً لزوجها، وستر العزيز، ذكر نسوة لا دخل لهن في الموضوع، ولسن متهمات في المراودة، إنما هن شاهدات على براءة يوسف، إذاً: في هذه الكلمة التي قالها هذا النبي الكريم حكمة ما بعدها حكمة، وسداد ما بعده سداد، وهذا شأن الأنبياء، قال تعالى : ﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ ( سورة البقرة ) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ ملك يبدأ التحقيق : يبدو أن الملك استفزه هذا السؤال و استثاره، فجمع النسوة اللاتي حضرن هذه القصة، ويبدو أنّ امرأة العزيز كانت معهن، وسيأتي الدليل، وسألهن، قال تعالى : ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ ( سورة يوسف ) من هنا استنبط العلماء أيضاً أن هؤلاء النسوة حينما أردن أن ينصحن يوسف أن يستجيب لامرأة العزيز، استغللن هذا الموقف وراودنه عن نفسه، إذاً: هذه تهمة مشتركة، قال تعالى : ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ ﴾ ( سورة يوسف ) جواب النسوة : هذا جواب النسوة مجتمعات، هذا اسمه التواتر، أي جمع غفير يروي قولاً واحداً، يروي جواباً واحداً، لذلك القاضي أحياناً يفرق الشهود، فإذا اضطربت أقوالهم، وتناقضت عُدت شهادتهم باطلة، فإذا قالوا جميعاً رواية واحدة فهذا يؤكد صدق روايتهم، جميع هؤلاء النسوة قلن : ﴿ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ ﴾ ( سورة يوسف ) الإقرار سيد الأدلة : عندئذ قالت امرأة العزيز : ﴿ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ ﴾ ( سورة يوسف ) أي ظهر الحق . ﴿ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ أنا المذنبة، وهو بريء وعفيف، قال تعالى : ﴿ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) يوم قال: ﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ﴾ ( سورة يوسف : الآية 26) لا تضع نفسك موضع التهمة : حينما قال هذه المقولة أمام العزيز كان صادقاً، والصدق ما شهدت به الأعداء، النبي عليه الصلاة والسلام قال : (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجعل نفسه موضع التهم )) ورد في الأثر لا تقف موقف التهم، ثم تلوم الناس إذا اتهموك، والعلماء قالوا: إن الاجتهاد في نسج التهمة واجب وجوب الدفاع عن المذنب البريء، إذا كنت بريئاً من الذنب وجب أن تدافع عن نفسك، هذا لاشك فيه، هناك واجب آخر وهو ألا تضع نفسك موضع التهمة، أن لا تدخل إلى بيت ليس فيه رجل، أنت بريء ولكن يُظن بك الظنون، أنت وضعت نفسك موضع التهمة، لا تدخل إلى محل تجاري صاحبه غائب، تدخل وتقلب في البضاعة، ثم تخرج، فإذا فقد شيء يُقال له: رأينا فلاناً في محلك في غيبتك، لا تضع نفسك موضع التهمة، ثم تلوم الناس إذا اتهموك، والنبي عليه الصلاة والسلام كان في أحد ليالي رمضان معتكفاً، جاءته أم المؤمنين صفية رضي الله عنها، فحينما أراد أن يذهب معها إلى البيت ليوصلها رآه صحابيان جليلان فعن صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهَا يَقْلِبُهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( عَلَى رِسْلِكُمَا؛ إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ، فَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ !!! وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنْ الْإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا )) متفق عليه إذا كنت في محل تجاري، ودخلت أختك، وسألتها عن صحتها، وعندك صديق، فقل له: هذه أختي، لئلا يظن بك الظنون، البيان يطرد الشيطان، لا تضع نفسك موضع التهمة، ثم تلوم الناس إذا اتهموك . إذاً: الاجتهاد في نفي التهم واجب وجوب اتقاء مظانها، هكذا قال العلماء، وقال عليه الصلاة والسلام: (( إياك وما يعتذر منه )) مصنف ابن أبي شيبة لو أنك سافرت، و أوكلت أخا زوجتك في رعاية شؤون البيت، فأعلِم الجيران أن لزوجتي أخًا سوف يأتي في غيبتي لئلا يذهبن بهم الظن مذاهب لا تليق بك، دائماً العاقل والحكيم لا يسمح في تصرفاته للشك والظن . إذا جئت إلى سوق في ساعة متأخرة من الليل، و أنت مضطر أن تأخذ ورقة أو سندا، و كنت في اليوم التالي مسافراً، فأعلم حارس السوق أنني جئت لآخذ هذا السند لئلا يظن بك الظنون، فالعاقل دائماً واضح قال عليه الصلاة و السلام : (( قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ )) ابن ماجه عن العرباض بن سارية رأي النبي عليه الصلاة والسلام من رفض يوسف الخروج من السجن : سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول : (( وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ، ثُمَّ جَاءَنِي الرَّسُولُ أَجَبْتُ ، ثُمَّ قَرَأَ : ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنّ ﴾ )) ابن ماجه عن أبي هريرة فكيف يقول النبي عليه الصلاة والسلام هذا القول؟ العلماء حللوا هذا القول، أي هذا الذي فعله يوسف شيء يطيقه نبي، لكن عامة المؤمنين، لو كان الإنسان في سجن، وأمضى به سنوات عديدة، وجاءه أمر إطلاق سراحه، وكان مظلوماً، لو قال: أنا لا أخرج حتى تظهر براءتي، فهناك احتمال كبير أن يقول من بيده الأمر: دعوه إذاً، فكأن النبي عليه الصلاة و السلام أراد أن يخفف عن أمته، قد لا يستطيع المؤمن العادي أن يرفض الخروج من السجن، فقال عليه الصلاة و السلام انطلاقاً من قوله الكريم : (( سيروا بسير أضعفكم )) ورد في الأثر (( وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ، ثُمَّ جَاءَنِي الرَّسُولُ أَجَبْتُ )) ابن ماجه عن أبي هريرة عندنا رخص، وعندنا عزائم، سيدنا يوسف نبي، سمعته كنبي أغلى عليه من إطلاق سراحه، لكن لو أنه إنسان ضعيف، و دخل السجن ظلماً، و جاءه أمر إطلاق سراحه قد لا يكلفه أن يرفض الخروج حتى تظهر براءته، لذلك جاء النبي عليه الصلاة و السلام وغطى هذه الناحية، وأعطى لأتباعه من بعده سماحاً أن يخرجوا إذا ضاق بهم السجن، و ضاق عليهم الأمر، قال تعالى : ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتْ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ ( سورة يوسف ) توبة امرأة العزيز وتبرئتها ليوسف : يستنبط من هذا القول أنها تابت . ﴿ وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ ﴾ ذلك ليعلم أي ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب، أي حينما قلت للعزيز سيدي : ﴿ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا ﴾ أنا افتريت على يوسف، ألصقت به تهمة الخيانة، إنما فعلت هذا ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب : ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) هنا ليعلم، أي ليعلم زوجي، الفاعل هنا زوجي، و بعض العلماء وجه هذا الفعل ليعلم يوسف أني لم أخنه بالغيب، كأنها تعتذر ليوسف بأنها في غيبته بالسجن ما ألصقت به تهمة باطلة، أي بعد أن ألصقت به التهمة بزوجها ندمت ثم قالت : ﴿ وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ ﴾ على كل، لنا أن نفهم ذلك: ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب، أو ذلك ليعلم يوسف أني لم أخنه بالغيب، أي في غيبته لم أبالغ في الحديث عن خيانته، بل برأته من هذه التهمة، لكن : ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴾ ( سورة يوسف : الآية 52) قاعدة عامة : وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ هذه قاعدة : ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴾ هذا مبدأ، وهذه سنة من سنن الله في الأرض باقية على الدوام، الله سبحانه و تعالى يكشف الخائن، ويوقعه في شر عمله يفضحه بين خلقه، يحبط عمله، مبدأ ثابت، الله سبحانه وتعالى لا يحب من كان خواناً أثيماً، لا يحب الخيانة : ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴾ إخوة يوسف خانوا أباهم، وخانوا أخاهم فكانوا في أسفل سافلين، يوسف رفعه الله إلى أعلى عليين، امرأة العزيز خانت زوجها، ففضحها الله عز وجل : ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴾ امرأة العزيز وقعت في الخيانة : وقال العلماء: هذا تعريض بامرأة العزيز، أي أن امرأة العزيز كانت خائنة، وهذا تعريض بالعزيز نفسه، كيف يسمح العزيز لنفسه بعد أن تأكد من براءة هذا النبي الكريم حينما قال تعالى : ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنْ الْكَاذِبِينَ (26)وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنْ الصَّادِقِينَ (27)فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28)يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ﴾ ( سورة يوسف ) أي استرنا يا يوسف، أنت يا عزيز مصر تيقنت من براءة هذا الغلام الطاهر، كيف تزج به في السجن ؟ هذه الآية تعرّض بهذا النبي الكريم، وتعرّض بالعزيز نفسه، لأن العزيز خان الأمانة، أمانة الحكم، قال تعالى : ﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ﴾ ( سورة يوسف ) الآن مع حوار، لكن الحوار منسوب إلى شخص معين : ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ ﴾ هذا قول الملك . ﴿ قَالَتْ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ ﴾ هذا قول امرأة العزيز . أما : ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ﴾ ( يوسف : الآية 52 ) فليس قبل هذه الآية كما في سابقتها قال فلان، هذا حوار، ولكن لم يذكر ربنا عز وجل من قال هذا الكلام، وهذا أبرع نوع في الحوار، أن يأتي في القصة حوار لم يُذكر من قاله، ويحتمل أن يقوله أحد الطرفين، ففي حوار آخر أن يوسف عليه السلام قال : ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ﴾ ( يوسف : الآية 52 ) لماذا قلت : ﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ﴾ ( يوسف : الآية 26 ) لماذا قلت : ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴾ يمكن أن يكون هذا الكلام لسيدنا يوسف ، على كل سنتابع الحوار على أنه لامرأة العزيز ، قال تعالى : ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52)وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ﴾ ( سورة يوسف ) من قبل اتّهمته زوراً، رغبت فيه، وهذه خيانة، واتهمته ظلماً، وهذه خيانة، يعني أني ارتكبت خيانتين؛ خيانة المراودة وخيانة الظلم . وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ قال تعالى : ﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ﴾ ( سورة يوسف ) الأنفس ثلاثة أنواع :أمارة بالسوء ولوامة ومطمئنة : العلماء قالوا: في القرآن الكريم أنفس ثلاث: نفس أمارة بالسوء، هي نفس الجاهل، نفس المُعرض، نفس المنقطع عن الله عز وجل، ونفس لوامة، وهذه نفس المؤمن، قال تعالى : ﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1)وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾ ( سورة القيامة ) من ساءته سيئته، وسرته حسنته فذلكم المؤمن، من علامات الإيمان الصادق أن تسوؤك سيئتك، وأن تسرك حسنتك، هناك علامات كثيرة، المنافق ذنبه كذبابة دفعها، والمؤمن ذنبه كالجبل جاثٍ على صدره، علامة الإيمان أن يكبر عليك ذنبك، وعلامة النفاق أن ترى ذنبك صغيراً، علامة الإيمان أن ترى نفسك صغيراً، وأن يراك الناس كبيراً، وعلامة النفاق أن ترى نفسك كبيراً، ويراك الناس صغيراً، وقد قال عليه الصلاة والسلام من أدعيته الشريفة : (( اللهم أرني بعين نفسي صغيراً ، وبأعين الناس كبيراً )) ورد في الأثر أما المنافق فيرى نفسه كبيراً، وهو عند الناس صغير، قال ربنا عز وجل : ﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19)إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20)وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21)إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾ ( سورة المعارج ) هكذا هذه بنيته لمصلحته، فحيث وردت كلمة النفس من دون تقييد، أو حيثما وردت كلمة الإنسان يعني الإنسان المنقطع عن الله عز وجل بحسب بنيته، أما المصلي فليس جزوعاً ولا منوعاً ولا هلوعاً : ﴿ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ﴾ ( يوسف : الآية 53) إجراء قوله : ( ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ) أنه من يوسف وإذا أجرينا هذا الكلام على أنه لسيدنا يوسف قال تعالى : ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ﴾ ( سورة يوسف : الآية 53) دافعت عن نفسي، وقلت : ﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ﴾ ( يوسف : الآية 26 ) ليعلم سيدي الذي أحسن مثواي : ﴿ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴾ ( يوسف : الآية 52 ) تعريض بامرأة العزيز وبالعزيز نفسه، وبالتعريض بلاغة عن التصريح . يروى مرة أن الأحنف بن قيس كما يصفه الواصفون كان قصير القامة، غائر العينين، ناتئ الوجنتين، ضيق المنكبين، أسمر اللون، أحنث الرِجل، أي يعرج، ليس شيء من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بنصيب، كان دميماً، تتفاداه الأعين، وتنبو عنه الأبصار، وكان مع ذلك سيد قومه، إن غضبَ غضب لغضبته مائة ألف سيف، لا يسألونه فيم غضب؟ لعظم شأنه عندهم، وكان إذا علم أن الماء يفسد مروءته ما شربه، حضر مرة مجلس معاوية بن أبي سفيان، وكان قد جمع وجهاء القوم ليأخذ البيعة لابنه يزيد، وتكلم الناس، وأطروا، وأثنوا، ومدحوا، وبالغوا كما هي عادتهم، فلما بقي الأحنف ساكتاً أربك المجلس، وأحرج معاوية، فقال له معاوية: تكلم يا أحنف، ما رأيك؟ قال: أخاف الله إن كذبت، وأخافكم إن صدقت، فكان تلميحاً أبلغ من تصريح، وهناك مواقف حرجة الإنسان يستطيع أن يكني، من دون أن يصرح، أن يعرِّض من دون أن يبين، قال تعالى : ﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ﴾ ( سورة يوسف ) الله خلق الشهوة في النفوس : تحليل أمارة بالسوء، أي أنّ الله سبحانه وتعالى خلقها أمارة بالسوء، إن كان خلقها كذلك فنحن لنا حجة عندئذ، يا رب، نحن لم نعمل شيئاً، أنت خلقت أنفسنا أمارة بالسوء، ففعلنا شيئاً فطرتنا عليه، وجبلتنا عليه، فما ذنبنا ؟ الحقيقة أنّ الله عز وجل خلق في نفوسنا أو أنفسنا شهوات، قال تعالى : ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ ( سورة آل عمران : الآية 14) حينما أودع الله في قلوبنا وفي أنفسنا هذه الشهوات أودعها لنرقى بها إلى الله، هذا أصل الخلق، كيف ترقى عند الله حينما تغض بصرك عن امرأة حسناء لا تشتهيها في الأصل؟ لا قيمة لهذا الغض، كيف ترقى عند الله إذا أنفقت مائة ليرة وليس المال محبباً عندك؟ لا ترقى، لا يمكن أن تكون جنة من دون شهوات . حديث ومعناه : حتى إنّ في الحديث : (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ )) صحيح مسلم هذا الحديث له معنى دقيق، حتى لا يظن السامعون أن الإنسان عليه أن يذنب، ليس هذا هو المعنى ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ )) صحيح مسلم المعنى الأول: الذنب هنا يعني الإحساس بالذنب، إذا أحس الإنسان على ذنبه فهو طاهر، إذا ظهر على ثوبه بقعة سوداء صغيرة جداً فمعنى هذا أن ثوبه أبيض، فإذا كان ثوبه أسود اللون، وممتلئاً بالأقذار لا تظهر عليه بقعة سوداء، إذاً لو لم تذنبوا بمعنى إن كنتم طاهرين، إن كنتم تنطوون على حاسة أخلاقية واقترفتم ذنباً تحسون بهذا الذنب، هذا المعنى ذكرته من قبل . هناك معنى آخر: هذه الطاولة لا تحب ولا تكره، ولا تشتهي، ومادامت هذه الطاولة لا تشتهي، ولا تكره، ولا تحب لا ترتقي، ولا ترتقي إلا إذا كنت تشتهي، قال تعالى : ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى ﴾ ( سورة النازعات ) لأن النوم محبب والفراش وثير يجلب الإنسان إليه كانت قيمة صلاة الصبح ، قال تعالى : ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ ﴾ ( سورة السجدة : الآية 16) فالنفس في طبيعتها مزودة بهذه الشهوات، أنت حينما تعطي سلاحاً لجندي، إنّ هذا السلاح تعطيه لهذا الجندي كي يدافع به عن نفسه في ساحات الحرب، أو يقتل عدوه الذي يريد قتله، فإذا جاء الجندي بهذا السلاح، وقتل أحد أقربائه فهذا الخطأ ليس في السلاح، وليس في إعطائك السلاح له، لا، فالخطأ خطؤه هو، فالنفس حينما زودها الله بهذه الشهوات إنما زودها بها لترقى، ولا ترقى إلا بالشهوات، وهذه حكمة بالغة، ولكن الإنسان من دون أن يقبل على الله عز وجل يقع في العمى، وإذا وقع في العمى وقع في الخطأ، فالخطأ بسبب إعراضه . الشهوة حيادية متوقفة على استعمالها : إنّ السيارة وهي منطلقة بسرعة عالية مادام وراء المقود سائق يقظ ماهر متمكن من قيادته فالسيارة تحقق هدفها الذي صنعت من أجله، لكن السائق إذا كان أرعن أو جاهلاً أو غافلاً أو أصابته سِنة من النوم فلابد من أن يخرج عن خط الطريق الصحيح، فخروج سيارة عن خط سيرها وتحطمها أتُلام الشركة على ذلك؟ لا، حينما زودت هذه السيارة بمحرك قوي من أجل أن تنقلك إلى هدفك لا من أجل أن تنزل به إلى الوادي، فغفلتك أوقعتك بالوادي، فحتى لا يظن الإنسان لأن النفس أمارة بالسوء هذا كلام يتناقله العامة، خلق لنا نفساً أمارة بالسوء، أكثر الناس يفعلون المعاصي، ويغطون أنفسهم بهذه الآية : ﴿ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ﴾ هذا هو التفسير، لابد من أن تكون النفس مشتهية، لابد من أن تزود بالشهوات كي ترقى إلى رب السماوات، لكن إذا كانت الشهوة، ومعها النور الإلهي شهوة النساء تنقلب إلى أسرة سعيدة، أسرة المؤمن جنة . الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ : قرأت قصة عن أحد العلماء كان غنياً، فكان يرتدي أفخر الثياب، ويركب أجمل الأحصنة، فرآه يهودي يعمل عملاً قذراً ، وهو فقير، شقي، جائع، وقد سمع هذا اليهودي حديثاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم : (( الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ )) مسلم عن أبي هريرة فلما وقعت عين هذا اليهودي على هذا العالِم الذي يركب حصانه، ويرتدي أجمل ثيابه، بدرت منه هذه الكلمة، قال له : أي سجن أنت فيه، وأية جنة أنا فيها؟ شيء محير ، يقول نبيكم : (( الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ )) مسلم عن أبي هريرة فأي سجن أنت فيه وأنت على ما أنت عليه من غنى ورفاه وعز وشأن؟ وأي جنة أنا فيها على فقري وشقائي وحرماني وتعاستي؟ فأجابه هذا العالِم إجابة أسلم من فوره، قال له: إنّ حالك هذه التي تشكو منها إذا قيست بما ينتظرك من عذاب أليم فأنت في جنة، وإنّ حالي التي تراها إذا قيست بما ينتظرني من نعيم مقيم فأنا في سجن . الحقيقة عندما يتأكد الإنسان من هذا الحديث : (( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ )) متفق عليه هن أبي هريرة إذاً: طبيعة النفس أودع الله فيها الشهوات، مثلاً: الهرة ترغب أن تأكل اللحم إذا أعطيتها قطعة من اللحم، وأمرتها أن توصلها إلى البيت الفلاني، ماذا تفعل في الطريق؟ تأكلها، هي لا تعقل، وليس فيها فكر تفهم به كلامك، وليس عندها قيم لتحافظ على هذه القطعة، شيء طبيعي، نفس الكافر كهذه الهرة، مشتاقة إلى حاجات، حيثما رأى طعاماً يأكله، سواء أكان له أو ليس له، هذه سرقة، وحيثما رأى امرأة يشتهيها، كانت تحل له أو لا تحل، قال تعالى : ﴿ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ ﴾ ( سورة الحجر ) هذا الذي ينساق مع شهواته هو حيوان، عودة إلى الحيوانية، دائماً وأبداً أنا أرفض نظرية داروين، وأرد عليها، إلا في الأيام الأخيرة بدأت أقتنع بها، لكن على شكل معكوس، أي أنه كان هذا الإنسان إنساناً فصار قرداً من شدة تهافته على الشهوات، وانغماسه في الملذات، وضربه عُرض الطريق بالقيم والمبادئ، كان إنساناً فصار قرداً، مُسخ قرداً بعد أن كان إنساناً، قال تعالى : ﴿ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ﴾ ( سورة يوسف ) المؤمن نفسه لوامة، قال تعالى : ﴿ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾ ( سورة القيامة ) المؤمن نفسه لوامة، والتقي نفسه مطمئنة، و البعيد عن الله عز وجل نفسه أمارة بالسوء، إن النفس إذا قطعت عن الله لأمارة بالسوء، قال تعالى : ﴿ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ( سورة يوسف ) وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي قناعة الملك ببراءة يوسف : تحقق الملك، وسأل، وتبين، ووصل إلى قناعة تامة بأن هذا السجين الفتى كان بريئاً وطاهراً وعفيفاً، وأنه دخل السجن ظلماً، سمع من علمه، ورأى من عفته، فماذا بقي على الملك أن يقول، قال تعالى : ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ﴾ ( سورة يوسف ) في المرة الأولى قال فقط : ﴿ ائْتُونِي بِهِ ﴾ ( سورة يوسف : 54) أما الآن فتابع قائلاً : ﴿ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ﴾ ( سورة يوسف : 54) الملك يريد تقريب يوسف منه : لأجعله من المقربين، لأجعله من خاصة حاشيتي، لأجعله عندي الوزير الأول عزيز مصر، فلما كلمه رأى علماً، قالوا: المرء مخبوء بين ثوبين، ورأى منطقاً، ورأى حكمة، فهو نبي حدّث عنه ولا حرج، ما ظنكم لو أن الله سبحانه وتعالى جمعنا بنبي يستهوينا ويسحرنا بكماله، برقته، بتواضعه، بعلمه، بذكائه، بفطنته، ويجب أن يكون المؤمن على شيء من ذلك، عفة إلى إنصاف، إلى حلم، إلى عفو، إلى كرم، إلى شجاعة، إلى دقة، إلى عدالة، قال تعالى : ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ﴾ ( سورة يوسف ) إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ أنت الآن بأقوى مركز، من البئر إلى القصر خادماً، إلى قصر الحكم عزيز مصر، قال تعالى : ﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ ( سورة يوسف : الآية 100) هذه القصة تنطبق على كل مؤمن : والله الذي لا إله إلا هو هذه القصة تنطبق على كل مؤمن إلى يوم القيامة، كن عفيفاً لابد من أن تكافأ بأحسن زوجة في الأرض، كن أميناً لا بد من أن تعيش في بحبوحة، كن صادقاً لابد من أن تعيش في مكانة علية، كل شيء تحاسب عليه في الدنيا قبل الآخرة، قال تعالى : ﴿ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ﴾ ( سورة يوسف ) كل دواعي الوقوع في الفاحشة متوفرة : بعض العلماء حلل عقدة سيدنا يوسف، مثلاً: لو أنّ شيخاً طاعناً في السن راودته امرأة العزيز، فقال: معاذ الله، تجاوز هذه المرحلة، له أجر، ولكن ليس كأجر هذا الشاب، فالعلماء جمعوا نقاطاً دقيقة جداً ترفع من قيمة هذه العفة، أول نقطة قالوا: إن حب النساء طبع ركّبه الله في الإنسان، وكثير من الناس يحب الشهوات من النساء، ومع ذلك قال: معاذ الله . شيء آخر، كان هذا النبي شاباً، فلو كان شيخاً كبيراً لما كان له أجر هذا الشاب، لذلك ما من شيء أحب إلى الله تعالى من الشاب التائب، إن الله ليباهي الملائكة بالشاب التائب، يقول: انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي، أحب الطائعين، وحبي للشاب الطائع أشد . يا معشر الشباب، هذه السورة لكم، هو بشر، إذاً ركّب الله به حب النساء، ومع ذلك خالف الهوى، قال تعالى : ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى ﴾ ( سورة النازعات ) الذي ركّبه الله فيه . شيء آخر، كان شاباً، ولا يخفى ما عند الشباب من توقُّد، ومن فتوة، ومن شهوة متّقدة، وكان شاباً عازبا، لو كان متزوجاً وقال: معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي، لكان له أجر، ولكن ليس كأجر هذا الأعزب الذي ما عرف النساء، وكان غريباً، والإنسان الغريب تدعوه نفسه إلى المعصية أكثر مما تدعوه إذا كان مقيماً، لذلك كلما كان المجتمع قليل العدد كان منضبطاً، الإنسان معروف، أخلاق القرية أرقى من أخلاق المدينة، لأنه معروف في قريته، أما في المدينة فهناك أمم لا يعرفها إلا الله، إذاً: كان بحكم أنه بشر مركب فيه هذه الشهوة، وكان شاباً، وكان عازبا، وكان غريباً، ودعته امرأة، لم تدعه امرأة دميمة، قبيحة، دعته امرأة ذات منصب وجمال، ولم تكن هذه المرأة ذات المنصب والجمال متأبيّة عليه، بل كانت خاضعة له، وهذا مما يسهل له اقتراف هذه الشهوة، ولم يكن هو الطالب، بل كانت هي الطالبة، ولم تكن متأبية عليه، وكانت ذات منصب وجمال، وكان غريباً، وكان عازبا، وكان شاباً، وقد ركب فيه هذا الطبع، وكان في دارها، وغلّقت الأبواب، وكانت متأكدة من كتمان الأمر، وكان لا يخشى أن تشكوه إلى أحد، لأنها هي التي طلبت، وإذا شكته تقع في شر عملها، وكان مملوكاً يُلقى عليه الأمر بيدها ضمن سلطتها، واستعانت عليه بنسوة كثر، حينما أقنعته أن يستجيب لها، وتوعدته بالسجن، وزوجها ليس غيوراً، هو مطمئن، قال تعالى : ﴿ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾ ( سورة يوسف ) هذا الذي فعله زوجها، بدل أن ينفجر، بدل أن يبعده عنها، أبقى كل شيء على حاله، وقال، قال تعالى : ﴿ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28)يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ﴾ ( سورة يوسف ) إذاً بدا الزوج ليس غيوراً، بل متساهلاً، قال تعالى : ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54)قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ ( سورة يوسف ) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيم القرآن ما ذكر أن الملك استجاب له أم لم يستجب، لكن العلماء استنبطوا أن مكانته القوية والعلية عند الملك تجعل طلبه محققاً فوراً، أي عدم ذكر أن الملك استجاب له ووافق على اقتراحه تكريم لهذا النبي الكريم، وشيء بديهي، يقول لك أحدهم: كنا بالحرب الفلانية وانفجر لغم أمامنا، تقول له: هل مت أنت، كيف ذلك؟ وهو أمامك يتكلم إليك، طبعاً كل شيء إذا فهم من دون أن يذكر لا ينبغي أن يذكر، البلاغة في الإيجاز . استنباط لطيف : هل يجوز تزكية النفس ؟ أما كلمة : ﴿ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ أيجوز أن يزكّي المرء نفسه ؟ هذا سؤال دقيق ، ربنا عز وجل قال : ﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ﴾ ( سورة النجم : الآية 32) إياكم أن تزكوا أنفسكم . استثناء مهم : العلماء استثنوا، فإذا كان الناس في ورطة، وليس أحد يستطيع أن ينقذهم منها، وكان الرجل واثقاً من قدرته، يجب أن يقول: أنا أستطيع أن أنقذكم منها، هناك حالات شاذة، لو أنّ في البلدة منصب لقاضٍ، ولم يتقدم أحد لشغل هذا المنصب، وكان أحد الرجال واثقاً من علمه، واثقاً من نزاهته، واثقاً من عدالته، وقال: أنا أشغل هذا المنصب، هذا يجوز، في الأصل : ﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ﴾ ( سورة النجم : الآية 32) هذه واحدة . لا تزكِّ على الله أحدًا : والأصل الثاني: لا تزكِّ على الله أحداً، كان أحد العلماء إذا طُلبت منه تزكية رجل يقول: أعلم فلانا كذا وكذا وكَذا، والله أعلم، فإن بدّل وغيّر، كلام سيدنا الصديق فهذا علمي به، ولا أعلم الغيب، أنا أعلمه أرحم أمة محمد بأمة محمد، حينما ولاّه الخلافة من بعده، خوّفه بعض الناس، وقالوا: كيف تولي عمر، وعمر من الشدة كما تعلم؟ قال: أتخوفونني بالله؟ أقول: ربي وليت عليهم أرحمهم . سيدنا عمر قال له أبو ذر: إنّ الناس خافوا شدتك فبكى ،فقال: والله يا أبا ذر لو علم الناس ما في قلبي من الرحمة لأخذوا عباءتي هذه، ولكنّ الأمر لا يناسبه إلا كما ترى، لابد من شدة ظاهرة كي ينصاع الناس، إنّ الله ليزع بالسلطان ما لا يزعه بالقرآن . إذاً: يجوز أن تقول إذا كان الناس في ورطة وفي أزمة: أنا أفعل كذا وكذا، هذا بإمكاني وبقدرتي، هذه حالة استثنائية، قال تعالى : ﴿ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ ( سورة يوسف ) الحفظ والعلم مقياسان للمسؤولية : حفيظ عليم مقياس خالد، فإذا أردت أن تعين موظفاً فلابد من صفتين اثنتين، الأولى الكفاءة، أي هو أهل لهذا المنصب، والثانية الأمانة والإخلاص، مخلص لمبدئك، وكفءٌ في عملك، سيدنا عمر أخذ من قوله تعالى : ﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾ ( سورة القصص ) كتب كتاباً عين به أحد الولاة وقال له: " خذ عهدك وانصرف إلى عملك، واعلم أنك مصروف رأس سنتك، وأنك تصير إلى أربع خلال، فاختر لنفسك؛ إن وجدناك أميناً ضعيفاً استبدلناك لضعفك، وسلمتْك من معرتنا أمانتك، وإن وجدناك خائناً قوياً استهنا بقوتك، وأوجعنا ظهرك، وأحسنا أدبك، وإن جمعت الجرمين الضعف والخيانة جمعنا عليك المضرتين العزل والتأديب، وإن وجدناك أميناً قوياً زدناك في عملك، ورفعنا لك ذكرك، وأوطأنا لك عقبك "، أي أعداءك، إني حفيظ أي أمين ، عليم أي كفء ، الحفيظ يعني المخلص، أحافظ على العهود والمبادئ، عليم خبير بهذا الأمر . وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ قال تعالى : ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ﴾ ( سورة يوسف ) يوسف له الحرية المطلقة في التصرف في مصر : أيّ مكان يذهب إليه هو حر طليق، تقول بعض الروايات: إنّ ملك مصر ترك الملك كله له، وجد علماً وحكمة، وشخصية وطهراً، وعفافاً وعدالة، فسلمه قياد مصر كلها، وانزوى في قصره، قال بعضهم: أيجوز أن تعمل عند ظالم كافر؟ الجواب نعم ولا، أما نعم إذا أعطاك الحرية المطلقة، وكّلك قاضياً، وقال لك: احكم بين الناس بالعدل، يا حبذا هذا المنصب، بهذا أحقق العدالة في المجتمع ولو كنت معيناً من قبل حاكم ظالم، أما إذا تدّخل في شؤونك اليومية، احكم في هذه القضية كذا وكذا، أصدر حكماً ببراءة فلان، أصدر حكماً باتهام فلان، فهذا لا يجوز، والعلماء وصلوا إلى حلّ كيف عمل هذا النبي الكريم عمل رئيس وزراء عند فرعون أو عند الملك؟ وأغلب الظن أن هذا الملك لا يعرف الله عز وجل، هل يجوز؟ ما دام قد أطلق صلاحيته فنعم، قال له : ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ﴾ ( سورة يوسف ) ما دام قد أطلق يده في أن تفعل ما تشاء ، يجوز ، لو قيده لا يجوز ، قال تعالى : ﴿ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) ولأجر الآخرة، هنا دقة بالغة؛ أن هذا النبي الكريم كان في البئر، ائتمر عليه إخوته، وصل إلى القصر خادماً، دخل السجن، ثم بعدها صار عزيز مصر، مصر كلها بيده، مقدراتها بيده، أمره نافذ، وأيّ مكان ذهب إليه يستقبله على الترحاب، هذه للدنيا والدنيا زائلة . |
|
|
|
#7 |
|
كبار الشخصيات
|
يوسف على رأس خزائن مصر :
أيها الإخوة المؤمنون، وصلنا في الدرس الماضي في سورة يوسف وقصته إلى قوله تعالى : ﴿ وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) قال العلماء في هذه النقلة من قوله تعالى :﴿ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ ( سورة يوسف ) ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ(56)وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) تولى يوسف عليه السلام وزارة التموين إن صح التعبير، وجاءت سبع سنوات خيِّرات، فغلَّت الأرض غلات لم تكن في الحسبان، وتولى هذا النبي الكريم الحفيظ العليم تخزين هذه الغلات لسبع سنوات أخريات عجاف، وجاءت السنوات العجاف، وعمّ القحط بلاد مصر والشام، وضاقت المكاسب بأهلها، فتوجه أبناء الشام في أرض كنعان إلى مصر ليشتروا القوت و القمح، كل هذا الكلام نُقل بين آيتين، وجاء إخوة يوسف؛ أرسلهم أبوهم ليشتروا القمح من مصر، جاءوا مصر فدخلوا عليه - والفاء تفيد الترتيب على التعقيب - بينما ثم تفيد الترتيب على التراخي، وفي هذه الآية إشارة إلى أن هذا النبي الكريم ، وذلك الحفيظ العليم كانت أموره ميسرة، فليس على أبوابه حجّاب يمنعون الناس من الوصول إليه، ما إن جاءوا مصر حتى دخلوا عليه، قال تعالى : وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ ﴿ وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ ﴾ ( سورة يوسف ) يوسف يعرف إخوته لأول نظرةوهم لم يعرفوه : قد يقول قائل: لقد عرف أنهم إخوته فأمر بإدخالهم قبل غيرهم، الجواب: فدخلوا عليه فعرفهم، عرفهم بعد أن دخلوا عليه، جاء إخوة يوسف كمواطنين عاديين فدخلوا عليه، مَنْ توِّهم بعد أن دخلوا عليه عرفهم، ومِنْ استخدام هاتين الفاءين إشارة إلى أنّ هذا النبي الكريم كان بابه مفتوحاً للناس كلهم، أي إنسان يستطيع أن يصل إليه من دون تعقيد : ﴿ وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ ﴾ ( سورة يوسف ) كيف عرفهم؟ لأنه حينما كان صغيراً كانوا هم قد اكتملت بنيتهم، واتضحت معالمهم فصورتهم هي هيَ، لكنه كان صغيراً، كَبُرَ، وصار عزيز مصر، فاختلفت ملامحه من سن إلى سن، هم لم يعرفوه لكنه عرفهم، لم يعرفوه لأنهم تركوه في غيابة الجب، وتوقعوا أنه قد مات، أو أنه قد أخذه بعض السيارة فباعوه عبداً رقيقاً، أما أن يكون هذا الذي تركوه في غيابة الجب عزيز مصر فهذا لم يكن في حسبانهم، حينما جاءوا مصر من بلاد الشام دخلوا عليه مباشرة فعرفهم بعد أن دخلوا عليه :﴿ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) الذي نستفيده من هذه الآيةعمليًّا : لكن الذي قاله العلماء في هذه الآية: إنّ هذا النبي الكريم ذاع صيته في الخافقين من حيث الرحمة والرأفة واللين والعطف والتواضع والمودة والإنصاف والعدل، نبيٌ كريم كيف تكون أخلاقه؟ وإذا كان من علاقة بيننا وبين هذه الآية، إذا كنت أيها الأخ الكريم موظفاً، إذا كنت مؤمناً، لابد من أن يتحدث الناس عن إحسانك، وعن تواضعك، وعن إنصافك، وعن حبك للخير، وعن حبك لخدمة الناس والمواطنين، ولاسيما المراجعين، إذا كنت موظفاً مؤمناً، وقال الناس: ليس لهذا الموظف مثيل لا في تواضعه، ولا في خدمته، ولا في تسهيله على الناس أمورهم . دخل مواطن على موظف ومعه معاملة، فرأى تعقيدات ليست في الحسبان، هذه لا يمكن أن نوافق عليها، وهذه لا يمكن، فقال له: يسِّرها، فقال: ألا تعلم أن شعارنا هنا ربي عسِّر ولا تيسِّر . إذا كنت مؤمناً، وكنت موظفاً لابد من تيسير أعمال الناس، وتسهيل مهماتهم، لابد من خدمتهم، من التواضع لهم من إنصافهم، أما إذا استعليت عليهم، وعقدّت عليهم الأمور، ووضعت أمامهم شروطاً تعجيزية كي يدفعوا، فهذا الموظف من المغضوب عليهم ومن الضالين: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6)صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ ( سورة الفاتحة ) فهذا النبي الكريم ذاع صيته، وتحدث الناس عن إحسانه، وسار الركبان بأخباره، ذاعت أعماله الطيبة في مصر والشام، أتوه من أطراف الدنيا ليأخذوا منه القمح والشعير وقوتهم. وقد قيل: إنّ هذا النبي الكريم كان يباشر توزيع الأقوات بنفسه، وعلى حسب رؤوس الأسرة، وكان هذا النبي الكريم فيما ترويه الكتب قد آثر أن يأكل في اليوم وجبة واحدة، ليضع نفسه مع الناس، مادام هناك شدة وقحط، وهناك قوت يسير ونزر قليل، آثر أن يضع نفسه مع الناس، فألزم نفسه أن يأكل وجبة واحدة . هكذا كان سيدنا عمر : سيدنا عمر رضي الله عنه جاءه رسول من أذربيجان وصل المدينة في ساعة متأخرة من الليل، كره هذا الرسول أن يطرق باب أمير المؤمنين في هذه الساعة المتأخرة، فتوجه إلى المسجد، فإذا في المسجد صوت وبكاء، سمع هذا الصوت يقول: رب، أنا واقف ببابك، واقف بين يديك، هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي أم رددتها فأعزيها؟ فقال هذا الرسول: من أنت يرحمك الله؟ فقال: أنا عمر، قال: أمير المؤمنين! قال: نعم، قال: ألا تنام الليل؟ قال: إن نمت ليلي كله أضعت نفسي، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي، بقي هذا الرسول مع أمير المؤمنين حتى صلاة الصبح، فلما انصرف عمر من المسجد اصطحبه معه إلى البيت إكراماً له، دخل إلى البيت قال: يا أم كلثوم ما عندك من طعام؟ قالت: والله ما في بيتنا إلا خبز وملح فقط، فقال: هاته لنا، أكل وأطعم ضيفه وحمِد الله وأثنى عليه، ثم سأل هذا الرسول: ما الذي أقدمك إلينا؟ قال: هدية بعثها لك عاملك على أذربيجان، قال: افتحها، فتحها فإذا هي حلوى نفيسة، فقال: يا هذا أيأكل عندكم عامة المسلمين هذا الطعام؟ قال: لا، هذا طعام الخاصة، قال: أوَ أعطيت الفقراء في المدينة مثل ما أعطيتني؟ قال: لا، هذه لك خصيصى، قال: اذهب فوزعها على فقراء المدينة، وحرام على بطن عمر أن يذوق طعاماً لا يأكله عامة المسلمين . سيدنا يوسف ألزم نفسه أن يأكل وجبة واحدة في سنين القحط، وسيدنا عمر مرة حرم نفسه طعام اللحم أشهراً طويلة حتى قرقر بطنه، فقال لبطنه: قرقر أيها البطن أو لا تقرقر؛ فوالله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين. حينما بعث هذا الخليفة بوالٍ إلى بعض الأمصار أراد أن يمتحنه فقال له: << ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب؟ قال: أقطع يده، قال: إذاً فإن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، ثم قال: إنّ الله قد استخلفنا عن خلقه لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر لهم حرفتهم، فإذا وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها ، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية >> . في الحقيقة الرؤيا التي رآها الملك وقعت، جاءت السنوات العجاف بعد السنوات الخيِّرات . وشيء آخر؛ هذا النبي الكريم حينما عرف إخوته ضيّق عليهم لحكمة بالغة، قال: أنتم عيون أي جواسيس، قالوا: معاذ الله، إنما جئنا إليك لنشتري طعاماً لنا، قال: كم أنتم؟ قالوا: نحن عشرة، قال: هل خلفتم أحداً في بلادكم؟ قالوا: نعم، نحن كنا اثني عشر أخاً، واحد منا ضاع في البرية - هكذا قالوا - ضاع في البرية، والثاني تركناه عند أبيه لشدة حبه له وحرصه عليه؛ فهذا الذي ضاع في البرية، وهذا الذي تركناه من أم واحدة، ونحن العشرة من أم ثانية . وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ سيدنا يوسف ضيّق عليهم حتى حملهم على أن يذكروا له تفصيلات كثيرة عن أحوالهم، وهذا النبي الكريم حينما جهزهم بجهازهم : ﴿ وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ ﴾ ( سورة يوسف ) ماذا أعطى يوسفُ إخوتَه؟ أي أعطاهم القمح الذي جاءوا من أجله، ثم قال لهم: لابد من أن تحضروا معكم ذلك الأخ من أبيكم : ﴿ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ ﴾ ( سورة يوسف ) قال بعضهم: إنه أعطاهم الكيل وزيادة، وقال بعضهم الآخر: إنه أرخص لهم في السعر فكثر نصيبهم من القمح :﴿ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) أكرم ضيافتهم، أكرم مثواهم، أسكنهم في قصره وأطعمهم وسقاهم، وأعطاهم زاداً لرواحلهم وزاداً لهم وزيادة :﴿ وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ(59)فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلَا تَقْرَبُونِ ﴾ ( سورة يوسف ) الجمع بين اللين والحزم : إن أتيتم في العام القادم من دون هذا الأخ من أبيكم فلن أعطيكم شيئاً، ولن أسمح لكم بدخول قصري؛ هذه سياسة حكيمة أن تجمع بين الإكرام والتهديد، أن تكون مرغوباً ومرهوباً ، أن يحار الناس فيك، لا ييأس الناس من رحمتك، ولا يتجاوزون حدودك، من السهل جداً أن تكون قاسياً، ومن السهل جداً أن تكون ليناً، لكن البطولة والحكمة في أن تجمع بين اللين وبين الحزم، أكرمهم، أسكنهم في قصره، أطعمهم أحسن الطعام؛ أحسن وفادتهم، أعطاهم الكيل وزيادة، إما أنه أرخص لهم السعر، وإما أنه رفع لهم الكمية، وهددهم قال : ﴿ فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلَا تَقْرَبُونِ ﴾ ( سورة يوسف ) يبدو أنه كان سائداً في ذلك الوقت نظام البطاقات، كيف توزع هذه الأرزاق على سبع سنين؟ لو طرحت في الأسواق دفعة واحدة لاشتراها المحتكرون والمستغلون، وخزنوها ، وضاعفوا أثمانها، لابد من توزيع مقنن محدود على مدار السنوات السبع، ولابد من كمية لا تزيد على الحد المعقول يأخذها كل إنسان ،. قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ وشيء آخر؛ أنه حينما طلب منهم هذا الأخ رأوا من الصعوبة بمكان أن يأخذوه، لأن تجربة سيدنا يعقوب معهم كانت تجربة مُرّة، إنه لن يصدقهم بعد ذلك، لقد جرحوه، لقد آلموه، لقد حرموه من هذا الابن الكريم، تصوروا أنه لن يعطيهم إياه، لذلك قالوا : ﴿ قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) قضية معقدة جداً؛ تكاد تكون مستحيلة : ﴿ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ ﴾ وقال لغلمانه الذين يعملون في قصره :﴿ وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ ﴾ ( سورة يوسف ) هذا ما صنعه يوسف مع إخوته حتى يرجعوا مرة أخرى : البضاعة هنا تعني ثمن القمح، لكنّ بعض المفسرين يرجحون أنّ كلمة البضاعة هنا تعني أنهم لا يملكون نقداً لثمن القمح فجاءوا ببعض الحاجات من الشام كالجلود وما شاكل ذلك، وبدل أن يشتروا قمحاً قايضوا على القمح ببضاعة من عندهم، أمر فتيانه أن يعيدوا لإخوته ثمن القمح، أو هذه البضاعة التي جاءوا بها كثمن للقمح : ﴿ وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) استنباط لطيف من هذه الآية : بعضهم فسّر هذا الموقف تفسيرات عدة، فهو يعلم أن أباه نبي كريم، وأنّ هذا الأب الكريم لا يمكن أن يأكل مالاً حراماً، فإذا وضع ثمن القمح مع القمح فلابد من أن يعودوا إليه مرة ثانية ليعطوه الثمن، هذه بعض التوجيهات . شيء آخر؛ لعله أعطاهم ثمن بضاعتهم ليتمكنوا في العام القادم من شراء البضاعة، توقع أنهم لا يملكون ثمنها فأعطاهم ثمن البضاعة الحالّة ليشتروا بها بضاعة في العام القادم، هذا توجيه آخر . وبعضهم قال: استنتج العلماء أنه ما كان للابن أن يأخذ من أبيه ثمن شيء، أبوه وإخوته أمِنَ المروءة أن يأخذ منهم ثمن الطعام، أعاد لهم ثمن الطعام في رحالهم . وبعضهم قال: إنما أعاد لهم ثمن الطعام كي يحبوه وكي يطمعوا فيه وكي يعودوا إليه، أربع تفسيرات لوضع هذا النبي الكريم ثمن القمح في بضاعتهم : ﴿ وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) لعلهم يرجعون حباً، ولعلهم يرجعون تأدية، ولعلهم يرجعون ليشتروا ما يلزمهم في العام القادم . عودة الأبناء إلى أبيهم : ﴿ فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ ﴾ ( سورة يوسف ) تقديم الأبناء العذرَ لأبيهم في منعهم الكيل : أي لن يسمح لنا بعد هذا العام أن نتوجه إلى مصر لنشتري القمح : ﴿ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ ﴾ إن لم ترسله معنا منع منا الكيل :﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) لكن هذه الكلمة لن تؤثر في هذا الأب، لأنهم قالوها من قبل، ووضعوه في غيابت الجب ، والإنسان يكذب مرة واحدة ويصدق مائة مرة، وفي المائة مرة يكذبه الناس، إذا كذب مرة وصدق مائة مرة في المائة مرة القادمة يكذبه الناس، أنا أظن أنهم حينما قالوا : ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) كانوا صادقين في قولتهم، ولكنهم لأنهم قالوها من قبل وقد كذبوا فهذا النبي الكريم لن يصدقهم في مقالتهم هذه، فقال :﴿ قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) موقف يعقوب من إرسال ابنه مع إخوته : يبدو أن الأب رأى أنه لابد من إرساله، الطعام شيء أساسي، إذا لم يرسله فلا طعام ولا قمح، لابد من إرساله : ﴿ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ جاء في بعض الآثار أن سيدنا يعقوب حينما قال: ﴿ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ قال الله تعالى: وعزتي وجلالي لأردنّ عليك ابنيك معاً بعد أن توكلت علي . يقول الله تعالى يوم القيامة: عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه؟ يقول هذا العبد: يا رب لقد أنفقته على كل محتاج ومسكين لثقتي بأنك خير حافظاً وأنت أرحم الراحمين، فقال: عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك، أي أن العمر ليس بالذكاء ولكن بتوفيق الله وحفظه . قرأت خبراً عن طائرة احترقت فوق جبال الألب على ارتفاع يزيد على ثلاثة وأربعين ألف قدم، وهذا ارتفاع الطيران النظامي، احترقت في الجو، عندما احترقت تصدعت، وقع راكب منها، يبدو أن عناية الله حفت هذا الراكب، سقط من ثلاثة وأربعين ألف قدم على غابة مكسوة بالثلج، سماكة هذا الثلج خمسة أمتار فوق أشجار الصنوبر، فنزل على قدميه ولم يصب بأذى . ﴿ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ طائرة أخرى تشيكية احترقت قبل مطار دمشق، لم ينج منها إلا راكب واحد وطفل صغير، لم يضعا حزام الأمان، فلما تصدعت نزلا من الطائرة إلى الأرض، والباقون قد احترقوا، كما قال الشاعر : وإذا العناية لاحظتك جفونها نم فالمخاوف كلهن أمان إذا الإنسان سافر فهناك دعاء السفر : (( اللهم أنت الرفيق في السفر والخليفة في الأهل والمال والولد )) ﴿ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ إذا توجهت إلى سفر، إذا دخلت إلى بيتك، إذا خرجت إلى عملك، إذا حفّت بك المخاطر ، قل : ﴿ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ ﴿ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ(64)وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ﴾ ( سورة يوسف ) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ بعضهم قال: الفضة، كان ثمن القمح فضة، وبعضهم قال بضاعة . على كل هذا الثمن الذي دفعوه لسيدنا يوسف أعيد إليهم مع بضاعتهم : ﴿ وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي ﴾ ( سورة يوسف ) تقديم عذر آخر لإرسال الأخ معهم : ماذا نريد أكثر من ذلك؟ ماذا نطمح أكثر من ذلك؟ ما نبغي؟ ﴿ مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ﴾ ( سورة يوسف ) هذه المبالغ التي جمعناها لنشتري بها قمحاً ردت إلينا مع القمح الوفير .﴿ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا ﴾ أي إذا ذهبنا في العام القادم نأخذ قمحاً مرة ثانية، ونعاهدك أن نحفظ أخانا، لقد كنا عشرة فأصبحنا أحد عشر .﴿ وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ طلبه أن نأتي بأخينا . بعضهم قال: إن هذا النبي الكريم ما كان يعطي الإنسان إلا كيل بعير طول العام، يبدو أن الإنسان يحتاج بطعامه إلى كيل بعير، قدروا ما يحتاجه الإنسان إلى قمح طوال العام كيل بعير : ﴿ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ(65)قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنْ اللَّهِ لَتَأْتُونَنِي بِهِ ﴾ ( سورة يوسف ) قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنْ اللَّهِ لَتَأْتُونَنِي بِهِ اشتراط يعقوب لأبنائه الكفالة والموثق : أي هذه المرة لا بد من كفالة، العلماء قالوا: في الأشياء العينية كفالة، وفي الأشخاص موثق، والكفيل ضامن، كفيل المال ضامن للثمن، وكفيل الشخص ضامن لدفع الدية، أو لتحمل ما يترتب على غريمه من قصاص : ﴿ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنْ اللَّهِ لَتَأْتُونَنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ ﴾ ( سورة يوسف ) استثناء مهم : إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فسر العلماء أن يحاط بكم، إلا أن تموتوا، أو تهلكوا بحادث، أو أن تُغلبوا، إذا حاربتم من أجله فغُلبتم فهذا من قبيل أن يحاط بكم ، والإنسان يقول لك: قل: إن شاء الله - يقولها عامة الناس استخفافاً بها - إذا أرادوا أن لا يأتوا في الموعد المحدد يقولون: إن شاء الله، وإذا أرادوا أن لا يدفعوا يقولون: إن شاء الله، بعد أسبوعين أعطيك إن شاء الله، إنهم بهذه الكلمة يتهربون من الوعد الصحيح، لكن هذه الكلمة لها معنى قرآني، إذا كنت مصمماً تصميماً أكيداً على دفع المبلغ أو على الحضور تقول: إن شاء الله، يعني أنا مصمم إلا أن يحاط بي . تذكر دائما هذه الآية :إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ الإنسان قد يحاط به، قد يموت ولا يلبي الدعوة . كنت مرة في الثانوية، فجاء كتاب من وزير التربية يطلب من بعض المدرسين أن يبرر سبب تغيبه عن التصحيح في الامتحانات، وينذر هذا الكتاب ذلك المدَرس بعقوبة حازمة إن لم يأت بتقرير طبي، فكان الجواب الذي أجاب به المدير: لقد مات هذا المُدرس، ماذا تفعل؟ ﴿ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ ﴾ الإنسان قد لا يدري : تزود من التقوى فإنك لا تدري إذا جنّ ليلٌ هل تعيش إلى الفجر كلمة :﴿ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ ﴾ فيها أدب مع الله عز وجل، تقول: أنا، من أنت؟ مادام هذا القلب ينبض، أنت، فإذا توقف عن النبض صار المرحوم، كان السيد فلان، فلان بك، فلان أفندي، فلان طبيب بورد أو غيره، كان فصار المرحوم فلان، فلذلك :﴿ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ ﴾ فيها معنى التواضع والتوحيد والعبودية، ففي كل شيء تفعله قل: إن شاء الله، إلا إذا قيل لك: هل أنت مؤمن؟ فإذا قلت: إن شاء الله فهذه مسألة خلافية، أكثر العلماء يقولون: لا ينبغي عليك أن تقول: إن شاء الله، إن قيل لك: هل أنت مؤمن؟ قل: نعم ورب الكعبة أنا مؤمن :﴿ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾ ( سورة يوسف ) كلمة عظيمة : اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ احذر إذا وكَّلك مظلوم إلى ربك : بعض الباعة يقول لك: الله وكيلك، هذه كلمة تجري على اللسان، والله لو عرفت قيمتها و أبعادها و حدودها لقصم ظهرك، يجعل الله وكيله؛ خالق السماوات والأرض، السميع البصير، من بيده كل شيء، تجعله وكيلاً لخصمك، وتخونه وتغدر به وتغشه، وتحتال عليه تخدعه، والله وكيله . ﴿ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾ هناك كلمتان: الكلمة الأولى: إذا قال لك أحدهم: شكوتك إلى الله، إن كنت تعرف أبعاد هذا الكلام ينبغي أن لا تنام الليل عن أَنَس بْن مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَإِنَّهُ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ )) مسند الإمام أحمد إذا قيل لك: شكوتك إلى الله، وتعرف ماذا تعني كلمة شكوتك إلى الله، وتعرف أن الله عز وجل بيده كل شيء، أحياناً معامل الدم في نقي العظام تطرح في الدم في كل ثانية مليونين ونصف كرية حمراء في كل ثانية، ولآن جلسنا في هذا المجلس من نصف ساعة فرضاً، أي ثلاثين دقيقة، والدقيقة ستون ثانية، أي ألف وثمانمائة ثانية، حوالي أربعة آلاف مليون كرية حمراء طرحت في دم كل منا في هذا المجلس، معامل نقي العظام قد تتوقف عن العمل، ما السبب؟ لا أحد يعلم حتى الآن، توقف مفاجئ، هذا المرض سماه العلماء فقر دم لا مُصَنِّع، فقر في الدم ليس عن أسباب معينة، بل عن أن معامل نقل الدم توقفت عن العمل، المرض الثاني توقف الكليتين عن طرح البول بلا سبب، هبوط مفاجئ في وظائف الكليتين، فهذا الذي تجعله وكيلاً لخصمك، وتغش خصمك، وتحتال عليه، وتكذب عليه، توقع به؛ الله وكيله . كلمة: شكوتك إلى الله لا يعرف معناها إلا من عرف الله، والكلمة الثانية أن تقول: الله وكيلك، إذا قلت: الله وكيلك ينبغي أن تكون معه دقيقاً دقة بالغة، أو يتولى الله سبحانه وتعالى محاسبتك عنه، قال تعالى : ﴿ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ(66)وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ ﴾ ( سورة يوسف ) وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ لابد من اتخاذ الأسباب لاتقاء العين : المدينة في مصر كان لها أبواب، دمشق نفسها لها باب الجابية، باب السلام، باب توما، كان لكل مدينة سور وأبواب تغلق في الليل، قال لهم لا تدخلوا من باب واحد ، خاف عليهم العين، عشرة أولاد أشداء، أصحاء، أقوياء، ملء السمع والبصر، يدخلون جميعاً من باب واحد وهم لأب واحد . ﴿ وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ ﴾ والعلماء استنبطوا من هذه الآية أن على الإنسان ألا يظهر ما عنده، لأن عين الحاسد قد تفعل فعلها :﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ(1)مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ(2)وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ(3)وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ(4)وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴾ ( سورة الفلق ) هل للحاسد فعل مستقل عن الله عز وجل، أين التوحيد؟ الجواب إنه ليس للحاسد فعلٌ مستقل عن الله عز وجل، لكنّ المحسود الغافل يستحق العقاب على غفلته من قِبَل الله عز وجل عن طريق الحاسد، فإذا كنت مع الله لا تؤثر فيك عين حسود، لكنه من باب الاحتياط لا تبدي ما عندك للناس، لا تفتخر، لا تظهر في زينتك، لا تعرض متاعك، لا تعرض أموالك، لا تتحدث عن أرباحك لأن من الناس من يحسدك، فإذا كنت غافلاً أصابتك عين الحسود، قال الشاعر : قل لمن بات لي حاسداً أتدري على من أسأت الأدب أسأت على الله في فعله إذ لم ترضَ لي ما وهــب وملك الملوك إذا وهب لا تسألن عن الســــبب بل قم فاسألن عن السبب، البيت : لا تسألن عن السبب، وصوابه: قم فاسألن عن السبب :﴿ وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ ( سورة يوسف ) الغفلة عن الله طريق إلى تأثير الحسد والعين والسحر : لو أنكم دخلتم من أبواب متفرقة، واستحق العبد التأمين من الله، لا يغنيه هذا الاحتياط شيئاً، وذكاؤك لا ينفعك إذا أراد الله بالإنسان سوءاً، لكن من باب الاحتياط على الإنسان ألا يعرض ما عنده للناس، فلعل في الناس حسود تصيب عينه المحسود الغافل، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَيَقُولُ : ((إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ، أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ )) صحيح البخاري أي عين الحسود، وربنا عز وجل قال :﴿ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ ( سورة البقرة : 102) هذا هو التوحيد، لكن إذا كان الإنسان غافلاً عن الله عز وجل وعرض ما عنده، أحياناً الإنسان يطلع الضيف على شيء نفيس اشتراه، هذا المضيف غافل، يتيه على الضيف بهذه الثياب، والحلي، بهذا الجهاز يتيه عليه، ما إن يخرج الضيف حتى يقع الجهاز وينكسر، ماذا حصل؟ عرضت ما عندك للضيف وكنت غافلاً عن الله، لم ترَ فضل الله عليك، رأيت مالك وذكاءك فهذا الضيف اشتهى هذا الجهاز، واستكثره عليك، ووقع في نفسه؛ فأراد الله أن يؤدبك فحرمك هذا الجهاز، أحياناً ترتدي ثياباً تتيه بها، وتظن أنه ليس أحد يشبهك في هذا الجمال، وهذه الثياب الرائعة، فما هي إلا ساعة حتى تمزق هذه الثياب الجديدة بشيء أو بآخر، وقعت عين الحسود وكنت أنت غافلاً، لو كنت مع الله لتواضعت، لو كنت مع الله لرأيت فضل الله عليك، لو كنت مع الله لتأدبت، لما دخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة فاتحاً دخلها مطأطئ الرأس تواضعاً لله عز وجل، فالإنسان المؤمن علامة إيمانه أنه إذا أعطاه الله عز وجل الدنيا، أو شيء من الدنيا، لا تزيده الدنيا إلا تواضعاً، يرى فضل الله عليه لا يتيه به على أحد من خلقه، يُحْشَرُ الأغنياء أربع فرق يوم القيامة، فريق جمع المال من حرام وأنفقه في حرام، فيقال: خذوه إلى النار، حسابه قصير، وفريق جمع المال من حرام وأنفقه في حلال فيقال: خذوه إلى النار، حسابه قصير، وفريق جمع المال من حلال وأنفقه في حرام فيقال: خذوه إلى النار، فحسابه قصير، وفريق جمع المال من حلال وأنفقه في حلال، هذا حسابه طويل، فيقال قفوه فاسألوه: هل ضيّع فرض صلاة؟ هل تاه على جيرانه بما عنده؟ هل قال لمن حوله: يا رب لقد أغنيته بين أظهرنا فقصر في حقنا؟ هذا حسابه طويل، هذا الذي جمع مالاً من حلال وأنفقه في حلال، حسابه طويل . إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ إذاً :﴿ وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ ( سورة يوسف ) كان هذا النبي موحداً :﴿ إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ﴾ لو لم يكن في كتاب الله غير هذه الآية لكفتنا :﴿ إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ﴾ لك قضية عند إنسان ترى هل يوافق أم لا يوافق؟ إن الحكم إلا لله، إن كانت خيراً لك ألهمه أن يوافق، وإن كانت ليست كذلك ألهمه ألا يوافق، واخترع حجة واهية لعدم الموافقة لأن الحكم إلا لله ، (( لكل شيء حقيقة ، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه )) أحمد قال تعالى :﴿ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ(55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ( سورة هود) ﴿ إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) التوكل الصحيح يعني الأمنوالطمأنينة : التوكل على الله يضفي على حياة الإنسان أمناً، إن الله يعطي الذكاء والمال والجمال للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين، والمتوكل في نعيم وطمأنينة، المتوكل لو يعلم ملوك الأرض ما عليه من السعادة لقاتلوه عليها بالسيوف : ﴿ وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا ﴾ ( سورة يوسف ) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فهذا الاستثناء ليس من الفقرة الأولى بل من الفقرة الثانية، أي ولما دخلوا من حيث أمرهم أباهم دخلوا من أبواب متفرقة ما كان يغني عنهم من الله من شيء لو أن الله أراد أن يؤدبهم لأدبهم، ولو طبقوا وصية أبيهم، هذه الحكمة التي في نفس يعقوب أملاها عليهم فطبقوها : ﴿ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ ﴾ ( سورة يوسف ) وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ رتبة لعلم عالية : إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، ورتبة العلم أعلى الرتب وما اتخذ الله ولياً جاهلاً، لو اتخذه لعلمه . ﴿ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ ﴾ قال بعضهم: إنه لذو تطبيق لهذا العلم الذي علمناه، لأنه ذكر الله عز وجل مؤدى سبب التطبيق، سبب العمل مثلاً :﴿ وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ ﴾ ( سورة يوسف ) القرية لا تسأل، أي واسأل أهل القرية، قد نقول: قرر مجلس الوزراء، والمجلس هو المقاعد، جلس يجلس مجلساً، والمقصود من على المقاعد، وهذا التفسير دقيق جداً :﴿ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ ﴾ العلم معناه العمل : أي إنه لذو عمل بما علم و لذو علم لما علمناه، أي ذو تطبيق لما علمناه، والله سبحانه وتعالى لا يثني على الإنسان إلا إذا عمل بما علم، قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ(2)كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ (سورة الصف ) ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ ( سورة فاطر : الآية 10) ولما دخلوا على يوسف : ﴿ وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) إذا علمك الله علماً فأنت مقرب إلى الله كثيراً، إن الله عز وجل يمنح العلم لمن يحب، يعطي المال لمن يحب ولمن لا يحب، ولكن العلم لا يمنحه إلا لمن يحب، ما استرذل الله أحداً إلا حظر عليه العلم والأدب، قد يجعله قوياً وغنياً، وقد يؤتيه من الأولاد ما يشتهي، ولكن يحظر عليه العلم والأدب :﴿ وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ ﴾ ( سورة يوسف ) وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قال العلماء: أكرمهم فجعلهم في كل غرفة مثنى مَثنى، هم عشرة، احتلوا خمس غرف، وبقي أخوهم الذي من أبيهم قال: وهذا دعوه لي، وكره أن ينام وحيداً فضمه إليه، لما ضمه إليه أسر إليه أني أنا أخوك : ﴿ وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ( سورة يوسف ) يروى أنه لما علم أن عزيز مصر أخوه قال: دعني عندك، لا ترجعني معهم، قال تعالى :﴿ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(69)فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ ﴾ ( سورة يوسف ) ما السبيل إلى إبقاء يوسف أخاه عنده ؟ لكن يبدو أن سيدنا يوسف لا يستطيع أن يخرج على قوانين البلاد، ومن قوانين البلاد أنه لا يجوز لعزيز مصر أن يحجز أحداً من دون بينة، من دون سبب، لأنه ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك، أي في نظام الملك؛ لا يستطيع عزيز مصر وهو رئيس وزرائها أن يحجز أحداً من دون سبب، فلا بد من حيلة، مادام أخوه قد ألح عليه أن يبقيه عنده، وقد رسم خطة في ذهنه كي يستقدم أهله، وربما أوحى الله له بهذه الفكرة، وهذا قول معظم العلماء؛ أن الله سبحانه وتعالى أوحى له بهذه القصة، لابد من حيلة : حيلة صواع الملك : ﴿ فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ﴾ ( سورة يوسف ) صواع الملك إناء من الذهب، أو من الفضة كما تروي الكتب، ويستخدم لكيل القمح، والقمح شيء ثمين جداً، فلتقديسه وتعظيمه اكتالوه بصواع الملك، فهذا النبي الكريم جعل صواع الملك في رحل أخيه : اتهام إخوة يوسف بالسرقة : ﴿ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) أيتها القافلة إن فيكم سارقاً، كان هذا القول كالصاعقة، قال تعالى :﴿ قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) ما الأمر؟ ما الذي تفقدونه ؟﴿ قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ﴾ ( سورة يوسف ) يوسف جعل جائزة لمن يجيء بالصواع : الكفالة وشرطها في الفقه الإسلامي : هذه هي الجعالة، فإذا قلت أنت: من يأتيني بفلان فله مئة ألف، هذه جُعالة، من يأتيني بهذه الحاجة له مئة ألف ليرة؛ الجعالة عقد، طرفه الأول معلوم، وطرفه الثاني مجهول، لا تعرف من الذي سيأتيك به، عقد الإيجار لا يصح إلا إذا كان الطرفان معلومين، أما عقد الجعالة فيصح أن يكون طرفه الأول معلوماً وطرفه الثاني مجهولاً، لكنّ العلماء قالوا: يجوز للمجعول له أن يفسخ هذا العقد قبل الشروع بالعمل أو بعده، أي من يأتيني بهذه الحاجة فله مئة ألف، هذا الذي بدأ بالبحث عنها يصح أن يتنازل عن حقه، ويفسخ العقد بعد الشروع بالعمل أو قبل الشروع، لكنّ الجاعل لا يستطيع أن يلغي عقده إذا بدأ المجعول له بالعمل : ﴿ قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ﴾ ( سورة يوسف ) معنى زعيم أي كفيل، أنا أكفل أن أؤدي لمن يأتيني بصواع الملك حمل بعير . حوار بين المتهِم والمتهَم : ﴿ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) فعلاً هم بريئون على مرأى من سيدنا يوسف :﴿ قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) لو أننا وجدنا هذا الصواع في رحلكم فما جزاء من نجد عنده هذا الصواع؟ أنتم احكموا قبل أن نفتش، هم واثقون بأنهم ما جاءوا ليسرقوا :﴿ قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ﴾ ( سورة يوسف ) استرقاق الذي سرق : أي هو نفسه يصبح رقيقاً، يصبح عبداً، وهذا في شرع الأنبياء من قبل سيدنا محمد، الذي يضبط بسرقة يفقد حريته يصبح عبداً، فالجزاء أن يفقد حريته، ويصبح عبداً عند من أخذ منه الصواع، وهم واثقون : ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) الأمر بتفتيش الرواحل : حكمة يوسف في طريقة تفتيشه للرواحل : أي هكذا نعامل الناس في بلادنا، فأمر بالتفتيش، لكن هذا النبي الكريم كان على قسط وافر من الذكاء، بدأ بأوعيتهم، فتشوا هذا الرحل، فتشوه فلم يجدوا شيئاً، هم واثقون من أنفسهم، فتشوا هذا الرحل، فلما وصل إلى رحل أخيه قال: لا هذا دعوه، ما كان له أن يسرق، هذا فتى صغير، قالوا: لا والله، فتشوا هذا الرحل، لا نغادر مصر حتى تفتشوا هذا الرحل، هم واثقون من أنفسهم، قال تعالى : ﴿ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ ﴾ ( سورة يوسف ) فتحوا رحل هذا الغلام فإذا فيه صواع الملك، دهشوا، سُقِط في أيديهم، ألجمتهم المفاجأة، فقالوا لأخيهم: أأنت أخذت الصواع؟ قال: لا والله، قال: من وضعه في رحلك؟ فقال لهم: فيما تروي بعض الكتب: الذي وضع بضاعتكم في رحلكم وضعه في رحلي . |
|
|
|
#8 |
|
كبار الشخصيات
|
﴿ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ(78)قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ(79)فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ ﴾
( سورة يوسف ) فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا بين استيئس ويئس : لم يقل الله عز وجل: فلما يئسوا، بل قال: ﴿ فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا ﴾ لأن الاستيآس أبلغ من اليأس، استيأس على وزن استفعل، فمن معاني وزن استفعل المبالغة، أي طلبوا منه فرفض، رجوه فرفض، استعطفوه فرفض، خضعوا له فرفض، عندئذ استيأسوا : ﴿ فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا ﴾ ( سورة يوسف ) معنى :خَلَصُوا نَجِيًّا معنى خلصوا: أي عقدوا اجتماعاً مغلقاً، وهذه حكمة، قد تضطر أن تعطي رأياً أو قراراً أو سلوكاً، لابد من تقليب الرأي، لابد من المشاورة، لابد من أخذ الرأي، لذلك عقدوا اجتماعاً مغلقاً، وتداولوا الأمر، انتهوا من اجتماعهم من تدويل الأمر إلى قول أحدهم، وهو أكبرهم، قال : ﴿ فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنْ اللَّهِ ﴾ ( سورة يوسف ) تذكُّر إخوة يوسف ميثاقهم مع أبيهم وتفريطهم في يوسف: أي لسنا ببعيدي عهد بالموثق الغليظ الذي أخذه أبونا علينا : ﴿ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنْ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ ﴾ ( سورة يوسف ) أي هذه الثانية، أخذ عليكم موثقاً في يوسف ففرطتم فيه، ثم أخذ عليكم موثقاً آخر في أخيه فنفرط فيه ؟ ﴿ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ ﴾ بعضهم يقول : ( ما )هذه زائدة ، وبعضهم يقول : هذه ( ما )موصولة ، أي ومن قبل تفريطكم في يوسف . موقف الأخ الأكبر : ﴿ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ ﴾ من شدة الألم وشدة الخجل وشدة الخزي أمام الأب الوالد قال : ﴿ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ ﴾ أي لن أغادرها، أنا هنا، إما أن أعود مع أخي، وإما أن أبقى هنا : ﴿ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) يحكم الله لي أن آخذ أخي معي، أو أن أقاوم وأستخدم أسلوب العنف، إما أن أنتصر، و إما أن أخذل، فإذا خذلت ينطبق علي قول أبي: ﴿ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ ﴾ إذا دافع الإنسان عن حقه وغُلب فقد أحيط به، فإما أن أرجع مع أخي، وإما أن يأذن لي أبي، وإما أن أستخدم السيف، فإن أخذته بالقوة أخذته بالقوة، وإلا فقد أحيط بي، وقد أُعذرت : ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) يبدو من هذا الموقف أنه يقطر ألماً، وندماً، وخجلاً، وحياءً وشعوراً بالتقصير : ﴿ ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ ﴾ ( سورة يوسف ) اقتراح الأخ الأكبر على إخوته بالرجوع وذكر الحقيقة للأب : أنا هنا لن أغادر هذا المكان لشدة الخجل : ﴿ ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) أي رأينا بأعيننا صواع الملك في رحله، هذا الذي شهدناه، وشهدنا حيثما علمنا أنه قد وجد صواع الملك في رحله، قال تعالى : ﴿ إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ ما كنا نعلم أن هذا الحدث المهم سيقع بنا، ما كنا نعلم أن أخانا سوف يسرق، ما كنا نعلم أنه متهم حقيقة أو بريء، وأنه في بعض الروايات قال لهم: إن الذي وضع بضاعتكم في رحالكم هو الذي وضع صواع الملك في رحلي، هم ليسوا متأكدين من أن أخاهم قد سرق . ﴿ وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ ﴾ نحن لا نعلم حقيقة الذي جرى، أكان متهماً فعلاً أم كان بريئاً، ولا نعلم بما سيكون، وهذه الآية إشارة إلى أن الإنسان أحياناً - على الرغم من ذكائه واحتياطاته وخبرته ومعلوماته الدقيقة وإمكاناته وقوته - قد يقع في ورطة لا خلاص منها، قد يقع في مأزق لا خلاص منه . الإنسان ليس بذكائه، ولكن بتوفيق الله عز وجل، فهناك قصص كثيرة الإنسان بريء مائة بالمائة، ومع ذلك يلبس تهمة ما كان له أن يدفعها عنه : ﴿ وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) فالإنسان إذا اتكل على علمه أوكله الله إليه، إذا اتكل على قوته، أوكله الله إليها، إذا اتكل على جاهه أوكله الله إليه، إذا اتكل على خبرته أوكله الله إليها، فقط اتكل على الله عز وجل . إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، من اتكل على ماله ذل، من اتكل على علمه ذل، وأما من اتكل عليك يا رب فلا زل ولا ضل : ﴿ ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ(81)وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ محاولة الإخوة إقناع أبيهم بالحقيقة : أي إن لم تصدقنا يحق لك أن لا تصدقنا لخبرة مؤلمة سابقة منا، إن لم تصدقنا لأننا في الماضي لم نكن كما تريد، إن لم تصدقنا فاسأل القرية التي كنا فيها أي اسأل سكان القرية - هذا مجاز عقلي - اسأل سكان القرية أي المكان الذي كنا فيه، والعير التي أقبلنا أي هذه القوافل التي جاءت إلى مصر لما جئنا له، وقد حملت القمح وهي في طريقها إلى أرض كنعان، اسألها، فقصتنا مشهورة والشهود كثيرون : ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ﴾ ( سورة يوسف ) موقف يعقوب : بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا أي عرف أن في شرع سيدنا يعقوب أن الذي يسرق يؤخذ هو شخصه بسرقته، إنه هو يصبح رقيقاً بعد أن كان حراً، لماذا أوضحتم للعزيز أنه في شرعنا من سرق أخذ جزاء سرقته؟ لعلكم أردتم أن تبعدوا ابني الثاني عني : ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ ( سورة يوسف ) فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ما هو الصبر الجميل؟ الصبر الجميل ألا تشكو مصيبتك إلى أحد، أن لا تقول كلاماً لا يليق بالله عز وجل، ليس الحزن محظوراً، و لكن العويل والبكاء، وضرب الوجه، و تمزيق الثياب، و التفوه بكلمات فيها اعتراض على قضاء الله و قدره هذا هو المحرم، أما أن يحزن القلب فهذا شيء لا بد منه : ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ ( سورة يوسف ) الصبر الجميل قال عليه الصلاة و السلام فيما يرويه عن ربه : (( إذا أحب الله عبده ابتلاه ، فإن صبر اجتباه ، فإن شكر اقتناه )) ورد في الأثر الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد؛ فإذا ذهب الصبر ذهب الإيمان، الإيمان نصفان: نصف صبر و نصف شكر، علامة إيمانك أن ترضى بقضاء الله و قدره، الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين . " يا رب هل أنت راض عني ، قال : عبدي هل أنت راض عني حتى أرضى عنك ؟ قال : و كيف أرضى عنك و أنا أتمنى رضاك ؟ فقال الإمام الشافعي : إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله أبداً " . امتحن إيمانك عند الشدائد، عند المصائب ماذا تقول؟ إذا قلت كلاماً لا يليق بالله عز وجل فأنت لا تعرف الله، أما إذا قلت حسبي الله و نعم الوكيل، لا حول و لا قوة إلا بالله، يا رب لك الحمد على قضائك، الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، فأنت مؤمن و رب الكعبة، قال تعالى : ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ﴾ ( سورة يوسف ) عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا هما اثنان، يوسف وأخوه، و هذا الأخ الثالث الكبير الذي بقي في مصر، ولن يبرح الأرض حتى يأذن له أبوه ، صاروا ثلاثة، قال تعالى : ﴿ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ ( سورة يوسف ) لابد من الرجاء في الله مهما اشتد البلاء : هذا هو الرجاء، رجاء المؤمن بالله عز وجل مهما احلولكت الأيام، مهما ضاقت الأمور، مهما نزلت الشدائد، مهما اشتدت الأزمات، فالمؤمن واثق بنصر الله، المؤمن واثق بفرج الله عز وجل، النبي عليه الصلاة والسلام وصل الأمر بالإسلام إلى أن ينتهي بعد ساعات في غزوة الخندق، جاءت الأحزاب من كل جانب، الجزيرة العربية بأكملها اجتمعت على قتل محمد و أصحابه، واليهود نقضوا عهدهم مع النبي فانكشف ظهر المسلمين، وأصبح الإسلام موضوع ساعات وينتهي، إلى أن قال بعض الضعاف: أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر و كسرى و أحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته؟ قال تعالى : ﴿ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا(11)وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ ( سورة الأحزاب) هذا الذي حصل لأصحاب النبي يحصل لكل إنسان، ولكل مؤمن تضيق به الأمور، يبث الله في قلبه الخوف ماذا يفعل؟ أيترك هذا الطريق الذي اختطه لنفسه، تضيق به الحيل، يأتيه الضيق من كل جانب، تضيق به الأرض بما رحبت، ماذا يفعل؟ قال تعالى : ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ ( سورة يوسف ) إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ يعلم أين هم، وإبعادهم عني لحكمة أرادها الله عز وجل، عليم حكيم، أي يعلم أين يوسف، وأين أخوه، وأين أخوهم الثالث وما أحوالهم؟ و حكيم بهذا الإبعاد، قال تعالى : ﴿ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ ﴾ ( سورة يوسف ) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ أي أعرض عنهم، و تفتقت جروحه الماضية ، تذكر يوسف، و قال : ﴿ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ ﴾ قال تعالى : ﴿ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ ( سورة يوسف ) وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ داء الزرق : أما ابيضاض العين فهو مرض يسميه علماء الطب داء الزرق، فالقرنية مادة شفافة تتغذى بالحلول، حينما يرتفع ضغط الدم بسبب ضغط الهم تضطرب الأوعية الشعرية في العين، وتصبح القرنية الشفافة ظلمية بيضاء، تعيق الرؤية، ويصاب الإنسان بالعمى بسبب الحزن، وهذا مرض يعرفه الأطباء، قال تعالى : ﴿ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ ( سورة يوسف ) الصديق يتألم والعدو يشمت : إنّ الحزن الذي في قلبه لم يبح به لأحد لعلمه أن الله سبحانه وتعالى يعلم السر وأخفى، وأن الإنسان إذا أبحت له حزنك ماذا يفعل، لا يستطيع أن يفعل شيئاً، الصديق يتألم والعدو يشمت، لذلك من تمام العقل أن تبث شكواك وحزنك إلى الله فقط، وإذا ضاقت بك الأمور فبث شكواك للمؤمن، فإذا بثثت شكواك لمؤمن فهذه شكوى إلى الله، أما إذا بثثت شكواك لكافر فهذه شكوى على الله، إياك أن تشكو همك لكافر، إياك أن تشكو حزنك لكافر، إياك أن تشكو مصيبتك لكافر، إنه يشمت بك، أول ما يقوله لك: ألم أقل لك: دعك من هذا الطريق، هذا طريق الإيمان، هو الذي جلب لك المتاعب، انظر إلي؛ أنا طليق لست مثلك، إنه يشمت بك ، قال تعالى : ﴿ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ ( سورة يوسف ) كثرة الهموم سبب لأمراض القلب : قال لي طبيب صديق: إن الأمراض في هذه الأيام بلغت حداً غير معقول، ولا سيما أمراض القلب، فقلت: لماذا ؟ قال: لكثرة الهموم، وكثرة المتاعب، إنا نعيش في مجتمع فيه بحبوحة، ولكن الآلام النفسية ضاغطة، أما أجدادنا فكانت حياتهم خشنة، لكنهم كانوا مرتاحين نفسياً، بينهم المودة والمحبة والإخاء، والصفاء والثقة، والأمانة والصدق والإخلاص، والبذل والتضحية والتعاون، وفي مجتمعنا الحسد والضغينة، والحقد واللؤم، والتنافس والترقب والوشاية، وكل شيء يهد الأعصاب، لذلك كثرت أمراض القلب عَنْ النُّعْمَان بْن بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( الْحَلالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ، كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ )) صحيح البخاري إذا آمنت بالله يستريح قلبك المادي، هذا القلب الذي ينبض، من الأذينين والبطينين، ومن الشريان الأبهر والشريان التاجي، هذا القلب الذي ينبض إذا آمنت بالله، واستسلمت له ،ورضيت بقضائه، ونزعت من قلبك حب الدنيا، وتعلقت بالآخرة، ورضيت من الدنيا باليسير، فإن في هذا الإيمان صحة لقلبك المادي، فإن صح القلب صح كل شيء في الجسد، وإن فسد هذا القلب فسد كل شيء، لذلك صحتك أغلى عليك من الدنيا، وصحة إيمانك أغلى من صحة جسمك، من أروع ما قاله الإمام علي كرم الله وجهه : << إن الفقر مصيبة، وإن أشد من الفقر المرض، وإن أشد من المرض الكفر، وإن الغنى نعمة، وإن أفضل من الغنى صحة الجسد، وإنّ أفضل من صحة الجسد الإيمان >> . لابد من التعلق بالله وحده : أول نعمة على وجه الأرض أن تكون مؤمناً، ولأنك إذا كنت مؤمناً فلا شيء في الدنيا يعدل الإيمان، أحد الصالحين كان يتلو كتاب الله عز وجل فوصل في سورة يس إلى قوله تعالى : ﴿ إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ ( سورة يس ) ففاضت روحه إلى بارئها، فتعجب أصحابه كيف ختمت له هذه الخاتمة، فرآه بعضهم في المنام فقال: يا سيدنا ما فعل الله بك، كيف ختمت لك هذه الخاتمة؟ قال: جاء الملكان في القبر فقالا لي: من ربك؟ فتابعت قراءة القرآن، قال تعالى : ﴿ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ﴾ ( سورة يس ) فقالا لي: قال تعالى : ﴿ قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة يس ) قيل: ادخل الجنة، فعندما تتعلق روح الإنسان بالله عز وجل يتجلى الله على قلبه سعادة ينسى معها كل شيء، قال تعالى : ﴿ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ(84)قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنْ الْهَالِكِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنْ الْهَالِكِينَ إياك أن تفرق بين اثنين : أي أبعد يوسف من بالك، لن يعود إليك، لقد مات، لا تزال تذكره، لا تزال تتشوق إليه، انتهى أمره، حتى تكون حرضاً، لذلك قال عليه الصلاة والسلام : (( ليس منا من فرق )) ورد في الأثر أي إذا فرقت بين أم وولدها، أو بين أب وولده، أو بين أخ وأخيه، أو بين صديق وصديقه، أو بين شريك وشريكه، أو بين جار وجاره، فلست من أمة سيدنا محمد، إذا فرقت مادياً بينهما، لست من أمة سيدنا محمد، وإذا فرقت معنوياً بينهما، إذا أوقعت بينهما الضغينة والشقاق والخصومة والعداوة فلست من أمة سيدنا محمد : (( لعن الله من فرق والدة عن ولدها )) ورد في الأثر قال تعالى : ﴿ قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنْ الْهَالِكِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) معنى : حرضًا : حرضاً أي هالكاً، فالهلاك الأول معنوي، أي هلاك اليأس، والهلاك الثاني الموت . قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ قال تعالى : ﴿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ﴾ ( سورة يوسف ) الشكوى لله الرحيم : قال بعضهم: ويعاب من يشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم، يعاب أن تشكو الله إلى إنسان لا يرحم، الشكوى لله عز وجل، الشكوى لله إذا ألمّ بك أمر فبث شكواك إلى الله، وإذا ظلمك إنسان فاشكه إلى الله عز وجل، فإن في شكواك إلى الله أبلغ شكوى، قال : ﴿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي ﴾ معنى البث : البث هو الألم، والحزن هو الألم الشديد، قال تعالى : ﴿ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ أي أعلم أن ذهاب أولادي عني لحكمة بالغة لابد من أن تكون، وأعلم أن هذا رحمة بي، وأعلم أن هذا حرص علي، وأعلم أن هذا قد يزول، وقد يعود إلي أولادي، أعلم من رحمة الله ما لا تعلمون، أعلم من حكمته ما لا تعلمون، أعلم من رأفته ما لا تعلمون، أعلم من حبه ما لا تعلمون، أعلم من تصريفه الأمور ما لا تعلمون . يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ قال تعالى : ﴿ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(86)يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ ( سورة يوسف ) معنى التحسس : معنى تحسسوا: أي تتبعوا أخبارهم، اذهبوا، وإن الله كتب عليكم السعي فاسعوا . لا تفقد الأمل من شيء ضاع منك : قال لي شخص: إنه قد أضاع مبلغاً كبيراً في سيارة، فلما دخل إلى بيته، واعتصر قلبه الحزن، أكثر الناس قالوا له: هذا المبلغ لن يعود إليك، إلا واحدا منهم قال له: اذهب فلعل الله يجمعك بالمبلغ، فذهب إلى المطار، وسأل عن سائق صفته كذا وكذا، فقالوا له: و الله لقد أخبرنا أنه قد رأى في سيارته مبلغاً كبيراً، لذلك يجب على الإنسان أن لا ييأس، ولو بدا لك أن الأمر مستحيل، وأن لا سبيل إلى رده، وأن القضية شبه مستحيلة، اذهبوا، عاد إلى الشام، وأخذ المبلغ، و كان السائق أميناً، رد له المبلغ بالعد والتمام، قال تعالى : ﴿ يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) اليأس ينافي الإيمان : اليأس من روح الله لا يتناسب مع الإيمان بالله : ﴿ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ ﴾ عودة ثالثة إلى مصر : وصلوا إلى مصر مرة ثالثة، قال تعالى : ﴿ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ ﴾ ( سورة يوسف ) شكوى الإخوة ليوسف من الجوع وسوء بضاعتهم : البضاعة هنا النقد، ما يشترى به البضاعة، إما نقد وإما شيء يدفع مكان البضاعة، مزجاة بعضهم قال: قليلة، وبعضهم قال: فيها عيب لا تقبل، قال تعالى : ﴿ بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ ﴾ ( سورة يوسف ) أي أعطنا بها قمحاً كما لو كانت بضاعتنا كثيرة، أو كما لو كان نقدنا جيداً، لأننا قد مسنا الضر، قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) طلبهم المؤونة والصدقة : أعطنا الكمية المقررة كما لو كان النقد صحيحاً، أو كما لو كانت البضاعة كثيرة، وتصدق علينا بأخينا، أي ردّه إلى أبيه، قال بعضهم: يجوز إذا أصابك الضر أن تشكو إلى من بيده الأمر، هذا من باب الأخذ بالأسباب، ليس من باب الشرك . نبأ كالصاعقة : قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ يبدو أن سيدنا يوسف رأى من المناسب أن يلقي عليهم بالنبأ العجيب، آن الأوان وحان الوقت لكي يعرفهم من هو؟ جاءوه أول مرة، وجاءوه في المرة الثانية، وفي المرة الثالثة وهم يحسبونه عزيز مصر، مرة أحبوه لكرم الضيافة، ومرة امتنوا منه، لأنه جعل بضاعتهم في رحالهم، ومرة تألموا منه لأنه طبق القانون عليهم تطبيقاً دقيقاً، ولم يتساهل معهم، وجاءوا في هذه المرة يائسين، أو جاءوا راجين، عندئذ آن الأوان لهذا النبي الكريم وعزيز مصر أن يلقي عليهم بالنبأ، وسيكون عليهم كالصاعقة، قال تعالى : ﴿ قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ ( سورة يوسف ) من يوسف؟ من أعلمك بما فعلنا بيوسف؟ هم في زعمهم أن هذه القصة لا يعلمها أحد إلا الله ويوسف، لأنه الضحية، قال تعالى : ﴿ قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ﴾ ( سورة يوسف ) احذروا فإن الله لا يحفى عليه شيء : هذا الذي قالوه رسمياً لأبيهم، عشرة إخوة اتفقوا على رواية واحدة، ولا يعلم بما جرى إلا الله ويوسف، لأنه الضحية . صفوان بن أمية التقى بعمير بن وهب، وقال له عمير بعد أن التقى به في الصحراء خارج مكة: والله لولا ديون ركبتني ما أطيق سدادها، ولولا أبناء صغار أخشى عليهم العنت من بعدي لذهبت وقتلت محمداً، وأرحتكم منه، فوقف صفوان وقال: يا عمير، أما ديونك فهي علي بلغت ما بلغت علي أداؤها، وأما أولادك فهم أولادي ما امتد بهم العمر، فامض لما أردت، اذهب واقتله، وأرحنا منه، وكان ابن عمير عند رسول الله أسيرًا، فأسقى سيفه السم، وركب راحلته وانطلق إلى المدينة، رآه عمر رضي الله عنه قال: هذا عمير بن وهب عدو الله، جاء يريد شراً، قيده بحمالة السيف، وساقه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قال: يا رسول الله، هذا عمير بن وهب جاء يريد شراً، فقال: أطلقه يا عمر، أطلقه، قال: ابتعد عنه، فابتعد عنه، فقال عليه الصلاة السلام لأصحابه: هل أعددتم له طعاماً؟ هذا صعق، بعد أن أكل قال: ادن مني يا عمير، فدنا منه، قال له: ألا تسلِّم علي؟ قال: عمت صباحاً يا محمد، قال: سلِّم علينا بسلام الإسلام، قال: لست بعيد عهد بالجاهلية، قال: ما الذي جاء بك يا عمير؟ قال: جئت أفدي ابني، قال: وهذه السيف التي على عاتقك، قال: قاتلها الله من سيوف، وهل نفعتنا يوم بدر؟ قال: ألم تقل لصفوان بن أمية: لولا ديون ركبتني ما أطيق سدادها، ولولا أطفال صغار أخشى عليهم العنت من بعدي لذهبت وقتلت محمداً وأرحتكم منه، قال: والله ما يدري بأحد من هذا إلا الله، وأنت رسول الله، حينما قال لهم صفوان بدا عليه البشر في مكة، وكان يقول لمن حوله: انتظروا أخباراً سارة، وبدأ ينتظر هذا الخبر السار قتل محمد، مضى يوم ويومان وثلاثة أيام وأسبوع، وكان يقف على مشارف مكة ينتظر الركبان، ويسألهم ماذا حدث؟ فيقولون له: ما حدث شيء، إلى أن سألهم: ما فعل عمير؟ فقالوا: أسلم عمير، فهذا سيدنا يوسف قال : ﴿ قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ ( سورة يوسف ) اقشعر بدنهم، صعقوا، تأملوا فيه حينما كانوا ينظرون إليه من قبل، أخذوا به كعزيز مصر، فلما قال لهم : ﴿ قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ تأملوا في ملامح وجهه، في خطوط جبينه، في حركاته، في نظراته، فإذا هي يعرفونها إنه يوسف، قال تعالى : ﴿ قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ ﴾ ( سورة يوسف ) أدب التماس العذر :إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُون لكن النبي الكريم برقته وكماله وأدبه اعتذر عنهم، قال عليه الصلاة والسلام : (( التمس لأخيك عذراً ولو سبعين مرة )) ورد في الأثر التمس لهم عذراً، واعتذر عنهم، ماذا قال لهم؟ قال تعالى : ﴿ قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) ما من عذر أبلغ من الجهل، ما كنت أعرف إذ أنتم جاهلون، كلمة : ﴿ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ ﴾ اعتذار من سيدنا يوسف عنهم لئلا يحرجوا، لئلا يخجلوا، لئلا تضيق بهم الأرض، لأنه أكرمهم، أكرم وفادتهم، أكرم ضيافتهم، أعطاهم القمح، مع ثمن القمح في المرة الأولى والثانية، وها هو ذا يعرفهم بنفسه . ﴿ قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ ﴾ إذ أنتم جاهلون اعتذار عنهم، هكذا أخلاق النبوة، التمس لأخيك عذراً ولو سبعين مرة، قال عليه الصلاة والسلام : (( لا تحمروا الوجوه )) ورد في الأثر لا تحرج إنساناً، لا تخجله، لا تضيق عليه بالأسئلة، لا تسأله ماذا أكلت البارحة؟ ربما كان لم يأكل، ماذا طبخت اليوم؟ ماذا عندك من طعام من أجل أن تضيفنا؟ المؤمن لا يحرج أحداً، إلى أين أنت ذاهب؟ أين كنت؟ قال تعالى : ﴿ قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي ﴾ ( سورة يوسف ) قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي تواضع المؤمن : هذا الذي حجزته أخي إكرام له، سيدنا الصديق لما اشترى سيدنا بلالا من أمية بن خلف قال له أمية: << والله لو دفعت به درهماً لبعتكه >> ، قال : " أما أنا لو طلبت ثمناً له ألف درهم لدفعتها لك " ، وضع يده تحت إبط سيدنا بلال وقال : << هذا أخي >> . المؤمن متواضع، أحياناً يدخل أب طيب على ابنه في منصب رفيع فيقال له: من هذا؟ فيقول لهم: هذا آذن عندي، وهذا أخي قد منّ الله علينا بالنجاة، منّ علينا بالهدى، منّ علينا بالمنى، من علينا بالملك، منّ علينا بكل شيء، قال تعالى : ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ ﴾ ( سورة يوسف ) إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ اصبر على الطاعة وعن المعصية وعلى القضاءوالقدر : أيها الإخوة الأكارم، والله الذي لا إله إلا هو هذه القصة يمكن أن تنطبق على كل واحد منا : ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ ﴾ اصبر على أمر الله، اصبر عن معصية الله، اصبر على مصيبة نزلت بك، واتق أن تعصي الله، ثم انظر كيف يبدل الله حياتك كلها سعادة وأمناً، وبحبوحة وتوفيقاً وسروراً . ليست العبرة أن نتلو عليكم هذه الحوادث، العبرة أن نستنبط منها الحقائق، وأن نستنبط منها القوانين، وأن نستنبط منها السنن، وأن تكون هذه الحوادث تكشف عن حقائق نهتدي بها في حياتنا، في عملك دعيت إلى معصية قل: معاذ الله، دعيت إلى كسب حرام قل: معاذ الله، دخلك قليل قل: أصبر عليه، قال تعالى : ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) المحسن لا يضيع أجره أبدا : والله الذي لا إله إلا هو زوال الكون أهون على الله من أن يضيع أجر المحسنين، أحياناً يكون الإنسان باراً بأمه وإخوته لا يفعلون فعله، يأتيه الشيطان فيقول له: هي أمك وحدك، هم مرتاحون من خدمتها، طليقون، يذهبون إلى النزهات، يسهرون، وأنت مرتبط بها، اقرأ هذه الآية، قال تعالى : ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) هناك رجل خدم أمه تسع سنين متتالية إلى أن ضاق به الأمر، وتبرم، واشتكى، وبدأ يصيح، وبدأ يُسمع، حتى بلغ به الأمر أن جمع إخوته جميعاً، وقال: هذه أمي وأمكم، إما أن تأخذوها عني، و إما أفعل كذا وكذا، تحت الأمر الواقع، وتحت ضغط التهديد أخذوها عنه، في اليوم الثاني ماتت عند أخيه، يوم واحد، أذهب الله عمله كله، هناك رجل أعرفه، وهو حي يرزق، كان يرعى أرملة، رعاها عشرين عاماً، ثم انتقل إلى حي بعيد، فصار يأتي مشياً من هذا الحي البعيد إلى مكان إقامة الأرملة يكنس لها أرض الغرفة، ويصنع لها الطعام، ويقدم لها كل الحاجات، ضج أهله إلى متى أنت تخدمها؟ أليس في الناس أحد غيرك يخدمها؟ ضغطوا عليه، فلما رأوا إصراره، وأنه لا يمكن إلا أن يذهب إليها كل يوم، وقد تقدمت به السن، صار في السبعين، عندئذ نزلوا عند الأمر الواقع وقالوا: ائت بها إلى هنا، إلى البيت، اخدمها هنا، قال: اذهبوا أنتم إليها وادعوها، فذهبوا إليها ودعوها، جاءت وأقامت عنده يومين ثم ماتت، هكذا العمل الصالح . هذه الآية تركت في نفسي أثراً بليغاً، قال تعالى : ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) إذا كنت صادقاً، إذا بذلت من مالك، و بذلت من وقتك، وبذلت من صحتك وخبرتك وجاهك فإن الله لا يضيع أجر المحسنين . قالوا : يا عبد الرحمن بن عوف، نخشى أن يؤخرك كثرة مالك عن اللحاق برسول الله، فقال عبد الرحمن: والله لأدخلن الجنة خبباً، أي هرولة، وماذا أفعل إذا كنت أنفق مائة في الصباح فيؤتيني الله ألفاً في المساء، ماذا أفعل؟ والله ما حرمت مالي مسكيناً ولا محتاجاً، تدفع من مالك، وتصبح فقيراً، الشيطان يعدكم الفقر، تأتي إلى مجلس العلم من أجل أن تتعرف إلى الله، و تأتيك المتاعب من هذا المجلس، لا والله، ليست هذه أخلاق الله عز وجل، الوفاء كله من الله، تأتيه إلى بيته ليتعبك بعدها لا والله : ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ تستقيم في تجارتك، وتفلس لا والله، تختار امرأة صالحة دينة، وتؤثرها على امرأة جميلة جداً، وتشقيك هذه المرأة، لا و الله، بل تسعد بها، إن الله مع المحسنين، هم أساءوا إليه، هو كان محسناً، ألقي في البئر، ثم صار عزيز مصر، هم كانوا في أوج قوتهم فصاروا يقفون أمامه أذلاء، قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ ﴾ ( سورة يوسف ) انظروا إلى المواقف، كان صغيراً، ألقوه في الجب، بقسوة بالغة دفعوه دفعاً، وحينما مرت الأيام والليالي وقفوا أمامه أذلاء، هذا كله من قوله تعالى : ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) درست في هذا المجلس ساعة والطريق ساعة، ساعتان طريق وساعة حضور، هذا المجلس والله الذي لا إله إلا هو لو يوفر الله عليك في الأسبوع عشرين ساعة كان من الممكن أن تذهب سدى، أن تضيع مع الغيظ مع الضيق، تأتي إلى مجلس العلم يوفر الله لك وقتاً : (( إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عُمّارُها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني، وحق على المزور أن يكرم الزائر )) ورد في الأثر عندئذ شعروا أين هم وأين هو، هم فقراء خائفون أذلاء، يستحون أن يأخذوا قمحاً ، وهو في منصب عالٍ، ملك مصر على العرش، قال تعالى : ﴿ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا ﴾ ( سورة يوسف ) اعتراف لابد منه : تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا أحياناً يكون هناك أخ مؤمن فقير، وإخوة أشداء أقوياء أغنياء في أوج نجاحهم يسخرون منه، ما هي إلا سنوات وتدور الأيام، فإذا بهذا الأخ الصغير الفقير يصبح ملء السمع والبصر، وإذا بهم وقد ضاقت بهم الدنيا، وقد تخلفت بهم الحياة . ﴿ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا ﴾ هذه القصة تتكرر كل يوم، الله سبحانه وتعالى يؤثر المؤمن، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا، قال تعالى : ﴿ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) من الغباء أن تعصي الله : وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ هذا هو الغباء أن تعصي الله عز وجل، إذا عصيته في عملك ستدفع حوالي خمسين ألف مصادرة، من أين أتتنا هذه؟ حساب قديم، جاءه زبون قال له: عشرة آلاف، ذهب فقال له صاحبه: كان ألفان، فقال له: هكذا العمل، في اليوم الثاني وضع عشرة آلاف لابنه، دخلت نثرة فولاذ في عينه، كان يكفيه ألفان فأخذ عشرة، قال له: أهكذا البيع والشراء؟ العاصي هو الغبي، لا يعصي الله إلا أحمق وغبي، لماذا؟ لأنه سوف يدفع الثمن غالياً، قال تعالى : ﴿ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ(91)قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ ﴾ ( سورة يوسف ) لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ محا من قلبه كل حقد، وكل ضغينة، وكل ألم وكل حزن، هكذا هو المؤمن صافٍ عفيف، كأن شيئاً لم يحدث . ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ ﴾ النبي عليه الصلاة والسلام قمة في العفو : سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام حينما دخل مكة فاتحاً، من هم أهل مكة؟ هم الذين كذبوه، هم الذين قالوا عنه : ساحر مجنون، هم الذين ضيقوا عليه، وقاطعوه، وعذبوا أصحابه، هم الذين ائتمروا على قتله، هم الذين أخرجوا أصحابه إلى الحبشة ثم إلى المدينة، هم الذين اتفقوا على قتله، هم الذين حاربوه في بدر وأحد والخندق، كادوا له، شهروا به، هجوه بألسنتهم، دخل عليهم فاتحاً، وكان بإمكانه أن يقتلهم واحداً واحدِاً، أن يبيدهم عن بكرة أبيهم، قال : (( ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، وقد قدرت، قال: أقول لكم ما قال أخي يوسف: ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ ، اذهبوا فأنتم الطلقاء )) السيرة النبوية قال سيدنا عمر: << لما سمعت مقالة النبي كدت أذوب خجلاً >>، لمَ؟ قالوا: لأنه حينما دخل مكة من بعض أبوابها قال: سوف أنتقم منكم، سوف أقتلكم، فلما رأى كمال النبي عليه الصلاة والسلام قال: << كدت أذوب خجلاً من مقالة النبي لا تثريب عليكم اليوم >>، وهذا شأن النبي، ليس في قلبه حقد على أحد، ولا ضغينة ولا ضيق، إنما هو سلام في سلام، قال تعالى : ﴿ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ(92)اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا ﴾ ( سورة يوسف ) قميص يوسف يعود مرة أخرى : طبعاً سألهم عن أبيهم ما فعل أبي؟ قالوا: فقد بصره حزناً عليك، وقال العلماء: إن الله أوحى إليه أنك إذا أرسلت قميصك إليه سأرد أنا بصره، وليس القميص من سيرد بصره، إذا ألقيت على وجه أعمى قميصاً أيرد بصره، أوحى الله إليه أن أرسل قميصك إليه، وأنا سأرد إليه بصره إكراماً لك، قال تعالى : ﴿ اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) سيدنا يعقوب وأبناءه اكتشفوا فجأة أن أخاهم ملك مصر، فرحة ما بعدها فرحة، قال تعالى :﴿ فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ(93)وَلَمَّا فَصَلَتْ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ ﴾ ( سورة يوسف ) قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ التخاطر النفسي : علماء النفس المعاصرين قالوا: هذه الحادثة اسمها التخاطر النفسي، سيدنا عمر يقف على المنبر ويخطب، فإذا به يقطع خطبته ويقول: << يا سارية، الجبلَ الجبل >>، سارية قائده في العراق، يقول لأصحابه: استمعوا، أسمع صوت أمير المؤمنين يحذرني الجبل، هذا ليس اللاسلكي . بعضهم ينكر هذه الحادثة، العلم اليوم أثبتها، كنا في الجامعة فقال لنا أستاذ علم النفس: إن هناك حادثة اسمها التخاطر النفسي، امرأة في إيطاليا رأت ابنها وقد دهسته سيارة، وابنها في باريس، بعد سبعة أيام جاء نعش ابنها مع تقرير يفيد بأنه في اللحظة التي رأت فيها ابنها كان قد دهس، شيء وقع، تفسيره أن هذه النفس طليقة، إذا أحبت شيئاً تعلقت به، الأم أحياناً يسافر ابنها قلبها عنده، ماذا أكل؟ كيف نام؟ بمن التقى؟ هل يبرد أو لا يبرد؟ فلذلك قلب الأم آية من آيات الله عز وجل، وقلب الأب كذلك، قال تعالى : معنى : فَصَلَت العِيرُ ﴿ وَلَمَّا فَصَلَتْ الْعِيرُ ﴾ ( سورة يوسف ) لما غادرت العيرُ أرضَ مصر قال أبوهم : ﴿ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ ﴾ معنى : تُفَنِّدُونِ إني أشم رائحة يوسف لولا تفندوني، والتفنيد أن تعيّبوا علي هذه الفكرة، أي تسفهونها . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( بَادِرُوا بِالأعْمَالِ سَبْعًا، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا؟ أَوْ غِنًى مُطْغِيًا؟ أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا؟ أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا؟ أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا؟ أَوِ الدَّجَّالَ؟ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ ، أَوِ السَّاعَةَ؟ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ )) سنن الترمذي الإنسان إذا تقدمت به السن يسخر الناس من آرائه، تفندون أي : لولا أنكم تسفهون هذا الرأي فإني : ﴿ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ ﴾ هكذا كان جواب الأبناء : ﴿ قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ ﴾ (سورة يوسف ) لازلت تهذي بهذه الأفكار، أين يوسف؟ يوسف مات وانتهى الأمر، ألم نقل لك: أكله الذئب، هذا ضلال في ضلال، وهذا من عقوق الأب، أن تقول لأبيك : إنك في ضلال، قال تعالى : ﴿ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ﴾ وصول الدليل على صدق كلام يعقوب : بعضهم قال: الذي جاءه بقميص يوسف وعليه دم كذب رجاهم أن يمسك بقميصه الحقيقي لتكون هذه بتلك، واحدة بواحدة . ﴿ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ﴾ يروي التاريخ أن سيدنا يعقوب قال له: ماذا أكافئك على هذه البشارة، وليس عندي شيء، سأدعو لك أن يخفف الله عنك سكرات الموت، قالوا: هذا أثمن دعاء؛ أن يخفف الله عن الإنسان سكرات الموت، قال تعالى : ﴿ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ المؤمن ينتظر من الله الإكرام : سيدنا أبو الدرداء قيل له: احترق دكانك يا أبا الدرداء، قال: ما كان الله ليفعل، احترق دكانك، قال: ما كان الله ليفعل، احترق دكانك، قال: ما كان الله ليفعل، فلما تحققوا وجدوا أن دكان جاره هي التي احترقت، فلما أخبروه قال: أعلم ذلك، أي أنك أنت مؤمن إذا كنت مستقيماً على أمر الله، مطيعاً له، محباً له، باذلاً ما تملك من أجله، ماذا تنتظر منه، كل إكرام، تنتظر السلامة والإكرام والتوفيق والصحة والوفاق الزوجي، قال تعالى : ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ ( سورة النحل : الآية 97) هذا هو الظن، حسن الظن بالله ثمنه الجنة، قال تعالى : ﴿ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ﴾ ( سورة الفتح : الآية 6) قال تعالى : ﴿ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ الذي أعرفه لا تعرفونه، الذي أعرفه عن كرم الله وعن محبته وعن توفيقه وعن حكمته وعن علمه وعن خبرته لا تعرفونه . قال تعالى : ﴿ قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ(97)قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ﴾ قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ أهمية الاستغفار : العلماء وجهوا هذه الآية أنه من عادته أن يقوم الليل قبل آذان الفجر فهذه ساعة مباركة، ساعة استجابة، فأرجأ الاستغفار إلى ساعة الإجابة، لأنه إذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربكم إلى السماء الدنيا فقال: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من طالب حاجة فأقضيها له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ حتى ينبلج الفجر، كلما ضاق بك أمر استيقظ قبل صلاة الفجر قم وصل ركعتين لله عز وجل، وفي السجود اطلب من الله حاجتك، فإن كان في أدائها خيراً فالله سبحانه وتعالى لابد من أن يجيبك عليها، قال تعالى : ﴿ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(98)فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ﴾ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ أدب يوسف في استقباله أهله : من آداب هذا النبي الكريم أنه خرج لاستقبالهم، قال تعالى : ﴿ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ﴾ ( سورة البقرة ) الله سبحانه وتعالى وهو خالقنا ينتظر منا أن نذكره كذكر آبائنا لشدة عظم حق الأب، لا تمش أمامه، ولا تجلس قبله، قال تعالى : ﴿ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ﴾ وأي أمن ينعم به إنسان أبوه ملك البلاد؟ أيخاف من أحد؟ قال تعالى : ﴿ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ(99)وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ ﴾ في مطار القاهرة مكتوب على بوابته الكبيرة: ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين، لكن شتان بين من يدخل الآن إليها وبين هذا النبي الكريم الذي دخلها حين كان ابنه عزيز مصر . وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ ما هو العرش ؟ ورفع أبويه على العرش، العرش أي سريره، مكان جلوسه، تعظيماً لهم وتوقيراً لهم قال: اجلسوا على هذا العرش، إذا جاءك ضيف عزيز جداً أجلسه مكانك، في مكان تكرمتك، أجلسهم على مكان جلوسه، والعرش إذا نسب إلى الملك هو سرير المُلك، أو مكان جلوس الملك، قال تعالى : ﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ﴾ ما طبيعة هذا السجود ؟ هنا لابد من الإيضاح، بعض العلماء قالوا وهم محقون: وخروا له أي لله عز وجل سجداً جميعاً، يوسف وأبواه وإخوته الأحد عشر كوكباً، وبعضهم قال: هذا سجود التحية، كان تقليداً في مصر، انحناء الرأس، حينما ينحني الرأس قليلاً هذا اسمه عند أهل مصر سجود ، لا سجود عبادة، بل هو سجود تحية، عندها قال يوسف عليه السلام : ﴿ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ﴾ تحقُّق رؤيا يوسف الأولى : كما في أول السورة إذ قال تعالى : ﴿ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ﴾ الشمس أبوه والقمر أمه والأحد عشر كوكباً إخوته، قال تعالى : ﴿ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ ﴾ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ إغفال الإلقاء في الجب أدبٌ كبير : لمَ لم يقل: إذ أخرجني من البئر، لأنه إذا قال: إذ أخرجني من البئر يذكرهم بجريمتهم وقال الصوفيون: ذكر الجفا وقت الصفا من الجفا، أي أنه ذكره بجريمته، إذا أساء أحدهم إليك وصار بينك وبينه مودة فيما بعد، هل تذكر يوم عملت معي كذا وكذا، بذلك تخجله وتحرقه حرقاً، فسيدنا يوسف لكماله ولأدبه الرفيع لم يقل: وقد أحسن بي إذ أخرجني من البئر، بل قال : ﴿ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ ﴾ |
|
|
|
#9 |
|
كبار الشخصيات
|
وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ الْبَدْوِ
إنه أدبٌ رفيع : أيها الإخوة المؤمنون، ملاحظة، سيدنا يوسف لكماله ولأدبه الرفيع لم يقل: وقد أحسن بي إذ أخرجني من البئر، لا لم يقل ذلك، بل قال : ﴿ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ ﴾ ( سورة يوسف : الآية 100) وقال بعضهم: كان البئر أهون عليه من السجن لأنه كان في البئر مع الله، وكان في السجن مع الوحوش، وفي السجن مصيبتان أنك تفقد حريتك، هذه مصيبة أولى، والثانية تجلس مع أناس دونك بكثير؛ مع سارقين، مع محتالين، مع شاربي خمر، مع لوطيين، شيء صعب جداً . بعضهم قال: كان في البئر مع الله، وفي السجن مع اللصوص، وكان أسعد في البئر منه في السجن، هذا توجيه آخر، قال تعالى : ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ الْبَدْوِ ﴾ ( سورة يوسف ) مَن بدا جفا : من نعمة الله عز وجل أن يكون الإنسان في مكان فيه مجلس علم، لأن مَن بدا جفا، البادية أجمل، الريف أجمل، لكن ليس هناك مجالس علم، لو أن أحدهم أخذ بيتاً بمكان جميل، وسكن فيه، وانقطع عن الحق فهو الخاسر الأكبر، من بدا جفا، وفي أية قرية أو مدينة فيها مجلس علمٍ فالسكنى فيها أولى، قال تعالى : ﴿ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ﴾ (سورة يوسف ) لطفُ الله : أي أن الله عز وجل أعطاه، لكن على المدى البعيد، سيدنا يوسف كان في البئر فصار عزيز مصر، ليس بين عشية وضحاها، لا، وإنما خلال أربعين عاماً، قال تعالى : ﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ﴾ ( سورة يوسف ) ﴿ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ﴾ (سورة العنكبوت) لا تستعجل، لأن من تعجل الأمر قبل أوانه عوقب بالحرمان، قال تعالى : ﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ (سورة يوسف ) تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ عندئذ التفت هذا النبي الكريم إلى الله عز وجل وقال : ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ (سورة يوسف ) تمني يوسف لقاء ربه وهو في أوج عطائه : قال بعضهم: لقد تمنى لقاء الله عز وجل وهو في أوج ملكه، سيدنا عمر بن عبد العزيز قال مرة: " تاقت نفسي إلى الإمارة، فلما بلغتها تاقت نفسي إلى الخلافة، فلما بلغتها تاقت نفسي إلى الجنة "، أي أن مطمح المؤمن دخول الجنة، فإذا أمضى حياته في طاعة الله، أمضى حياته في الدعوة إلى الله، بذل من ماله، ومن وقته، ومن جهده في سبيل الله فلا شيء أحب إليه من الانتقال إلى الدار الآخرة . سيدنا أبو سفيان بن الحارثة حينما كان على فراش الموت بكى أهله فقال: << لا تبكوا علي، فوالله ما عصيت الله منذ أسلمت، لا تبكوا علي، أنا في جنة >>، فساعة اللقاء عند أهل القرب لا تعدلها ساعة، ساعة اللقاء هي عرس المؤمن، لا تبكِ على أبيكِ بعد اليوم، غداً ألقى الأحبة محمداً وصحبه . لا تتمنوا الموت فإن طول العمر وحسن العمل نعمة : لكن النبي عليه الصلاة والسلام نصحنا فقال : (( لا تتمنوا الموت )) [ ورد في الأثر ] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ: (( مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ )) [ سنن الترمذي ] إن كانت حياتنا فيها زيادة من الخير فأحيِنا، وإن كان فيها زيادة من غير الخير فأمتنا وتوفنا . قال تعالى : ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾ (سورة يوسف ) ولاية الله للمتقين : وقال أيضاً : ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ﴾ ( سورة البقرة : الآية 257) شتان بين المؤمن وغير المؤمن، الله ولي المؤمن، والشيطان ولي الكافر، المؤمن من خير إلى خير، من رؤية إلى رؤية، من قربٍ إلى قرب، من طاعةٍ إلى طاعة، من سعادة إلى سعادة، من شأنٍ إلى أعلى، من مكانة إلى أكبر، وغير المؤمن من ورطة إلى ورطة، من سيئة إلى أكبر، من شقاءٍ إلى شقاء، من أزمة إلى أزمة، إلى أن يأت الموت، فيلقى في جهنم، قال تعالى : ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ (سورة يوسف ) إذا أحب الله عبدا رزقه عملا صالحا فتوفاهعليه : لذلك : (( إذا أحب الله عبده عسله ، قيل : وما عسله يا رسول الله ، قال: يرزقه عملاً صالحاً ثم يتوفاه عليه )) [ ورد في الأثر ] حدثني أخ في الجامع عندنا هنا، له والد يعمل مؤذناً، وبعضهم قال: ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله هم المؤذنون، أذن لصلاة الظهر، وأقام الصلاة، واقتدى بالإمام، وصلى الركعة الأولى والثانية والثالثة، وفي سجود الرابعة توفاه الله عز وجل، وهناك أناس يموتون وراء أجهزة اللهو في أبشع ميتة . (( إذا أحب الله عبده عسله ، قيل : وما عسله يا رسول الله ، قال: يرزقه عملاً صالحاً ثم يتوفاه عليه )) [ ورد في الأثر ] مَن شبّ على شيء شاب عليه : لكن من شب على شيء شاب عليه، ومن شاب على شيء مات عليه، ومن مات على شيء حشِر عليه، هذا كلام دقيق جداً، من شب على شيء شاب عليه، إذا أَلِفَ الإنسانُ في شبابه المعاصي، أَلِف إهدار الوقت في أشياء لا ترضي الله عز وجل تصبح هذه المعاصي جزءاً من حياته، تصبح عادات ثابتة، قال الرسول الكريم : (( من بلغ الأربعين ولم يغلب خيره شره فليتبوأ مقعده من النار )) [ ورد في الأثر ] من شبّ على شيء شاب عليه، ومن شاب على شيء مات عليه، ومن مات على شيء حُشِر عليه، يقول ربنا عز وجل : (( عبدي، شاب شعرك، وضعف بصرك، وانحنى ظهرك فاستحي مني، فأنا أستحي منك )) [ ورد في الأثر ] إلى متى أنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدرت مسؤول *** إلى متى أنت بالمعاصـــي تسير مرخى لك العنــــان عندي لك الصلـح و هو بِرِّي و عندك السيف والسنـــان ترضى بأن تنقضـي الليالي وما انقضت حــربك العوان فاستحي من شيبة تـــراها في النار مشجونة تهـــان هناك مناجاة : يا رب هذي ذنوبي وأنت بالخطب مستعان *** فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لما وليت عـنا لغيــــرنا و لو سمعت أذناك حُسن خـطابنا خلعت عنك ثياب العـزل و جئتنـا ولو ذقت من طعم المــحبة ذرة عذرت الذي أضحى قتـيلاً بحـبنا ولو نسمت من قربنا لك نــسمة لمُتّ غريباً و اشتياقاً لقــــربنا فما حبنا سهل و كــل من ادعى سهولة قلنا له : قد جهـــــلتنا فأيسر ما في الحب للصب قتـله وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنا *** خاتمة : آخر كلمة: ليس في الكون إلا الله، وأي شيء يقربك إليه فهو حق، وأي شيء يبعدك عنه فهو باطل، أي فكرة أو عادة أو سلوك أي شيء يقربك إليه فهو حق، وأي شيء يبعدك عنه فهو باطل، وليس إلا الله، وما توفيقي إلا بالله، ولا تتحقق الأهداف إلا بالله، والآية الأخيرة، قال تعالى : ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى(39)وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى(40)ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى ﴾ ( سورة النجم ) |
|
|
|
#10 |
|
كبار الشخصيات
|
﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ﴾
( سورة يوسف ) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ قصة يوسف دليل على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام : هذه القصة لا تعلمها أنت، لم تكن في زمنها، لم تكن في مكان وقوعها ولا في زمان وقوعها، بينك وبينها مئات السنين، بل آلاف السنين، قال تعالى : ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) أولاً: ربنا سبحانه وتعالى في مطلع هذه السورة يقول : ﴿ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) معنى الغافلين: أي لا تعلم أحداث هذه القصة، فإذا جاء نبي في آخر الزمان يحدث بحديث ذي تفصيلات وحوادث وأشخاص وأمكنة وأزمنة لا يمكن أن يحصِّلها بخبرته، ولا بثقافته، ولا بعلمه، إذاً: هي من عند الله عز وجل، فكأن هذه القصة تثبت نبوة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، قال تعالى : ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ المكر لابد له من اجتماع وتخطيط : الحقيقة أن المكر لا يتم إلا في اجتماعات مغلقة، والإنسان إذا أراد أن يمكر، أو أن يدبر، أو أن يخطط، أو أن يبحث، فلا بد من اجتماع مغلق، فإخوة يوسف اجتمعوا فيما بينهم، ومكروا بيوسف، ثم اجتمعوا فيما بينهم، ومكروا بأبيهم، قال تعالى : ﴿ قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ﴾ ( سورة يوسف ) قصة يوسف حلقات من المكر : وإخوة يوسف اجتمعوا بعد أن حُجِز أخوهم الصغير، واتفقوا فيما بينهم، وامرأة العزيز مكرت بيوسف، والنسوة في المدينة تحدثن عن امرأة العزيز، امرأة العزيز جمعت النسوة، كأن في هذه القصة حلقات كثيرة من التدبيرات أو من المكر، سيدنا يوسف دبر تدبيراً كي يحجز أخاه عنده، فجعل صواع الملك في رحله، فربنا عز وجل كأنه حينما قال : ﴿ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) أبرز ما في هذه القصة حلقات عديدة من المكر والتدبير، إن كانت لصالح بعضهم أو كانت لغير صالح بعضهم، على كلٍ حلقات عديدة من المكر، لذلك جاءت هذه الكلمة لتعبر عن أبرز أحداث القصة وهو المكر . تكرار قوله : ﴿ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ ﴾ في القرآن : قال تعالى : ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ ﴾ ( سورة يوسف ) لا في زمانك ولا في مكانك، الأرض ليست أرضك، والوقت ليس وقتك، ومع ذلك تأتيهم بقصة دقيقة متطابقة مع ما في كتبهم من التوراة والإنجيل، إذاً: أنت نبي، إذاً: هذه القصة دليل على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وعلى رسالته، فكل رسول نبي، والعكس غير صحيح . شيء آخر، العلماء قالوا: ليس القصد نفي حضوره بل إثبات نبوته، كلمة : ﴿ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ ﴾ هذه متكررة، هذا المعنى جاء في القرآن خمس مرات، قال تعالى : ﴿ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا ﴾ ( سورة القصص : 46) قال تعالى : ﴿ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ ﴾ ( سورة القصص : 44) قال تعالى : ﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾ ( سورة آل عمران ) قال تعالى : ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) هذه القصة بأحداثها وشخصياتها، وعقدتها وملابساتها، وبدايتها ونهايتها كانت غائبة عنك، وهذه القصة لا تعلمها، ولا يمكن أن تعلمها إلا أن توحى إليك، إذاً: أنت نبي، وهذه القصة كما ذكرتها وردت عندهم في التوراة والإنجيل، إذاً: المصدر الذي جاء منه القرآن الكريم والتوراة والإنجيل هو مصدر واحد، وهو الله سبحانه وتعالى، قال تعالى : ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ(102)وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ بعضهم يقول: إنّ اليهود تحدوا النبي عليه الصلاة والسلام فقالوا له: إن كنت نبياً كما تزعم فاتل علينا قصة يوسف، فلما تلاها عليهم كفروا، وكان من الممكن أن يؤمنوا، كانت تلاوة هذه القصة حجة عليهم، لذلك جاءت هذه الآية ، وعلاقتها بالآية قبلها أنه : ﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ الأكثرية ليست مؤمنة، والأقلية مؤمنة . كن مع الأقلية ، ولا تكن مع الأكثرية : يا أيها الأخ الكريم لا تكن مع الأكثرية، لا تكن مع التيار العام، لا تكن مع الخط العريض، لا تكن مع صرعات الناس، لا ينبغي أن يشغلك ما يشغلهم، ولا أن يؤلمك ما يؤلمهم، ولا أن يسعدك ما يسعدهم، يجب أن تكون منفصلاً عنهم لأن هذا الخط العريض في المجتمع، أو هذه الأكثرية الساحقة هذه تتبع شهواتها، وتعنيها الدنيا، غافلة عن الآخرة، راغبة في الدنيا ، متعلقة بحطامها، متنافسة من أجلها، غائصة إلى قمة رأسها في متعها، لذلك لا تكن مع الأكثرية، كن مع الأقلية، قال تعالى : ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ( سورة الأنعام : الآية 116) انظر إلى الأحجار في بعض المحافظات؛ إنها تغطي الأرض، وما أكثرها، أما قطع الماس فما أقلها، الشيء الثمين قليل، والشيء الكثير لا قيمة له، لا تكن مع الدهماء، لا تكن مع السوقة، لا تكن مع الرعاع، الإمام علي كرم الله وجهه يقول : << يا بني، الناس ثلاثة، عالِم رباني، و متعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق، فاحذر يا كميل أن تكون منهم>>، لا تكن مع الرعاع، لا تكن مع أتباع كل ناعق، لا تكن مع الدهماء، لا تكن مع السوقة، كن مع الأقلية الواعية، كن مع الأقلية صاحبة المبدأ، كن مع الذين يعنيهم أمر آخرتهم، كن مع الذين يضعون مصلحتهم تحت أقدامهم إذا تعارضت مع مبادئهم، لا تكن مع الذين يغوصون في الدنيا إلى أعماقهم، قال تعالى : ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ﴾ ( سورة الأنعام ) قال تعالى : ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ(102)وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) لذلك إذا اختار الإنسان الهدى تكفيه أبسط الآيات، و إذا اختار طريق الدنيا وطريق الشهوات لو رأى بأم عينه كتاباً نزل من السماء، لو كلمهم الموتى، لو حشر الله عليه كل شيء قُبُلاً ما كانوا ليؤمن، قال تعالى : ﴿ إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ﴾ ( سورة النمل ) هؤلاء موتى، مقبورون في شهواتهم، مقبورون في مصالحهم، مقبورون في أهدافهم الرخيصة . إذاً : ﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ ﴾ الهدى على الله : يا محمد لو جهدت، ولو بذلت كل ما في وسعك لتوضح وتبين وتستقصي وتضرب المثل، قال تعالى : ﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) بمعنى أنك : ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ ( سورة البقرة : الآية 272 ) الآية الثانية قوله تعالى : ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ ( سورة القصص ) الإنسان مخير، أُعطي المشيئة، فإذا شاء الهدى آمن من تلقاء ذاته، آمن من كأس الماء رآه آية على عظمة الله، البحر ملح أجاج، وهذا عذب فرات، من جعل هذا الملح الأجاج عذباً فراتاً؟ الله سبحانه وتعالى، الذي يختار الإيمان يؤمن من خلال الآيات التي بثها الله عز وجل في الأرض، قال تعالى : ﴿ أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ(68)أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنْ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ ﴾ ( سورة الواقعة ) الماء آية، خلق الإنسان آية، الشمس آية، القمر آية، ابنك آية، الثمرة آية، الفواكه آية، المحاصيل آية، الخضراوات آية، البساتين والأشجار المثمرة آية، الحيوانات آية، الأنعام آية، هذه الغنمة التي سخرها الله سبحانه وتعالى لنا نستفيد من لحمها ومن صوفها ومن لبنها وجلدها وأحشائها ومن كل شيء فيها وقد ذللها الله لنا، جعلها مذللة، قال تعالى : ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ(71)وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ﴾ ( سورة يس ) إذاً: كما قال تعالى : ﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) لذلك الرأي العام قد لا ينطبق على الإيمان، الناس يتجهون إلى الدنيا، إلى بيوتها، إلى أراضيها، إلى متعها، إلى شهواتها، إلى زخرفها، إلى بهرجها ويضربون بالقيم عُرض الحائط، يقول لك: من الآن وحتى الموت يخلق الله ما لا تعلمون، غداً أتوب . وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ قال تعالى : ﴿ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) الأنبياء والدعاة الصادقون لا يبتغون أجرا من دعوتهم : أي أن النبي عليه الصلاة والسلام غني عن إيمانهم، لو أنهم آمنوا لما حقق فائدة مادية منهم، لأنهم لا يعطونه شيئاً، ولا يأخذون منه شيئاً إذا كفروا . ﴿ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ﴾ هل هناك أحد منا يستطيع أن يدخل على محام من دون مبلغ يدفعه استشارة؟ من منا يدخل إلى طبيب من دون أن يملك أجرة المعالجة؟ من منا يدخل إلى صيدلي من دون أن يملك ثمن الدواء؟ ما من خدمة تقدم لك في الدنيا إلا ولها مقابل، لا تستطيع أن تدخل إلى محل إلا وتملك الثمن، إلا أنك تستطيع أن تدخل إلى مجلس العلم لتستمع إلى الحق الذي يمكن أن ينقذك من الظلمات إلى النور، ومن الشقاء إلى السعادة من دون أن تدفع شيئاً، الحق مبذول للناس كلهم . الآن لو أن قسط الجامعة يزيد على عشرة آلاف ليرة أيستطيع دخول هذه الجامعة إلا الأغنياء؟ إن كان للجامعة قسط مرتفع معنى ذلك أنّ التعليم الجامعي صار حكراً على الأغنياء، لو أن الله سبحانه وتعالى كلف طلاب العلم أقساطاً باهظة أو نفقات كبيرة لكان طلب العلم قاصراً على الأغنياء، ولكن الله سبحانه وتعالى لحكمة أرادها جعل الحق بلا مقابل، جعل الحق مبذولاً للخلق كلهم، لذلك قال تعالى : ﴿ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ﴾ ( سورة يوسف ) لو سألتهم أجراً لشكُّوا في نياتك ومبادئك، ولكنك لا تسألهم أجراً، إذاً: هو منزه عن الأجر . عندما كان سيدنا جعفر بن أبي طالب في الحبشة، وسأله النجاشي عن دعوة النبي عليه الصلاة والسلام قال: << أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونسيء الجوار، ونأتي الفواحش، ونضيع الأمانة، ويأكل القوي منا الضعيف >>، هذه الجاهلية، هذه الجاهلية الأولى، وهذه الجاهلية الآخرة، وهذه هي طبيعة الجاهلية، وأي مجتمع أعرض عن الله عز وجل هذه صفاته، << نعبد الأصنام، ونأتي الفواحش، ونسيء الجوار، ونقطع الرحم، ونضيع الأمانة، ويأكل القوي منا الضعيف >>، هذه الجاهلية، وهناك جاهليات على مر العصور والدهور، << حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه، ونسبه وعفته، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده، ونخلع ما يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء >>، هذا هو الدين، الدين خلق، بني الإسلام على خمس، هذه الخمس ليست هي الإسلام، وإنما هي دعائم الإسلام، الإسلام بناء آخر، الصلاة دعامة، والصيام دعامة، والزكاة دعامة، والحج دعامة، والشهادتان دعامة، والإسلام بناء أخلاقي بني على هذه الدعائم، فإذا أزيح البناء فهل هذه الدعائم هي الإسلام؟ لا والله، من صلى، وصام، وزكّى، وحج، وزعم أنه مسلم، وكان في عمله سوء، وكانت أمانته مخدوشة، وعدالته مجروحة، واستقامته مشكوك فيها، أهذا هو الإسلام؟ قال تعالى : ﴿ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ﴾ ( سورة يوسف ) حتى إن الله سبحانه وتعالى جعل علامة الداعية الصادق أنه لا يسألك أجراً، لا قليلاً ولا كثيراً، لا معنوياً ولا مادياً، لا آجلاً ولا عاجلاً، قال تعالى : ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴾ ( سورة الإنسان ) لو أن الداعية إلى الله عرف الله لما طمع بأحد، لأن الله سبحانه وتعالى إذا أعطى أدهش، أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني، قال تعالى : ﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ ( سورة يس ) الأنبياءأعطوا ولم يأخذوا : علامة صدقهم، وعلامة أنهم على حق أنهم لا يسألونكم أجراً أبداً، إنما أنا رحمة مهداة، علامة النبي أنه يعطي ولا يأخذ، وعلامة الكافر أنه يأخذ ولا يعطي، كالأخطبوط يأخذ ولا يعطي، أما النبي الكريم فيعطي ولا يأخذ، لذته في العطاء لا في الأخذ، والمنحرف الخطير يأخذ ولا يعطي، وعامة الناس بينَ بين، يأخذون ويعطون، " فيا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ، يا من قدست الوجود ورعيت قضية الإنسان، يا من زكيت سيادة العقل ونهنهت غريزة القطيع، يا من هيأك تفوقك لتكون واحداً فوق الجميع، فعشت واحداً بين الجميع "، هذا إهداء قرأته في كتاب يتحدث عن النبي عليه الصلاة والسلام . راقب نفسك أتحب الأخذ أم العطاء؟ هناك من يحبون الأخذ، من يحبون أن يغنوا ولو على حساب الناس، أن يشبعوا ولو على جوع الناس، أن يكبروا ولو على أشلاء الناس، أتحب أن تسعد الآخرين؟ أتحب أن تخدم الناس؟ أتحب أن تكون مفتاح الخير لا مفتاح الشر؟ أتحب أن تُقضى حوائجهم على يدك؟ إذا أحب الله عبداً جعل حوائج الناس إليه، الخير بيدي، والشر بيدي، فطوبى لمن قدرت على يده الخير، والويل لمن قدرت على يده الشر، إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك، راقب عملك، هل عملك فيه عطاء أم فيه أخذ؟ هل عملك يبنى على إيذاء الناس أم على إكرام الناس؟ شتان بين العملين، لذلك : (( وَإِنَّ الرُّوحَ الأَمِينَ نَفَثَ فِي رُوْعِي ، أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ ، وَلاَ يَحْمِلْكُمَ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ عَلَى أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعَاصِي اللهِ فَإِنَّهُ لاَ يُنَالُ مَا عِنْدَ الله إِلاَّ بِطَاعَتِهِ )) [ ابن أبي شيبة عن ابن مسعود ] واستجملوا مهنكم، لا ترض بمهنة سيئة، اختر مهنة صالحة فيها نفع عميم، لا تجعل مهنتك فتنة، الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها، هناك أعمال مبنية على إثارة الفتن، أو على فتنة النفوس في الدنيا، أو على بيع بضاعة محرّمة، أو على التعامل بمواد محرّمة : ((وَإِنَّ الرُّوحَ الأَمِينَ نَفَثَ فِي رُوْعِي ، أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ ، وَلاَ يَحْمِلْكُمَ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ عَلَى أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعَاصِي اللهِ فَإِنَّهُ لاَ يُنَالُ مَا عِنْدَ الله إِلاَّ بِطَاعَتِهِ )) الحق مبذول لجميع الناس : شيء آخر، مما يدل على عدالة الله عز وجل أنه جعل الحق مبذولاً، الخلق كلهم عيال الله، << يا سعد، لا يغرنك أنه قد قيل: خال رسول الله، فالخلق كلهم عند الله سواسية، ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له >> . كلكم مدعوون إلى الحق، أبيضكم وأسودكم، عربيكم وأعجميكم، كبيركم وصغيركم، أيّ إنسان، قال تعالى : ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى(43)فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ ( سورة طه ) فرعون الذي قال: ﴿ أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى ﴾ ( سورة النازعات ) والذي قال : ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾ ( سورة القصص : الآية 38 ) والذي قال : ﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾ ( سورة الزخرف : الآية 51 ) هذا هو نفسه دعاه الله إليه : ﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا ﴾ ( سورة طه : الآية 44 ) لذلك من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف، قال تعالى : ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾ ( سورة آل عمران : الآية 159 ) لابد من الرفق بالناس في الدعوة : قال بعض العلماء: من تصدر للإرشاد فإن عليه اجتناب ما يمنع من قبول كلامه، فالورع حسن، لكن في العلماء أحسن، هذا الذي تدعوه إلى الله يجب أن تكون قدوة له، يجب أن تكون سباقاً إلى الخير، يجب ألا يأخذ الناس عليك مأخذاً، قال تعالى : ﴿ وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ ( سورة البقرة : الآية 124) يجب أن تصبر، ويجب أن تضحي، ويجب أن تبذل، ويجب أن تتواضع، ويجب أن ترحم من أجل أن يشرفك الله لأن تكون جندياً من جنود الحق، ما من حرفة أرقى في الأرض من أن تكون داعياً إلى الله عز وجل، قال تعالى : ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ ﴾ ( سورة فصلت ) وسيأتي بعد قليل آية خطيرة جداً، بمعنى أن الذي لا يدعو إلى الله ليس مؤمناً، من سمات المؤمن أنه يدعو إلى الله، فلو تخلى عن الدعوة فقد إيمانه . نفي الشيء إثبات لضده : الآن هناك قاعدة نفي الشيء إثبات لضده، فإذا كان للإنسان غرض دنيوي من دعوته إلى الله، إذا أثبتنا هذا الغرض نفينا الإخلاص عنه، فإذا نفينا هذا الغرض أثبتنا الإخلاص، فإذا نفيت عن إنسانٍ أن تكون له مآرب من دعوته الدنيوية فهذا النفي هو في حد ذاته إثبات في إخلاصه، قال تعالى : ﴿ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ(104)وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ الآيات الكونية دالة على الله : من منا لا يأكل، هذه المائدة التي توضع أمامك في اليوم ثلاث مرات، هل فكرت فيها؟ انظر إلى ما فوق مائدة طعامك : هل فكرت في كأس الماء؟ قال تعالى : ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ﴾ ( سورة الملك ) لو أن سنوات القحط والجفاف استمرت، ما قيمة هذه الطوابق العليا؟ ما قيمة هذه البيوت الفخمة لو لم يكن فيها ماء؟ ما قيمة الشام؟ لا قيمة لها لولا الماء، إذا جلست إلى الطعام فهذا الخبز الذي تأكله هل تعلم أن هذا القمح غذاء كامل للإنسان، ما هذا التوافق بين بنية القمح وبنية الجسم، هذا الحليب الذي تشربه غذاء كامل، من جعل هذا التوافق بين حليب الغنم وحليب البقر وحاجة الجسم؟ هذا اللحم الذي تأكله من سخره لك هذه الخضراوات التي تأكلها من زرعها لك، قال تعالى : ﴿ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ﴾ ( سورة الواقعة ) الثمار : تلقي الحبة وتذهب إلى البيت، هذه الحبة والرشيم والسويق والجذير من يشق الحبة عن الرشيم؟ كيف ينمو هذا الرشيم؟ كيف تنبت الأوراق؟ كيف تظهر الأزهار؟ كيف تنعقد الثمار؟ كيف تصبح هذه الثمار ناضجة؟ هذه الفواكه التي تأكلها تصميم من؟ بستان فيه التفاح وفيه العنب والإجاص وفيه المشمش وفيه التوت والدراق، وفيه الكرز يسقى بماء واحد، قال تعالى : ﴿ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ ( سورة الرعد : الآية 4) آيات دالة على عظمة الله، ما الفرق بين الكرز والدراق؟ فرق كبير، اكتب الفرق كتابة، لن تستطيع، هذا حلو وهذا حلو، ولكن حلاوة الكرز غير حلاوة الدراق، غير حلاوة الإجاص، غير حلاوة التفاح، غير حلاوة العنب، غير حلاوة التمر . التمر : التمر، هذه الشجرة التي تعيش أكثر من ستة آلاف عام، هناك أشجار نخيل قبل سيدنا عيسى بكثير، قبل الميلاد، هذا التمر الذي فيه مادة سكرية، تتمثل في أقل من عشرين دقيقة، من الفم إلى الدم في عشرين دقيقة، فيه مادة تمنع النزيف، فيه مادة تمنع الكتم، ملينة ، فيه مادة تغذي الدماغ أي آيات بليغات عن التمر . العنب : هذا العنب لو أمسكت بعنقود العنب بكلتي يديك، وشددته وتعلقت به لما انقطع، فإذا فعلت هكذا انقطع، تصميم من هذا؟ مهما هبت الرياح فلا يقع العنب، لكنك إذا حركت العنقود حركةً معاكسةً لزاوية ذنبه ينقطع فوراً، هناك تصميم . نضج الفواكه والخضر تباعا : من جعل هذه الفواكه تنمو تباعاً، الكرز أولاً، ثم المشمش، ثم الدراق، ثم الإجاص، ثم التفاح، ثم العنب، ثم التين، لو أنّ هذه الفواكه تنضج جميعاً في يوم واحد، أو في أسبوع واحد لأتلفت، ولما استفدنا منها، نستفيد منها إذا نضجت تباعاً، والفاكهة الواحدة تنضج أيضاً على مدى شهر، على مدى أربعة أسابيع، التفاح على مدى شهرين، من جعل هذه الخضراوات تنضج تباعاً، كل يومين قطف كوسا، الكوسا والباذنجان والبندورة كل يومين قطف، لو أنها كالقمح تنضج في يوم واحد ماذا نفعل بها؟ لكنّ القمح لو أنه نضج تباعاً كيف نحصده؟ مستحيل، الحمص والقمح والعدس والشعير هذه المحاصيل من آيات الله الدالة على عظمته أنها تنضج في يوم واحد رحمة بنا، قال تعالى : ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا ﴾ ( سورة يوسف ) الكواكب والنجوم : القمر آية ، قلب العقرب آية ، يسع الأرض والشمس مع المسافة بينهما، الشمس آية يزيد حجمها عن حجم الأرض بمليون وثلاثمائة ألف مرة، أي أن الشمس تتسع لمليون وثلاثمائة ألف أرض، ويزيد لسان اللهب طولاً عن مليون كيلو متر، الشمس آية، درب التبانة آية إذ يبلغ طوله مائة وخمسون ألف سنة ضوئية، بينما القمر يبعد عن الأرض ثانية ضوئية واحدة، هؤلاء الذين قالوا: غزونا الفضاء، ما تجاوزوا من الفضاء إلا ثانية ضوئية واحدة، بينما درب التبانة طوله مائة وخمسون ألف سنة ضوئية، أقرب نجم إلينا نجم القطب، أربعة آلاف سنة ضوئية، لو ركبنا إليه سيارة لاحتجنا كي نصله إلى سبعة وعشرين مليون مليون سنة، أقرب نجم في الكون إلينا هو نجم القطب، وهناك مجرات تبعد عنا ثمانية عشر ألف مليون سنة ضوئية، قال تعالى : ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) العين : في العين مادة مضادة للتجمد لو ذهبت إلى فلندة إلى سيبيريا، وكانت الحرارة دون خمسين تحت الصفر، لولا أنّ في العين هذه المادة لعمي الناس كلهم هناك، هذا الماء الذي في العين يتجمد، لكنّ في ماء العين مادة مضادة للتجمد، هذه آية من آيات الله، هذا الماء الذي نشربه عنصر، ليس في الأرض من عنصر إذا تجمد إلا انكمش إلا الماء إذا تجمد توسع . كثافة الماء : لولا هذه الخاصة لما كنا جميعاً في هذا المسجد، ولما بقي على وجه الأرض إنسان ولا حيوان ولا نبات، لأن هذا الماء لو أنه تجمد فانكمش أي زادت كثافته لغاص في أعماق البحار، إذا تجمد البحر على السطح يهبط إلى الأسفل، على مدى مائة عام تصبح البحار كلها متجمدة، فإذا أصبحت البحار متجمدة انعدم التبخر، ومع انعدام التبخر تنعدم الأمطار، فيموت النبات، ويموت الحيوان، ويموت الإنسان، هذه الخاصة توسع الماء إذا تجمد، ترى البحار الشمالية المتجمدة الطبقة السطحية متجمدة، أما البحار فماء دافئة تسبح فيها الأسماك، لو أنّ الماء إذا تجمد غاص في أعماق البحار لنشأت مشكلة كبيرة جداً، قال تعالى : ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) الأغناموفوائدها : هذه الأغنام إذا قلنا: إنّ كل خمسة آلاف إنسان يصيبهم في اليوم رأس غنم واحد يجب أن يذبح كل يوم مليون رأس غنم، على مدار السنة ثلاثمائة وخمس وستين مليون رأس، لو مثلنا هذا الرقم بنهر لكان نهراً يفوق أضخم أنهار العالَم غنم للطعام، لو مثلنا الحليب الذي يحلب من الأبقار كلها في أنحاء العالَم لكان نهراً يزيد على نهر الأمازون، ثلاثمائة ألف متر مكعب بالثانية، هذا عطاؤنا، نهر من الحليب، ونهر من الغنم، ونهر من المحاصيل . دمشق، هذه البيوت، اصعد إلى جبل قاسيون، وألقِ نظرة على دمشق من علٍٍ، ما من بيت إلا وفيه سكر وشاي وبن ورز ومونة، من وزع هذه الأقوات؟ الله سبحانه وتعالى، قال تعالى : ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ(105)وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ هذه الآية : ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ ﴾ شركٌ وإيمانٌ!!! هي مركز الثقل، مؤمن يشهد أن لا إله إلا الله وهو مشرك، يصلي وهو مشرك، يزكي وهو مشرك، يحج البيت وهو مشرك، يقول: أنا مسلم وهو مشرك، أؤمن بالله، وهو مشرك، أؤمن بالجنة وهو مشرك : ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾ أقوال العلماء في هذه الآية : العلماء لهم في هذه الآية أقوال عديدة، بعضهم قال: يؤمن أكثرهم باللسان، وهم مشركون بالقلب، وهم مشركون بالعمل، يؤمنون في الشدة ويشركون في الرخاء، باللسان والعمل، باللسان والقلب، بالشدة والرخاء، والعلماء قالوا: هناك شرك بالطاعة، فالذي يطيع غير الله هو عند الله مشرك، وهناك شرك في النية، الذي ينوي في قلبه التقرب إلى فلان من دون الله عز وجل فهو مشرك، وهناك شرك في الوجهة، الذي يتوجه بكليته إلى غير الله فهو مشرك، وهناك شرك في العمل، الذي يعمل لغير الله فهو مشرك، والحقيقة أنه ليس في الكون إلا حقيقة واحدة وهي الله، فإذا عرفتها فأنت مؤمن، وإذا جهلتها فأنت مشرك، إذا تقربت إليها فأنت مؤمن، وإذا تقربت إلى غيرها فأنت مشرك، إذا خفتها فأنت مؤمن، وإذا خفت من غيرها فأنت مشرك، إذا عملت لها فأنت مؤمن، وإذا عملت لغيرها فأنت مشرك . الشرك نوعان أصغر وأكبر : لكنّ العلماء قالوا: الشرك نوعان: شرك كبير لا يُغفر، قال تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ ( سورة النساء ) أن تعبد مع الله إلهاً آخر، أن تطيع إنساناً في معصية الخالق، هذا شرك أكبر لا يُغفر، أن تتخذ إلهاً غير الله، ولو كان من بني البشر، أن تعبد غير الله، أن تطيع غير الله، أن ترضى بقربة غير القربة من الله عز وجل . وقال بعضهم: هذا الشرك هو النفاق، ذلك المنافق يعمل إذا عمل رياء الناس وهو مشرك بعمله، وهناك حديث قدسي يقول: (( أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه )) [ التفسير للإمام القرطبي ] لا أقبله، أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، ومن كان أشرك في عمل عمله لله فليطلب ثواب هذا العمل من عند غير الله، فإن الله أغنى الأغنياء عن الشرك، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: (( أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟ قَالَ: قُلْنَا: بَلَى، فَقَالَ: الشِّرْكُ الْخَفِيُّ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلاَتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ )) [ سنن ابن ماجة ] وهذا من الشرك أيضاً ، و" الشرك أخفى من دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على شيء من الجور، وأن تبغض على شيء من العدل " . إذا أحببت صديقاً لك ليس مستقيماً، جائراً قليلاً، منحرفاً قليلاً إذا أحببته فأنت مشرك، وإذا نصحك ناصح، وكان في نصيحته منصفاً فكرهته فأنت مشرك، قال تعالى : ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾ ( سورة البقرة : الآية 165) هذا من الشرك، قال تعالى : ﴿ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(97)إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ ( سورة الشعراء ) هذا هو الشرك، قيل: كيف يسوى من خُلِق من تراب برب الأرباب، كيف يسوى العبيد بمالك الرقاب، أي أنت إذا أطعت فلاناً، وعصيت الله هل تعلم أنك جعلت من هذا الإنسان خالقاً؟ رفعته إلى مستوى الخالق، وهذا شرك كبير، قال تعالى : ﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ﴾ ( سورة الأنعام ) الشرك بأنواعه أمرٌ عظيم : هو القديم الأزلي السرمدي الأبدي، لا شيء قبله، ولا شيء بعده، بيده الأمر تعصيه، وتطيع مخلوقاً يفنى، يموت، كل مخلوق يموت، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت، أيعقل هذا، أيعقل أن تسوي رب العالمين ببعض البشر؟ أو أن تسوي بعض البشر برب العالمين، سبحان الله، إن الشرك لظلم عظيم، ظلم لهذه النفس، أنت في هذا العمر الثمين تتجه بكليتك، بإمكاناتك، بعقلك، بتفكيرك، بعلمك، بخبرتك، بقيمك، بمبادئك، تتجه للإنسان، وتدع الله عز وجل يغضب عليك، أهذا هو العقل، ما قولكم من حلف بغير الله فقد أشرك، بأولادي، أأولادك أغلى عليك من الله، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ: سَمِعَ ابْنُ عُمَرَ رَجُلاً يَحْلِفُ لاَ وَالْكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ )) [ سنن أبي داوود ] عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبَلَ إِلَيْهِ رَهْطٌ فَبَايَعَ تِسْعَةً، وَأَمْسَكَ عَنْ وَاحِدٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَايَعْتَ تِسْعَةً، وَتَرَكْتَ هَذَا، قَالَ : (( إِنَّ عَلَيْهِ تَمِيمَةً، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَقَطَعَهَا فَبَايَعَهُ، وَقَالَ: مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ )) [ مسند الإمام أحمد ] وضع حدوة، وكتب: " عين الحاسد تبلى بالعمى " ، هذا شرك، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ فَقَدْ أَشْرَكَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمُ: اللَّهُمَّ لاَ خَيْرَ إِلاّ خَيْرُكَ، ولاَ طَيْرَ إِلاّ طَيْرُكَ، وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ )) [ مسند الإمام أحمد ] أراد أحدهم أن يسافر، ولم يجد غير يوم الأربعاء ليسافر، فقال: أنا لا أسافر يوم الأربعاء، أتشاءم من هذا اليوم، هذا شؤم، لا تشاؤم ولا طيرة، ولا حدوة ولا هامة . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )) [ أحمد ] وعَنْ صَفِيَّةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاَةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا )) [ مسند الإمام أحمد ] هذا كله شرك، إذا قرأت في المجلات حظك هذا الأسبوع، أنت ولدت في كانون الأول، وكان برجك الدلو مثلاً تنظر إليه، فهذا شرك، إذا جلست إلى ساحر ولم تصدقه لم تقبل لك صلاة أربعين صباحاً، رقم الستة عشر لم يعجبني، هذا شرك، دخل صديقك على المحل فلم تتم البيعة فقلت: إن هذا الشخص قدمه نحس، هذا شرك، ليس له علاقة، هذا كله كلام لا معنى له، فلذلك باب الشرك واسع، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : (( الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، مَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِي جَهَنَّمَ )) [ سنن ابن ماجة ] أن تقول: أنا، فهذا شرك، أن تقول: فلان، فهذا شرك، أن تقول: هذا الطبيب أنقذ ابني من موت محقق، فهذا شرك، التقيت بإنسان عجبت؛ له حينما تكلم وضع يده هنا، وضغط زراً فتكلم، قال: أنا استؤصلت حنجرتي، وذكر دولة أجنبية، هؤلاء الذين أنقذوا حياتي، أنقذوني من السرطان، ركبوا لي هذه الحنجرة، هم إنسانيون وأصحاب مبادئ، عزا كل الفضل إليهم، ونسي الله عز وجل، هذا شرك، ويقول الله عز وجل : ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) قلّ من ينجو من الشرك، طبعاً الشرك الكبير هذا لا يغفر، لكن الشرك الصغير أن تحب إنساناً، وفيه بعض الانحراف، تحبه محبة بالغة، ولكن لم يصل العصر أمامك، ولا زلت على محبته، هذا شرك، نصحك أحدهم نصيحة انزعجت، تجرأ علي، هذا شرك، أحببت إنساناً ونسيت الله عز وجل، هذا شرك، قال تعالى : ﴿ أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمْ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) الفضل كلُّه لله : هذا الذي أشرك فلاناً، أحبه وعصى الله، أطاعه وعصى الله، أرضاه وأغضب الله، تقرب إليه وابتعد عن الله، تعلق به ونفر من الله، هذا الذي أحب مخلوقاً، ونسي الخالق، هل يأمن من عذاب الله ؟ أحد الولاة جاءته رسالة من الخليفة، وفيها توجيه بظلمٍ، وعنده أحد التابعين، فقال: " ماذا أفعل يا فلان؟ هذا أمر من يزيد، ماذا أفعل؟ فقال هذا التابعي كلمة تكتب بماء الذهب، قال : " إنّ الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله " ، أي إذا أطعت فلاناً وعصيت الله، والله سبحانه وتعالى قدّر عليك مرضاً عضالاً، ماذا تفعل؟ فلان ينجيك، لا يزيد على أن يبعث لك باقة ورد متمنياً لك الشفاء العاجل، وقد لا يكون هذا الشفاء، الكليتان بيد من لو توقفتا عن العمل؟ وحتى هذه الساعة لا يعرف العلم سبب هذا التوقف، هذا مرض خطير اسمه توقف مفاجئ، هبوط مفاجئ في عمل الكليتين، يحتاج في كل أسبوع مرتين غسيل دم، يخرج الدم بكامله إلى كلية صناعية يبقى ثماني ساعات وستة ساعات انتظار، ويدفع ألفي ليرة تقريباً أو سبعمائة ليرة، أو تريد إعفاء، تأخذ عشرة أسابيع بهذه اليد حتى ينثقب جسدك، وعشرة باليد الأخرى، وعشرة بالرجل الأولى، وعشرة بالثانية، فلم يبق أماكن، فتح شريان، وأخذ دم بكامله وغسيله، لو توقفت هاتان الكليتان عن العمل فجأة ما الذي تفعله ؟ لو توقف نقي العظام عن صنع الكريات الحمراء ماذا تعمل؟ لو نمت بعض الخلايا نمواً عشوائياً، وأخذت خزعة إلى التحليل، وقيل: هذا ورم خبيث، هذا الذي أطعته من دون الله ماذا يفعل معك؟ هل يقول لهذه الخلايا: قفي عن النمو، هل يقدر أن يفعل ذلك؟ طبعاً لا يقدر، لو تعب هذا القلب هذا الذي أطعته من دون الله ماذا يفعل، ماذا يقدم لك؟ إنّ الله يمنعك من يزيد، ولكنّ يزيد لا يمنعك من الله، لذلك من البديهيات أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق . جاء بعض الخلفاء إلى الحج، وكان في الحرم المكي، فالتقى بعالِمٍ جليل، فقال لهذا العالِم: سلني كل حاجتك، فقال: والله أستحي، وأنا في بيت الله أن أسأل غير الله، فلما التقى به خارج الحرم قال له: سلني كل حاجتك، قال: والله ما سألتها من يملكها أفأسألها من لا يملكها، قال له: سلني كل حاجتك، فقال له: أنقذني من النار، قال : هذه لا أملكها، قال: إذاً ليس لي عندك حاجة ، وقد قيل: " استغنِ عن الرجل تكن نظيره، وأعط من شئت تكن أميره، واحتج إليه تكن أسيره "، قال له: " يا أبا حنيفة، لو تغشيتنا نأنس بك، ونسعد بقربك، ونفتخر بك، قال: ولِمَ أتغشاكم وليس لي عندكم شيء أخافكم عليه؟ وهل يتغشاكم إلا من خافكم على شيء؟ " ، لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس، فإن الأمور تجري بالمقادير، شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس : ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ ﴾ ( سورة الشعراء : الآية 213) لا تنام الليل، والله لم أقل هذه الكلمة، من قال: إني قلتها، كيف سأرضيه؟ لا تنام ليلتك، الإنسان لئيم ومعلوماته قاصرة، فقد يسمع فيك قولاً ما قلته، ويحكم عليك وأنت بريء، لذلك قال تعالى : ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ ﴾ ( سورة الشعراء : الآية 213) إرضاء الناس غاية لا تدرك، قال تعالى : ﴿ أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمْ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمْ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ احذروا نقمة الله : أي تحت سمعنا وبصرنا، كولومبيا في قمة جبل الثلج بخمسة أمتار، ثار بركان ذابت الثلوج، وشكّلت سيولاً أغرقت المدينة، وبعدها جاءت الحمم فأحرقتها، خمسة وثلاثون ألف إنسان ماتوا في دقائق، والمكسيك قبلها، وأغادير قبلها، و قبلها ميلانو، وقبلها بكين، قال تعالى : ﴿ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾ ( سورة الأعراف ) لا يأمن بأس الله إلا القوم الضالون، لا يأمن بأس الله إلا الغبي . كان أحدهم يركب سيارة وهو ظالم لنفسه، كسبه حرام، بنى ثروة من أموال الناس غصباً، استعلى عليهم، ضايقهم، كان يمشي في سيارته عندما نزل المطر بشكل بطيء، وضع قدمه على المكبح، دار قليلاً، واصطدم بسيارة شحن، نزعوا رأسه من المقعد الخلفي، في ثوان قليلة بحركة، أحياناً ينفجر شريان في الدماغ ويكون الرجل جالساً، وفي غضون ثانية واحدة يكون قد انتهى، هذه سكتة دماغية ينفجر فيها شريان في الدماغ، يرتفع الضغط قليلاً للاثنين وعشرين، ينفجر الشريان، فيمشي الدم في الدماغ وينتهي، هناك مليون طريقة، إذا عصى أحدنا الله عز وجل ولم يبال بالدين، ولم يهتم بالآخرة، ما هو الإنسان؟ من أي سبب يأتيه ملك الموت، قال تعالى : ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي سبيل الله واحدةوسبل الضلال كثيرة : هذه سبيلي، ليس في الأرض إلا سبيل واحدة، وما سواها باطل، قال تعالى : ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ ( سورة الأنعام : الآية 153) بين نقطتين لا يمر إلا مستقيم واحد، أما المنحنيات والمنكسرات فيمر ألف خط، الباطل متعدد، والحق واحد، هناك باطل غربي وباطل شرقي، باطل شهواني باطل عقائدي، باطل سلوكي باطل لهو، فالباطل أنواع منوعة، أما الحق فواحد لا يتبدل، ولا يتغير : ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾ ( سورة يونس : الآية 32 ) إذا كنت تسير على طريق، وخرجت منه فهذا هو الضلال : ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾ ( سورة يونس : الآية 32 ) الحق واحد ، قال النبي الكريم، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلاَنِيَةً لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ، وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى اثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلاّ مِلَّةً وَاحِدَةً، قَالُوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي )) [ سنن الترمذي ] << إنما أنا متبِعٌ ولست بمبتدع، إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني >>، هذا كلام سيدنا الصديق . قال تعالى : ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي ﴾ ( سورة يوسف ) متبع النبي يدعو إلى اللهعلى بصيرة : ومن اتبعني، من اتبعني يدعو إلى الله، ومن لا يدعو إلى الله لا يتبعني، لا يتّبِعُني ولا يتْبَعُني، لا يتّبِعُني، أي لا يقتفي أثري، ولا يتْبَعُني أي لا ينتمي إليّ، وعلامة أنك متّبِعٌ للنبي عليه الصلاة والسلام أنك تدعو إلى الله، لكن على بصيرة، معك الدليل، معك البرهان، لا كما يقول بعض رجال الأديان الأخرى: الإيمان فوق العقل، أي أن الإيمان غير معقول، بالإيمان لا تفكر، سلِّم فقط، هذه فرية من الشيطان، من لا دين له لا عقل له، من لا عقل له لا دين له، تبارك الذي قسم العقل بين عباده أشتاتاً، إنّ الرجلين ليستوي عملهما وبرهما وصومهما وصلاتهما، ويختلفان في العقل كالذرة جنب أحد، عندما خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحبّ إليّ منك، بك أعطي وبك آخذ، قوام الرجل عقله، العقل أصله دين، لذلك : ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ﴾ هذا العمل من الدعوة فلا تحتقره : العلماء قالوا: كل من ذكر الحجة وأجاب على الشبهة فقد دعا إلى الله، وضحت آية، فسرتها تفسيراً صحيحاً، وضحت حديثاً شريفاً، وجهته توجيهاً صحيحاً، ذكرت حكماً فقهياً، أمرت بمعروف، نهيت عن منكر، دعوت إلى ذكر الله، بينت معنى الإخلاص، معنى التوكل، معنى الصبر، ذكرت شيئاً من أسماء الله الحسنى، معنى اسم الله الرحيم، العليم، اللطيف، الجامع، المانع، القوي، الغني، هذا كله دعوة إلى الله، إذا ساهمت في تقريب العبد من ربه فقد دعوته إلى الله، ومن لوازم الإيمان الدعوة إلى الله، قال تعالى : ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) لست مشركاً، وعلامة الإيمان عدم الشرك . |
|
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| التفسير سورة هود لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي | العفريني | قسم تفسير القران | 15 | 10-17-11 09:14 AM |
| التفسير المختصر - سورة التوبة لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي | العفريني | قسم تفسير القران | 19 | 10-13-11 04:11 PM |
هذا الموقع يستعمل منتجات MARCO1